ٍرأي بلاتوهات العار

in A La Une/Analyses/Tunisie by

يستمر الاعلام الوطني ـ التلفزيوني تحديدا ـ كله على البكرة ـ دون استثناء ـ في التنكيل بمواطني الجمهورية التونسية وفي قذفهم بكل ما هو رديء ومستفز ومشبوه وبكل ما من شأنه أن يعكر الصفو والمزاج وبكل ما هو مكرور وممجوج لا ذوق ولا خيال والكل يطحن نفس الطحين ويعجن نفس العجينة فتتشظّى الصورة صورا تحركها ذات الايادي بنفس أسلوب الاثارة الذي يسعى لما تسميه «الجماعات التلفزيونية» «بالبوز» الذي يتشكل ـ بدوره ـ فيستوي فضيحة أو مهزلة رخيصة يتسلى بها «الباعث التلفزيوني» وهو يضحك على الذقون وهي «تقتل الوقت» امام تلفزات الواقع وقد سقطت الى أرذل اللغة حيث غسيل البيوت المغلقة منشور على الملإ التلفزيوني بكل أوساخه وبكل ما تعفن فيه من قيم الى حد يدفعك الى تقيؤ التلفزة برمتها…
يلهو المنشط بـ «الفضيحة العائلية» فيتسلى بها المشاهد على أريكته بما أنها ليست فضيحته ويحمد ربه على ذلك.
     
مقابل جماعات تلفزيون الواقع أو بالتوازي معه تتحرك «البلاتوهات السياسية» بنفس المحرك وبقيادة نفس «الباعث التلفزيوني» باللغة ذاتها بعدما استوى انحطاطها وبعناوين تدعي انشغالها بقضايا البلاد وأهلها تبدأ «بأهلا وسهلا» وتنتهي بأغنية لكل مستمع وهذه «البلاتوهات السياسية» لا تختلف في الواقع وفي العمق عن برامج تلفزيون الواقع في فضائحيتها وفي قدرتها على تحويل الرذيلة الى فضيلة وفي تحويل المجرم الى ضحية مضطهدة وفي تبديل الحقيقة وفي تلميع صور وسير الفاسدين والمرتشين «آكلي لحوم البشر» مصاصي دماء المتعبين هي تنشر نفس الغسيل وهو «نشر» مدفوعة أجرته وقد ترمي «بالأجير» في الآخر الى أحد النزل الفارهة في سويسرا… (وينو معز بن غربية)…!؟
الاعلام التلفزيوني أنهى اليوم كل مهامه وحسم في كل القضايا الوطنية ولم يعد له من موضوع غير موضوع الإمام المعزول رضا الجوادي وقد عزلته وزارة الشؤون الدينية بقرار «وزيري» مطبوع بالاصابع العشرة هذا الرجل تجول نهاية الاسبوع الماضي في كل المنابر التلفزيونية والاذاعية ـ تقريبا ـ فهو الدرس وهو الموضوع وهو محور الاحاديث في تعاط اعلامي تعمّد فتح المساحة للإمام ـ شكلا ومضموناـ ليرد على كل «مضطهديه» وخاصة وزير الشؤون الدينية وليمرر رسائل مغلوطة من مثل ان حكومة الصيد تمارس سياسة الضغط والتضييق على «المصلين» وعلى الأئمة المعتدلين من أجل ان تحولهم الى ابواق دعاية «يخطبون بين الناس» باسم الحكومة ـ تماما ـ كما كان الحال أيام بن علي… وهذا قول باطل لم يجد من يصدّه على هذه المنابر الاعلامية ـ فيواجهه بحقيقته وبأسباب عزله ـ وكنا أتينا عليها في ورقة سابقة ـ
فالامام المعزول رضا الجوادي معروف عنه خطابه المتشدد وتقسيمه البلاد الى ديار كفر وديار ايمان وتكفيره للناس (ما يسميهم باليسار الاستئصالي) ودعوته من على منابر الجمعة الشباب للجهاد في سوريا فهو امام صاحب فتنة سعى اليها واحدثها بعد عزله وقد كان اليد التي اطلقتها حكومة الاخوان (ما يعرف بالترويكا) لضرب وتأديب الخصوم والتحريض عليهم على منابر المساجد.
وبعد عزله ابطل صلاة الجمعة لمرتين بعدما حرض جيش انصاره (من قدماء روابط حماية الثورة) على احـداث الفوضى داخل المسجد الجامع وقد أتوا بما لم يحدث مطلقا في بيوت الله وما يعدّ باطلا مبطلا للصلاة… وقد وجد دعما ومساندة ـ رغـم غيّه ـ من قيادات اخوانية اعتبرته مظلوما ومضطهدا من طرف وزيـر الشؤون الـدينية وسـاهموا بذلك في تقويته وفي تقوية انصاره ـ بوعي ـ بقصد فتح بؤرة توتر لارباك العمل الحكومي ولمزيد الضغط حتى تتم اقالة وزير الشؤون الدينية ولتلهية البلاد عن قضاياها الحقيقية الملقاة ملفاتها على مكاتب مجلس نواب الشعب.
الاعـلام الذي اشرنا اليه سـاهم في مغالطة الناس بتعاطيه الحيادي جدا مع موضوع رضا الجوادي وفي اعطائه مساحات تلفزيونية اكبر من حجمه مرّر من خلالها ما شاء من رسائل الى انصاره وقد تظاهروا مؤخرا من اجل فرض حرية اختيار الامام اي عتق المساجد من سلطة الدولة وهذه بلية كبرى عانت منها تونس وكادت ان تهلك بعدما صعد على منابر مساجدها أئمة الجهالة ورهوط الفتنة والتكفير ممن أفتوا لاغتيال الشهيد شكري بلعيد ومن بعده كل المغدورين من شهداء الجيش والأمن الوطنيين.
نحن ندرك ان وراء فتح المنابر التلفزيونية لرضا الجوادي والوقوف موقف الحياد تجاه كل ما قاله انما تم عن وعي ويجــيء في سياق حملة كاملة تقودها قيادات نهضوية معروفة بتشددها وانتصارها «لابنائها» عتاة التشدد ممن عرفوا بمعاداتهم للدولة المدنية.
لقد اتضح بما لا يدع مجالا للشك ان بعض المساجد ما تزال تحت سيطرة أئمة يتحركون تحت اجنحة قيادات نهضوية لا تخفي ذلك وتعلنه صراحة في دفاعها عن رضا الجوادي وامثاله مسنودين ـ ماليا ـ بروافد جمعياتية مشبوهة فيما يضخ لها من اموال مشبوهة المصادر تسعى ـ حثيثا ـ لاعادة السيطرة على المساجد وبالتالي تحويلها الى بؤر توتر وتجمهرات احتجاجية تمثل «احتياطيا» ضروريا لحركة النهضة وكانت زمن حكمها العصا التي تطلقها على الخصوم لتأديبهم… ولم يعد خافيا ـ ايضا ـ ان لهذه الجماعة منابرها الاعلامية التلفزيونية ولها اعلاميون يعملون بالوكالة ويتخفون وراء لغة الحياد المبتذلة ووراء كل هؤلاء رجال أعمال يضخون المال لتلفزات مشبوهة أيضا لتمرير «رهوط الفتنة» ولتلميع صورهم وسيرهم بحيث يبدون «شيوخ اسلام معتدلين» تضطهدهم السلطة وتضيق عليهم الخناق.
هذا ما نسميه اليوم «اعلام الخجل» وقد لبس عمامة الجوادي وهو اعلام لا يخجل من الوقوف في طابور الميليشيات التلفزيونية ومهمتها تلميع «العمامة حتى تصح الامامة» وعلهم يلتحقون ـ قريبا ـ بمعز بن غربية في منفاه الاختياري بعدما تدور الدوائر… وبعد تبدّل المواقع والمصالح…

***  لطفي العربي السنوسي مدير تحرير جريدة الصحافة اليوم

العنوان من اختيار الموقع