الجامعية أمال قرامي قيموا أداء الوزراء قبل إطلاق المبادرات

A La Une/Analyses/Tunisie

لم يستأثر حدث إمضاء «وثيقة قرطاج» التى تحدد أولويات الحكومة المرتقبة باهتمام التونسيين ولم تهتم بتحليل «أبعاده ودلالاته» إلا فئة قليلة من الإعلاميين وهو أمر دال على وجود أزمة سياسية فعلية تمر بها البلاد منذ أشهر إن لم نقل أعوام. فقد فقدت الطبقة السياسية مصداقيتها ولم تعد قادرة على التأثير فى الجماهير وما عادت المبادرات السياسية تتابع باهتمام أو تحفز التونسيين على التعمق فى ما يمكن أن ينجم عنها من نتائج.. إنها أفعال شخصية تنسب لأصحابها وأداء باهت على الركح السياسى لا يحرك السواكن.
وثيقة قرطاج لا تستهوى المهتمين بالشأن العام والراغبين فى المشاركة فى نحت معالم المرحلة الانتقالية لأنها بكل بساطة تفتقر للمعنى كما أنها وثيقة لا تلزم إلا الأطراف التى أمضت عليها. وهو مؤشر على وجود فجوة بين طريقة تصور الفئة «الحاكمة» لما يجب أن تكون عليه سياسة البلاد، ورؤية بقية الفاعلين السياسيين وسائر المنشغلين بالشأن السياسى لإدارة المرحلة. وما يسترعى الانتباه هو أن هذه الفجوة تتسع يوما بعد آخر وتعرقل قنوات التواصل وكلما ظن الفاعلون السياسيون أنهم سيطروا على الوضع جاءت البينة بأن الحلول مستعصية.
ولا يتعلق الأمر بخلاف بين الممارسين للحكم المستجيبين لإكراهات السياق وتوازن القوى، والمنظرين المتمسكين باليوتوبيا فحسب بل إن الأمر راجع إلى تباين حول طريقة ممارسة الحكم وهوية الفاعلين السياسيين الجديرين بإدارة المرحلة، فضلا عن طبيعة الأهداف وترتيب الأولويات وجدول تطبيق مشاريع الإصلاح الهيكلى ومنظومة القيم والمبادئ التى تهيمن على «مهندسى سياسات» هذه المرحلة الانتقالية.
ويتضح يوما بعد آخر أن التشاركية والشفافية والمساءلة والمحاسبة والحوكمة الرشيدة.. باتت مجرد شعارات مفرغة من الدلالة والفاعلية، ونجم عن كل ذلك انعدام الثقة بين الموقعين على الوثيقة من جهة، وبين من هم فى مواقع صنع القرار والجماهير من جهة أخرى، ولعلنا لا نبالغ إن اعتبرنا أن وثيقة قرطاج مجرد حدث عابر أراد أصحابه من خلاله، أن يدخلوا التاريخ وأن تؤرشفهم الذاكرة ولكنهم عجزوا عن امتلاك اللحظة.
***
كان حريا بمن أرادوا تغيير وجهة «الحياة السياسية» أن يتفكروا فى الرهانات وفى ما يمكن أن تؤول إليه الأمور.. وكان حريا بهؤلاء أن يرجحوا كل الاحتمالات بما فيها الفشل الذريع قبل أن يطلقوا المبادرات. فلا معنى فى تقديرنا، للخروج من المأزق بتغيير هوية الفاعلين والإيهام بالتحكم فى ترتيب الأولويات وضبط خطة عمل الحكومة الجديدة.. إن هو إلا خطاب سياسى يروم التأثير فى المتقبلين وإقناعهم بأن الإرادة السياسية متوافرة.
إن إطلاق المبادرة والسعى إلى تحويلها إلى أمر واقع من خلال «برتوكول إمضاء وثيقة قرطاج» ليس إلا مناورة سياسية تريد أن تضخ ماء جديدا فى صحراء قاحلة.. تريد أن توهم التونسيين بأن «الحاكم» لايزال يفكر ويبدع ويحرك المشهد.. ولكن هل يمكن أن نؤسس لمرحلة جديدة وحكومة جديدة دون أن نقيم أداء الحكومة الحالية؟
لم تستطع كل الحكومات المتعاقبة أن تسن تقليدا جديدا وعرفا سياسيا يتلاءم مع مقتضيات المرحلة، ونعنى بذلك تقييم أداء كل الوزراء أثناء توليهم المسئوليات وبعيد التخلى عنهم. لقد أجمع كل الفاعلين فى الحكومات المتعاقبة على أن التقييم يجب أن يكون فعلا بعديا وهو من مشمولات القيادات الحزبية التى فرضت المحاصصة، وبذلك تغيرت الأسماء ولم يتمكن التونسيون من أن يعرفوا ما حدود التقصير وما وجه الإضافة فى عمل عدد من الوزراء وها أن الأمر يستمر.
سيغادر عدد من الوزراء مناصبهم وفى جرابهم ذكريات زمن جميل جعلهم فى موقع السلطة وسيلازم آخرون مواقعهم لأسباب مختلفة قد تتجاوز مؤهلات تسييرهم، وستبرز الحكومة بعد ولادة متعسرة ولكن أين حق المواطنين فى المعرفة: معرفة لماذا نغير وجوها ونتمسك بوجوه؟ وعلى أى أساس؟ ووفق أى معيار نعين المسئولين الجدد؟ ولم لا تقع محاسبة المقصرين والمورطين؟

أمال قرامي 

أستاذة بالجامعة التونسية