رغم "الافراط المعلوماتي" يظل دور الصحفي المحترف حيويا

A La Une/La Revue Medias

« رغم تطوّر الوسائط الإجتماعية وتوسّع استخدامها، مثل فايسبوك وتويتر ويوتيوب، لا يزال للصحفي المحترف دور إجتماعي مهم في الواقع ». كانت هذه خلاصة أطروحة دكتوراه أنجزتها أخيرا فيتّوريا ساكّو، الباحثة السويسرية بأكاديمية الصحافة ووسائل الإعلام بجامعة نوشاتيل

انصّب اهتمام الباحثة على تحليل التغطية الإعلامية لثورات « الربيع العربي »، والدور المهمّ الذي لعبته شبكات التواصل الإجتماعي خاصة في عامي 2011 و2012 في كل من تونس ومصر وليبيا، لتخلص في النهاية إلى التأكيد على العلاقة التكاملية بين العمل الصحفي التقليدي والوسائط الإجتماعية

للوقوف على خلاصات هذا العمل الأكاديمي، أجرت أنفو سويس هذا الحوار مع طالبة الدكتوراه التي شددت خلاله على أن مواقع التواصل الإجتماعي تظل مثل أي أدوات أخرى « لها إيجابيات وسلبيات تتجلى بحسب طريقة الإستخدام والغرض منه »

 

 سويس أنفو : بعد ظهور شبكات التواصل الإجتماعي وانتشارها الواسع، هل مازال هناك مكان للصحافة المهنية؟

فيتوريا ساكّو: نعم بالتأكيد! فشبكات التواصل الإجتماعية لم تيسّر مهمّة الوصول إلى الحقيقة على الجمهور. صحيح أن بلوغ الخبر والمعلومة قد بات أسهل من قبل، ولكن أصبحت هناك ظاهرة ما يسمى « الإفراط المعلوماتي » (infobesity). كيف لي أن أعرف من بين كل هذه المساهمات ما يحظى منها بمصداقية وما دون ذلك. للأسف الفرد ليس له الوقت، وفي بعض الاحيان لا يمتلك الأدوات/ المعرفة الكافية للتثبّت من المعلومة، وحتى لا يسقط في هذا المحيط المتلاطم من المعلومات. هنا يكون دور الصحافة المهنية دورا محوريا. واستنادا إلى التجربة وقواعد المهنة، يستطيع الصحفي المحترف إضفاء النظام على تلك المساهمات، والتمييز بين الموثوق منها والمفتعل الكاذب

سويس أنفو : كيف غيّرت هذه الأدوات الجديدة حياة الصحفيين، خاصة أولئك الذين يغطون مجريات الأحداث في مناطق النزاعات والحروب؟

فيتوريا ساكّو: مع مرور الوقت، فرضت شبكات التواصل الإجتماعي نفسها كمصدر للمعلومة قائم بذاته. وباتت الآن جزءً لا يتجزّأ من الممارسة الصحفية. وفي النهاية هي قنوات إضافية، مثلها مثل الهاتف الذي نستعمله للإتصال بمصادر يُحتمل أن تسلط الضوء على موضوع ما. هذه الشبكات أصبحت مهمّة جدا لتغطية ما يجري في مناطق النزاعات والحروب. لأنه بفضل هذه القنوات أصبح بإمكان الصحفيين الوصول إلى المناطق الجغرافية النائية أو التي يكون السفر إليها مُكلفا جدا، في حالة الرغبة في الحصول على شهادات ميدانية. الشبكات الإجتماعية أصبحت أيضا وسيلة مفيدة لإنشاء أوّل اتصال، وربما العثور على أشخاص موثوق بهم، حتى إذا ما انتقل الصحفي على عيْن المكان يمكن أن يستعين به في تنقلاته واتصالاته. وقد يحدث أيضا العكس، أي بعد أن يكون الصحفي قد زار المنطقة، وشاهد بنفسه كيف أن الناشطين ينظمون عملهم ويجمعون معلوماتهم ميدانيا ثم ينشرونها، عندئذ يمكنه أن يختار أكثرها مصداقية وحرفية ليعتمد عليها إذا ما عاد إلى مقرّ عمله، فيوظّف ما يتاح له بفضل تلك المصادر في كتابة مقالاته وانجاز ريبورتاجاته

من خلال تحليل المحتويات المنشورة بواسطة الشبكات الإجتماعية الذي قمت به أثناء اعدادي لأطروحة الدكتوراه، تبيّن لي أن هذه الشبكات تُضفي دينامية وحيوية على التقارير الصحفية. وبفضلها، أصبحت هذه التقارير أكثر تنوّعا من حيث طرق العرض، ومن حيث مصادر الخبر، ومن حيث ثراء المادة. كما أحدثت انقلابا على مستوى آليات إنتاج العمل الصحفي وشبكة توزيع الخبر ونشره. في نفس الوقت، منحت إلى المصادر البديلة فرصة إبلاغ صوتها، ما حطّم احتكار المعلومة وحدّ من تأثير المؤسسات الإعلامية التقليدية الكبرى، خاصة في تغطية مناطق النزاعات والحروب. هذا الأمر أدى كذلك إلى أخذ المزيد من وجهات النظر في الحسبان وتوسيع دائرة الإهتمام الصحفي التي باتت أكثر انفتاحا وشمولية واكتمالا. ويمكن اعتبارهذه القنوات أيضا ضامنة لمساواة الجميع في الحصول على المعلومة: أولا على مستوى إنتاجها، حيث تتعدّد الصياغات والتغطيات لنفس الحدث. وثانيا، على مستوى نشرها وتوزيعها، إذ تختلف الأشكال بحسب تجارب وخبرات الناشطين في تلك الشبكات. وثالثا، تسمح بإشراك أكبر للجمهور الذي بسهولة ما يتماهى مع المحتوى المتداول لقربه منه، ولأنه أكثر واقعية وشفافية

 سويس أنفو: في داراستك، أشرت إلى الصحفي الأمريكي أندي كارفان. فماذا تستخلصين من تجربته؟

فيتوريا ساكّو: أود أن أقول أن أندي كارفين كان مثالا جيّدا لدعم قضية الصحفيين، كما يثبت مائة بالمائة أهمية الصحافة المهنية في العصر الرقمي. خلال ثورات الربيع العربي، كان أندي كارفين يجد متعة كبيرة في قضاء أيام بأكملها أمام شاشة الحاسوب يزور مواقع التواصل الإجتماعي وهدفه الوحيد التحقق من صحة المعلومات المنشورة على شبكة الإنترنت. شيئا فشيئا تكوّنت لديه شبكة من المصادر الموثوقة (التي كانت موجودة على عين المكان في تونس وليبيا ومصر)، وهذه المصادر « إستغلّها » في تجنّب الوقوع في شبكة المعلومات الخادعة أو التلاعب. أندي كورفين بهذا المعنى هو حقا المثال النموذجي للصحفي الإستقصائي الذي يُقارن بين مصادر متعددة للوصول إلى المعلومة الأكثر موثوقية. ولكن ما هو مهمّ أكثر بالنسبة لي، هو أنه تجربته تدلّل على التكامل بين ممارسة الصحافة بالمعنى التقليدي لهذه المهنة، والوسائل المستحدثة ومن بينها الوسائط الإجتماعية

 سويس أنفو : كيف يمكن للصحفيين التكيّف مع الأدوات الجديدة من دون التنازل عن أخلاق المهنة أو السقوط ضحية التلاعب والغش؟

فيتوريا ساكّو: تحتوي هوية الصحفي الناشط في مواقع الوسائط الاجتماعية على نوع من التوتّر. من الناحية النظرية، المنخرط في الشبكات الإجتماعية مدعو إلى المشاركة في النقاشات العامة، وإبداء موقف ووجهة نظر مما هو مطروح، ولكن أخلاقيات المهنة، وفي بعض الأحيان قواعد العمل التي تنصّ عليها هيئات التحرير، تطلب من الصحفي بدلا من ذلك، أن يظلّ محايدا. من الصعب في هذه الحالة إيجاد توازن صحيح. في الوقت الراهن، ليست هناك قاعدة سحرية! البعض يقوم بالتمييز بين صفته المهنية وصفته الشخصية، إما من خلال احترام القواعد التي تفرضها المؤسسات الإعلامية التي يتعاملون معها أو عن طريق الإختيار الشخصي للصحفي نفسه. لكن هناك أيضا من يعمدون إلى الخلط بين هوياتهم المهنية وهوياتهم الشخصية من دون تعريض صورتهم أو صورة المؤسسات الإعلامية التي ينتمون إليها إلى الإساءة أو التشويه. ولكني أعتقد أن الأسلم أن توجد لوائح متضمنة لنقاط توجيهية تضع النقاط على الحروف، وتحمي الصحفيين من الأخطار التي تمثلها الشبكات الإجتماعية

وأما في ما يتعلق بالتلاعب والخداع، أرى أن مفتاح الحل يكمُن في التجربة والخبرة. وفي النهاية، فإن شبكات التواصل الإجتماعي هي مجال للتحقيق والتثبّت مثل غيرها. ولابد من الحذر والتثبّت والمقارنة بين المصادر المختلفة. أعتقد أنه يجب علينا أن نكون على بيّنة أيضا من أخطار الإنترنت عموما. اليوم توجد استراتيجيات مدروسة بعمق في مجال الإتصال تضعها فرق متخصصة تعرف كيف تلفت الإنتباه إلى محتوى معيّن أو لمجرد خلق ضجّة (أفضل مثال المشاهدة الواسعة التي حظي بها فيديو كوني 2012). أودّ أن أقول أن كل شيء ليس شفافا كما يمكن أن نعتقد، أو كما كان عليه الوضع في البداية، وهذا ينطبق على شبكة الإنترنت بصفة عامة. في البداية كانت هناك رغبة حقيقية في إنشاء « أغورا » (سوق عكاظ) يتاح فيها للجميع التعبير الحر عما يختلج في خاطره وفي ناظره، ولكن الشعوب اكتشفت تدريجيا الإمكانات الحقيقية التي تتيحها هذه الشبكة والتي  كانت وكالات الإستخبارات أوّل من اهتم بها (وكالة الإستخبارات الأمريكية وغيرها،…). أما الأشخاص العاديون فلم يُدركوا يوما ما يجري في « أعماق هذا الأخطبوط »، الذي يمارس تأثيره عليهم بشكل غير مباشر. وأنظروا مثلا التوتّر الذي كان على أشدّه بين شركتيْ غوغل ويوتيوب العملاقتيْن وبين هذه الشركات وبعض الحكومات خلال أحداث الربيع العربي. فقد حدث في بعض الأحيان أن حكومات طالبت بغلق بعض الحسابات، وما كان من هذه الشركات إلا أن استجابت لذلك! كما تم حذف أشرطة فيديو عنيفة جدا، ثم أعيد نشرها في نهاية المطاف لأنها اعتبرت « شهادات تاريخية » على النضال من أجل الديمقراطية! كل هذا يثبت أن للشبكات الإجتماعية أيضا جانبا مظلما، ولكنها مثل أي تكنولوجيا، يعتمد الأمر على طريقة استخدامها

سويس أنفو: هل بالإمكان الحديث عن صحافة ما قبل وما بعد الربيع العربي؟

فيتوريا ساكّو: الربيع العربي كان نقطة تحوّل مفصلية بالنسبة لكثير من هيئات التحرير التي انفتحت على شبكات التواصل الإجتماعي وبدأت تتجاوب معها. واليوم لا أحد يتجاهل تقريبا أن هذه الشبكات قد باتت جزءً من الممارسة الصحفية (للبحث عن مصادر المعلومة، وللحوار مع الجمهور، لنشر المحتوى،…). هذه ليست مجرّد صيحة عابرة، وإن كنت لا أملك الدليل على ما أدّعي

 سويس أنفو : يسود اعتقاد أن مواقع ومنصات فايسبوك وتويتر ويوتيوب لعبت دورا لا غنى عنه في تحرير الكلام وإطلاق الألسنة وتعزيز حرية التعبير. كيف تقيّمين أنت اليوم دور هذه الشبكات على المستويْين الإجتماعي والسياسي؟

فيتوريا ساكّو: هذه مسألة حساسة ومعقّدة للغاية وقد طرح هذا السؤال منذ إنشاء الإنترنت. حتى اليوم ليست هناك إجابة مطلقة ونهائية. بل أعتقد أنه من السابق لأوانه في الواقع التكهّن بطبيعة هذا الدور على المدى البعيد. قطعا، لم تكن الشبكات الإجتماعية هي سبب هذه الثورات. لقد ثبت هذا بوضوح عندما أقدمت السلطات المصرية (في عهد مبارك) على « إغلاق » الإنترنت خلال الحراك الثوري. تلك الخطوة لم تُوقف الحراك! الشبكات الإجتماعية هي وسيلة اتصال قوية جدا، وقد ساعدت بالتأكيد خلال الإنتفاضات على فضح الإنتهاكات، والحصول على الدعم الدولي. كان هناك تضامن دولي حول هذه القضايا. كذلك من المؤكّد أن هذه الشبكات ساعدت في تنظيم التحرّكات وفي التعبئة والإتصال والتخطيط، ولكن الأهم من كل ذلك بالنسبة لي هو أنهاّ ساهمت في تحطيم الأفكار المُسبقة والصور النمطية، ومن خلال منصات، مثل يوتيوب، كنا نرى أن المتظاهرين أناس مثلنا! فلم تستطع وسائل الإعلام التقليدية خلق صور نمطية مثلما حدث خلال الحرب في العراق

مع ذلك، يجب التذكير بأن فئة محدودة من السكان في العالم العربي وفي افريقيا بامكانها الوصول إلى شبكة الإنترنت. وعلينا ان نأخذ في الإعتبار السياق العام لأي ثورة من ثورات الربيع العربي، وهي سياقات كانت تتغيّر بحسب البلد، والظرف الإجتماعي، والتركيبة السكانية، والثقافية، والإقتصادية،… وكذلك يختلف تأثير شبكات التواصل الإجتماعي من بلد إلى آخر. أعطيك مثالا ملموسا: في بلدان مثل البلدان الأوروبية، حيث يوجد تشبّع كامل بالمعلومة، من الأرجح أن لا تكون الشبكات الإجتماعية بنفس القدر من الأهمية التي تكون عليها في أمريكا اللاتينية أو البلدان النامية

سويس أنفو: ما الذي تحتفظين به من أطروحة الدكتوراه التي أنجزتيها أخيرا؟

فيتوريا ساكّو: الأطروحة خلصت إلى أهمية العمل الصحفي الحرفي في إنتاج معلومة مُحايدة ومتكاملة حول أسباب الحروب والنزاعات ونتائجها. وبإمكان شبكات التواصل الإجتماعي إثراء وجهات النظر وتعدد الأصوات، لكن العمل الصحفي يظل هو هو وإن تغيّرت الوسائط والأدوات. ويظل هدفه تقديم معلومات موثوقة وحماية حرية التعبير. الجديد اليوم هو أن هذا العمل يتطلّب السرعة! والبيئة التي يعمل فيها الصحفي اليوم هي أكثر تعقيدا كما أن الرهانات متعددة خاصة على المستوى الإقتصادي. وهناك ضغوط تمارس أثناء العمل مثلا

الوقائع ونتائج البحث تبيّن أن على الصحفيين مساعدة المواطنين في الحصول على معلومات ذات مصداقية، لكن الصحفي لم يعد « حارس البوابة » أو « حارس المعلومة »، بل مجرّد مرجع أو مؤشّر أو منتج للمعنى. لم يعد الصحفي هو من يُنتج الخبر لأنه متاح على شبكة الإنترنت، ولكنه هو من يؤكّد مصداقيته أو ينفيها، ومن يشير إلى درجة تمثيله للواقع وتأثيره عليه. لكن الوظيفة الأساسية للصحفي في النهاية هو وضع المعلومة في سياقها لمساعدة المتلقي على ربح الوقت وحمايته من التلاعب والخداع المحتمليْن، أو من الرقابة أو التضليل. وباحترام هذه الوصفة، يصبح الصحفي الجهة الوحيدة التي تمتلك الادوات لعرض الحروب والنزاعات القائمة في كل تعقيداتها ورهاناتها.. أي الوسيط والقيّم على جميع الفاعلين (الحكومة والمتمردين مثلا،…) الذين يسعون إلى فرض روايتهم للوقائع بكل السبل بما في ذلك شبكات التواصل الإجتماعي

بقلم عبد الحفيظ العبدلي

http://www.swissinfo.ch

Tags: