كتلة الجبهة الشّعبيّة تتهم نداء تونس وحركة النهضة باهدار المال العام

A La Une/Tunisie

في بيان أصدرته أمس اتهمت كتلة الجبهة الشعبية بمجلس نواب الشعب حركة نداء تونس والنهضة باهدار المال العام والعودة بالبلاد الى المنظومة القديمة  وقالت ان توزيع ميزانية الدولة وحده كفيل بالكشف على ان امر ما قد دبر بليل  » أن تُحدّد حُكُومة النّداء والنّهضة ميزانيّة بقيمة 22,7 مليار لكامل جهاز السّلطة التّشريعيّة، مُقابل ميزانيّة بـ 237,4 مليار لرأس السّلطة التّنفيذيّة (رئاستا الحُكُومة 150 والجُمهوريّة 87,4) فهذا ليس بالأمر الاعتباطي، وإنّما هو، على العكس تماما، أمر دُبّر بِلَيل.
فالموضوع سياسيّ بامتياز، يتنزّل صُلب الصّراع، المُعلن أحيانا والخفيّ غالبا، ما بين المنظُومة القديمة، الاستبداديّة والفاسدة، من جهة، والنّظام الدّيمقراطي والاجتماعي الجديد الذّي تُطالب به أغلبيّة الشّعب التُّونسي.
عندما تفوق ميزانيّة رئيسي الجُمهُوريّة والحُكُومة عشرة أضعاف ونصف ميزانيّة 217 نائبة ونائب منتخبين، فهذا قطعا ليس محض الصُّدفة. ناهيك والأمر يتعلّق بنظام برلماني مطعّم بجُرعة رئاسيّة. المال، كما هو معلوم، عصب الحرب. هُنا حرب منظُومة الاستبداد والفساد ضدّ نظام الحُريّة والعدالة الاجتماعيّة الذّي بشّرت به ثورة 99% من السكّان فيما يواصل رفضه 1%.

وتساءل البيان عن  غاية النّداء والنّهضة  من وراء سعيهما لتقزيم مجلس نُوّاب الشّعب، من خلال حرمانه من الوسائل الماليّة والإمكانيّات الماديّة، التّي تجعله يضطلع بمهامّه التشريعيّة والرّقابيّة على أحسن وجه. خاصّة في مرحلة التّأسيس الراهنة؟

حسب البيان فان كافة قُوى الثّورة المضادّة، على اختلافها، تريد سلطة تشريعيّة طيّعة أو مغلُوبة على أمرها كي يتسنّى لها فرض ما تمّ برمجته من القوانين الجائرة (منها مُناورة المُصالحة) التّي تتضمّن مزيدا من الإجراءات المُؤلمة لـ99%، والُمريحة لــ. 1%. قوانين يسعى الائتلاف الحاكم إلى فرضها في أسرع وقت، وبأقلّ ثمن سياسي مُمكن، ودُون ضجّة. فالهدف إذن هُو الانتهاء من ترميم سُلطة الاستبداد والفساد وإحكام قبضة النّظام على البلاد، وطيّ صفحة الثّورة. لكن « اللي يحسب وحدُو يفضُلُّوا »، لأنّ الشّعب الذّي ذاق طعم الحُريّة، لن يرضى بالعيش في ذُلّ ثانية.
صحيح أن الأغلبيّة السّاحقة من أعضاء المجلس مُوالية للائتلاف الحاكم، لكن تُوجد مجمُوعة من النّواب، يُناهز عددها 25 نائبة ونائب، بما فيهم نوّاب كتلة الجبهة الشعبيّة 15، لا ينظُر إليها الائتلاف الحاكم، والقُوى الأجنبيّة المتحكّمة فيه، بارتياح. لأنّها تحاول التّصدّي، برغم شبه انعدام الامكانيّات، لمناورات كلّ المتآمرين ضدّ مصالح ـ99%.
ولنا خير دليل على ذلك، على سبيل المثال،يقول البيان  في المُقترحات الأخيرة لكُتلة الجبهة الشّعبيّة، خلال مُناقشة قانُون الماليّة التّكميلي، التّي أراد نوّاب الجبهة من خلالها، تخفيف وطأة الأزمة على عديد الفئات الاجتماعيّة المُفقّرة. إجراءات استعجاليّة اقترح نوّاب الجبهة تمَويلها عن طريق سنّ ضريبة 1% على ثروات الأغنياء. مُبادرة أربكت نوّاب الائتلاف الحاكم وأحرجتهُم أمام الرأي العامّ، خاصّة وأنّ مقترحات كُتلة الجبهة كانت مُحاولة لتعديل الحيف الاجتماعي السّافر الذّي كرّسته الإجراءات التّي تقدّمت بها الحكومة، والمُتمثلة بالخُصوص في تسهيلات وهدايا ماليّة إضافيّة لجماعة 1% (894 ألف مليون د تخفيض في الضريبة على أرباح الشّركات الكُبرى بما فيها الشّركات البترُوليّة، وتسهيلات بـ 306 ألف مليُون د لأصحاب النّزل..).
ويرى البيان في  التقليل في  إمكانيّات ووسائل عمل مجلس نوّاب الشّعب الهدف منه  حصرها في مُجرّد مُطالبة بالزّيادة في أُجُور النُّوّاب، هُو أمر مقصُود أيضا. الغاية منه في التحليل الأخير: ‘إلقاء الرّضيع مع ماء الحمّام’. إنّ محاولات تأليب الرأي العامّ التّونسي ضدّ المجلس التّشريعي والسّعي لعزله السّياسي إنّما يُراد به تهيئة الأرضيّة المُناسبة للإجهاض على ما تبقّى من رُوح الثّورة ومطالبها. إنّ الائتلاف الحاكم، الذّي له مصلحة في خنق السّلطة التّشريعيّة، هو الذّي يسعى جاهدا إلى تحويل هذه القضيّة إلى مُجرّد مسألة ‘وليمة لئام على مائدة أيتام’.
نعم يجب التّرفيع النّوعي في ميزانيّة مجلس نُوّاب الشّعب، لإعطائه الوسائل التّي تُمكّنُه من القيام بمهامّه على أفضل وجه، خدمة لمصلحة الشّعب والوطن. ذلك هو معنى القسم الدّستوري الذّي أدّاه كافة النّوّاب. وتلك هي روح الجمهوريّة الجديدة التّي نصّ عليها الدّستور الجديد.
إن حيويّة المجلس وفعاليّته، بوصفه مُؤسّسة دُستُوريّة تشريعيّة ورقابيّة، هي من حيويّة واقتدار نُوّاب الشّعب. لذلك فإنّ كُل ما من شأنه أن يُكبّل عمل النّواب ويرهقهم ويقيّدهُم، عند أدائهم لواجبهم، ينعكس بالضّرُورة على مردُود المجلس ودوره في تجسيم التغيير الدّيمقراطي والاجتماعي المطلوب.
لذلك نعتقد أنّه بات من الضّروري والمُستعجل في آن، أن يضع مكتب المجلس خطّة شاملة لتعزيز قُدرات المُؤسّسة التّشريعيّة، والتّي من بينها، انتداب 217 مُساعدة ومُساعد برلماني لمُساندة النُّوّاب في عملهم. كما تخصيص مكتب مُجهّز للعمل لكلّ نائبة ونائب. بالإضافة إلى التّفكير الجدّي في أفضل الصّيغ، الأقلّ كُلفة ماليّة والأكثر مُلائمة لعمل النّائب، لحلّ مُعضلة إقامة نوّاب الجهات بالعاصمة، وتكاليف تنقّلهم المُتكرّر بين المجلس ودائرتهم الانتخابيّة.
ليس المطلوب إذن الزّيادة في منحة النّائب، وإنّما المطلُوب هُو تمكينه من الوسائل الضّرُوريّة للقيام بمهامّه على أحسن وجه. هذا هُو المعنى الذّي ندافع عنه بخصوص ما نُسمّيه بتعزيز القُدرات الماليّة والعمليّة لمجلس نُوّاب الشّعب.