nahdha

النهضة على أبواب صراع مرير بين الشيخ ومريديه

A La Une/Analyses/La Revue Medias

تواترت في الآونة الأخيرة أخبار قوية المصادر عن خلاف داخل حركة النهضة وصل الى اوجه، خاصة وأن بوادره الأولية اتضحت منذ المؤتمر العاشر، وتعلقت برغبة بعض القيادات الوازنة كعبد اللطيف المكيّ وعبد الحميد الجلاصي في انتخاب المكتب التنفيذي بدل تعيينه من طرف رئيس الحركة، الشيء الذي لم يؤخذ بعين الاعتبار.
وبانتقال كامل الصلاحيات الهيكلية لراشد الغنوشي بتفويض من المؤتمر، تم الحاق ما يشبه العقاب التنظيمي للمجموعة المحتجة، وغابت وجوه معروفة عن تركيبة المكتب التنفيذي كعبد الحميد الجلاصي وسمير ديلو، والصحبي عتيق، وطبعا عبد اللطيف المكي الذي صار الآن يقود جناحا اختلفت حوله التوصيفات، بين من يسميه بالجناح العقائدي نسبة الى العقيدة الايديولوجية للحركة، وبين من يسميه الجناح الحديدي نسبة لتصلب الموقف السياسي… وقد برز مؤخرا توصيف ذاتي، بمعنى ما تعتبره المجموعة عاكسا لطبيعتها وموقعها داخل الحركة، توصيف صدر عن عبد اللطيف المكيّ أمس الجمعة في حديث للإذاعة الوطنية.
يقول المكي أنه يمثل وعددا من الوجوه المعروفة «وجهة نظر قيادية صاعدة تصطدم مع الثقافة القديمة التي سادت في الحركة» والقول بالثقافة القديمة يحيل وجوبا الى جلباب الأب الشيخ، وتأثيره الفرداني شبه المطلق في القرار الحزبي النهضاوي.
ويواصل المكيّ الحديث «لا نعارض الشخص، ولكن نريد أن نغيّر الرؤية القيادية للحركة»… واذ لا يؤخذ الكلام سهوا ولا جزافا من شخصية مثل عبد اللطيف المكيّ، فإن المفهوم منه منطقيا هو أن طريقة التسيير وحتى المسيرين أنفسهم – ومن الدرجة الأولى – كلّها مسائل قابلة للتحيين والمراجعة.
يضيف المكيّ أن موضوع انتخاب المكتب التنفيذي طرح منذ المؤتمر التاسع ولم يحظ بالقبول، ثم أعيد طرحه في المؤتمر العاشر، ولم يحظ أيضا بالقبول.
لكن بالمقابل، يفهم من كلام هذا القيادي النهضاوي أن الجناح المطالب بتغيير التصوّرات القيادية للحركة قد توصل نسبيا الى اسماع صوته بقوة، ناهيك ان الشيخ راشد وافق مؤخرا على احداث لجنتين، واحدة للاصلاحات وأخرى للتحقيق فيما حدث في المؤتمر العاشر!!
وهذا يعني أن الشيخ الذي استفاد من صلاحياته القصوى في تعيين قيادة جديدة على مقاس أجندته السياسية المقبلة، قد اصطدم داخليا بمعارضة عنيدة، وازنة لها أذرع نافذة، ولا نستغرب ذلك حين نرى رجل الماكينة الحزبية عبد الحميد الجلاصي ورجل التسويق السياسي سمير ديلو ضمن دائرة المحتجين.
لقد نفى المكيّ ما تم ترويجه حول أي نية انشقاقية عن الحركة الأم، لكنه أكد بالمقابل على أن خلافا كبيرا يحصل حول «الادارة الداخلية للحركة»… وأكيد أن الصراع سيكون صعبا ومريرا،وأنّ تأثيراته بدأت منذ الآن على هامش انعقاد مجلس شورى حركة النهضة …
مجلس الشورى والحكومة الجديدة … البين بين
يمكن ببساطة أن نلمس تأثير الإكراهات التنظيمية على سياسات الشيخ راشد الغنوشي حين نسمع تصريحه بعد انعقاد مجلس الشورى، إنّه يساند رئيس الحكومة المكلّف بشرط النظر في طبيعة الحكومة، ويؤكد رئيس مجلس الشورى عبد الكريم الهاروني بدوره على هذا التمشي حين يقول أنّ مصير المبادرة يتحدّد من خلال المشاورات.
لقد خرج موقف النهضة هذه المرة من التماهي المطلق مع رئيس الجمهورية وقراراته، الى التماهي المشروط، والمشوب برغبة في تحسين شروط التفاوض حول مقاعد النهضة في الحكومة المقبلة. وهذا يعني من جملة ما يعنيه أنّ تأثيرات الصراع الداخلي بدأت تبوح بتيار ذي وزن يعارض سياسات الغنوشي الحالية، ويريد وقف المسار التنازلي للحركة داخل مفاصل الحكم. والحقيقة أنّ معالم الفريق المعارض لأجندة الشيخ بدأت تتضح، وبأسماء ذات اعتبارية قصوى داخل الحركة، هذا الى جانب كونها ستكون مسنودة بكتل احتجاج داخلي اخرى قد يكون من بينها الشق الأكثر تصلّبا، والذي تم تحجيم دوره منذ مدة (اللوز، شورو …)، أي بمعنى آخر سيجمع المعارضون كلّ المتضررين تنظيميا من قرارات الشيخ.
الأب الاقليمي … والأبناء المحليون
لقد بدأت الحركة تشهد تدريجيا ذلك المثل القائل «لن أعيش في جلباب أبي»، ويبدو أن مريدي الشيخ بدأوا يتحسسون طريقا اخر داخل حركة بدأت ايمانية ثمّ برزت ايمانية ـ سياسية ثمّ انتهت الى نوع من البريسترويكا الإخوانية تحت مسمى «حزب محافظ» بدأ المريدون يتحسسون طريقا اخر بمفردات اخرى، وبدؤوا يحرجون الشيخ.
والواضح ان البون الشاسع بين محتجين منشغلين بتثبيت الأقدام المحلية وشيخ مشغول بتفادي التأثيرات الاقليمية، هو في نهاية الأمر خلاف اجرائي لا يمسّ القناعات الجوهرية للحركة ولا ملمحها كتعبيرة عن منظومة الاسلام السياسي. هو خلاف اجرائي بين مجموعة تريد أن تجني ثمار التمدد في المشهد السلطوي، وشيخ يريد تطويع التنازلات المحلية للتنفيس عن الضغوطات الاقليمية حول تيار ديني بدأ يتلقى ضربات متلاحقة، بدءا من السقوط المدوي في مصر، وصولا الى منطقة الزلازل السياسية التي صارت تحيط بأوردوغان في تركيا …
هل سينجح المريدون في تطويع كبرياء الشيخ، وإجباره على عدم السباحة ضدّ تيار جارف، أم ينجح الشيخ على منهاج أهل السنّة والجماعة في فرض عصا الطاعة، واجبار المحتجين على الانضباط!؟ هذا ما ستبوح به المستجدات القادمة …

الصحافة اليوم