ridha

حرب باردة بين الجزائر والمغرب أبطالها نجوم الراي

A La Une/La Revue Medias

تخوض المملكة المغربية “حربا” فريدة من نوعها في السنوات الأخيرة على الجزائر، استعملت فيها في الصيف الجاري “رضا الطلياني” و”كادير الجابوني”، بعد أن فشلت في توظيف “الشاب بلال”، إثر ما جنته من آثار “سلبية” بعد إهداء الملك محمد السادس الجنسية المغربية لصديقه “ملك الراي” الشاب خالد سنة 2013.

تخفي هذه “الحرب” خبايا كثيرة من مساعي النظام المغربي “صناعة رموز جزائرية” تؤيد احتلاله للصحراء الغربية أولا، ثم تتمكن من “مغالطة” اليونيسكو لقبول الملف الذي تقدمت به وزارة الثقافة المغربية لتصنيف “أغنية الراي تراثا إنسانيا لا ماديا”، ولتحقيق مآرب أخرى، ومنها “تسيير مغاربيي المهجر بالراي” لفائدة فرنسا..

عندما قررت وزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي نقل مهرجان الراي من الباهية وهران إلى سيدي بلعباس سنة 2008، رفضت الإصغاء للأصوات التي نبهتها أن “الجيران” (المغرب) أسسوا مهرجانا لأغنية الراي في مدينة وجدة الحدودية، وقالوا لها حينها إن النظام المغربي يخفي نوايا كانوا يعرفونها، لكن الوزيرة “المدللة” التي كانت تستفز زميلها عبد العزيز بلخادم في مجالس الحكومة والوزراء، أصرت على موقفها بنقل المهرجان من وهران إلى سيدي بلعباس فقط لأنها كانت ترفض مقابلة ذلك الوالي الذي “عنفته” في قسنطينة غضبا على طريقة ترميم ضريح “ماسينيسا”، قبل أن يتم نقله إلى وهران. وبلغ بها التعنت حد رفض النزول في إقامات الدولة حين تزور وهران رسميا، حتى لا تقابل وتصافح ذلك الوالي. ورحل مهرجان الراي في عهدها من مسرح الهواء الطلق حسني شقرون بوهران، بعد سنوات من المقاومة. وكان النظام الجزائري يتفاخر به حينها، وأنزله منزلة رجال الدفاع الذاتي والحرس البلدي في مقاومة الإرهاب، لكن الوقت تغيّر ولم يعد النظام يحتاج إلى مغني الراي ومنظمي مهرجاناته.

وحلّ في وهران ذلك الوالي الذي أسمعته الوزيرة خليدة تومي ما أسمعته، ووجد فيها مهرجانين كبيرين، الأول عمره أكثر من 15 سنة، وهو مهرجان أغنية “الراي”، والثاني حديث الولادة أسّسه حمراوي حبيب شوقي، مدير عام التلفزيون الجزائري آنذاك، و«ولد بشنباته مثل الحزب الذي ينتمي إليه حمراوي”، فاحتضن الثاني لأنه يحظى برعاية الرئيس ويضمن له حضورا مع “النجوم العرب” في تلفزيون حمراوي، مع ما أغدق عليه بوتفليقة وشكيب خليل من أموال لإنجاحه. ورحل المهرجان الأول إلى الولاية الأصلية لذلك الوالي، والتي يقول فيها الناس إن “الفن والراي خالق في بلعباس”. ووجد المهرجان في مدينة الفنان لطفي عطار مديرة للثقافة عملت المستحيل لإرضاء وزيرتها التي ردت لها الجميل واستدعتها للعاصمة وتوّجتها مسؤولة كبيرة في وزارة الثقافة.

ومع كل هذا، مازال المهرجان إلى اليوم يتخبط ولم يستطع محو مهرجان وهران من الذاكرة. أما في وهران، فتأسس مهرجان لـ«الأغنية الوهرانية”، وترأست محافظته منذ تأسيسه مديرة الثقافة، ومازالت، ولم يلق الرواج المنتظر رغم أن كل مغني الراي غنوا فيه، وحتى مغني الموجة الجديدة “راي المداحات” و«الواي واي” وما إلى ذلك.

“الراي” شارك الحرس البلدي في المقاومة
وكان مهرجان الراي في وهران، في سنوات الدم والدمار، منتجا فنيا وسياحيا مقاوما. تنقلت إليه كبريات التلفزيونات العالمية، من أوروبا وأمريكا. وشاهد العالم من خلال سهرات مسرح الهواء الطلق حسني شقرون بوهران، أنه توجد في الجزائر صور أخرى غير القنابل والدم والمآتم.

وكانت تشرف على تنظيم هذا المهرجان جمعية ترقية وحماية الأغنية الوهرانية “أبيكو” التي يرأسها نصر الدين طويل، واستطاعت الجمعية، بحماس منتسبيها وإرادتهم القوية أن تقدم للباهية وهران ما لم يقدمه “مثقفون كبار” تداولوا على مديرية الثقافة فيها، بدءا بأمين الزاوي، ووصولا إلى ربيعة بسايح موساوي، المتقاعدة من قطاع التربية، التي أنتجت هي الأخرى روايات تباع في المكتبات، لكنها لم تفلح في ترقية أي تظاهرة ثقافية أو فنية في الولاية، رغم الملايير التي استفادت منها في عهد البحبوحة المالية. واستطاع المهرجان أن يجلب إلى وهران فنانين من أوروبا وآسيا وأمريكا، وكذلك باحثين جامعيين وسياسيين. لكن “الإرادة السياسية الجزائرية” ترفض أن يزاحمها أحد. كما لا يحب البيروقراطيون الناس الفاعلين في الميدان، وتقرر “طمس” مهرجان وهران، وبقي الفراغ خلفه.

حدث ذلك في الوقت الذي كان المغاربة يجتهدون منذ 2006 ليستحوذوا على أغنية “الراي”، وحققوا ما حذر منه العارفون الوزيرة خليدة تومي ولم تبال بتنبيهاتهم. ووصل المغاربة بمهرجان وجدة إلى أن غطى على مهرجانات وهران وسيدي بلعباس، وترقّى هذا الصيف إلى “مهرجان دولي”، وحاز على الرعاية الرسمية للملك محمد السادس.  ووجه منظمو مهرجان “وجدة” ومهرجانات “السعيدية”، “الدار البيضاء”، وكذلك مهرجان “موازين” العالمي الدعوات للمغنين الجزائريين الذين لم يتخلفوا. ولبى بعضهم الدعوات بـ«سذاجة” كبيرة، رغم أن كثيرا منهم يعرفون أنهم سيقعون هناك في “مصيدة” تنتهي بهم بالتصريح أو التلميح بخصوص قضية الشعب الصحراوي.

يحدث هذا في الوقت الذي تحوّل مهرجان الراي بسيدي بلعباس إلى “عبء” على القائمين عليه، وبقي يراوح مكانه، ويبحث عن نجم “رايوي” لامع يزيّن به سهراته الصيفية، في الظرف الذي هبط فيه هذا النوع الغنائي إلى الحضيض، مع الموجة الجديدة الممجّدة للمهلوسات والمشروبات الروحية وكل المساوئ. ومع ذلك، تلقى أغاني “الموجة الجديدة” رواجا منقطع النظير في المملكة المغربية، ويشتهر هناك مغنون ومغنيات لا يعرفهم الناس خارج دواويرهم و«محيطاتهم الطبيعية الضيقة” في الجزائر. ويحظى مغنون، مثل “الشيخ شعيب”، “ميمو”، “تيتو”، “العجال”، “الشيخة نغوان” وغيرهم برواج كبير في المغرب، دون الحديث عن الشاب عز الدين الشلفي الذي يكاد يكون “معبود” جماهير الراي في المملكة الجارة، وهي الموجة الغنائية الجديدة التي يسمح سامي بن الشيخ الحسين مدير الديوان الوطني لحقوق المؤلف برواج إنتاجها في السوق وأغانيهم التي غزت الأعراس والأفراح العائلية، دون الحديث عن احتكارها للآذان في الملاهي الليلة. ويبرع سامي بن الشيخ الحسين في استقدام الجرافات إلى ساحة قصر الثقافة بالجزائر العاصمة، بحضور كل طاقم الحكومة، والسلك الدبلوماسي المعتمد في الجزائر، لتحطيم الأقراص المضغوطة المقلدة “في حفلات بهيجة”.

ويبدو كأن هذا الديوان غير منزعج من الأغاني المروجة لـ«الروش” و”الروج” والريكار” ومفاسد الأخلاق، تماما مثلما لا ينزعج المخزن المغربي منها. وتكفي حصة سماع قصيرة لهذا النوع من المغنين وإهداءاتهم، ليتعرف المستمع على جنسية محبيهم، كما أنهم يعبرون الحدود الغربية دون حرج في اتجاه ملاهي المملكة. وتعج أسواق المدن المغربية بهذا الصنف الغنائي الذي يكاد يطغى على الطبوع المغربية الأصيلة.

الاستثمار في “الطلياني” و”الجابوني”
انشغل الناس هذه الأيام في الجزائر بافتخار المغني “رضا الطلياني” بالصورة التي التقطها مع العاهل المغربي محمد السادس. وحاولت “الصحافة الصفراء” الاستثمار في تلك الصورة، فشتمه جزائريون، فيما هلّل له مغاربة. المصير نفسه لقيه “كادير الجابوني” الذي وقع في “فخ” الصحفيين المغاربة في مدينة وجدة على هامش الطبعة العاشرة لمهرجان الراي في هذه المدينة، عندما سأله أحدهم إن كان مستعدا للغناء في “الصحراء الغربية”، فرد هذا المغني بالإيجاب. وجاء بعدهما الشاب فوضيل وركع أمام صورة الملك محمد السادس في مشهد لا تفسير له، في انتظار الأكثر.

وقبلهم كلهم، ورغم ما تحظى به أغانيه في المغرب من انتشار ورمزيته في المملكة، تفطن الشاب بلال ابن مدينة وهران لمكائد الصحافة المغربية، وقال باختصار إن “الجنسية الجزائرية وحدها تكفيه”، وإنه لا يحتاج إلى جنسية أخرى، وكان ذلك عندما سأله الصحفيون “هل يطلب الجنسية المغربية كما فعل الشاب خالد؟”. ولم يفقد بلال جمهوره في الجزائر، وحافظ في الوقت نفسه على جمهوره في المغرب، لأنه يعبّر أحسن من مغني الراي المغاربة عن همومهم. ولا شك أن الصحافة المغربية تنتظر بلال عند المنعطف، تماما مثلما فعلت مع الشاب خالد عندما غنى في مدينة تندوف الجزائرية. وبالمقابل، تحتضن وسائل الإعلام المغربية بدلال كبير المغني هيباوي عبد القادر، المعروف بـ”كادير الجابوني”، وهو اللقب الذي أطلقه عليه أبناء حيه باب الواد في الجزائر العاصمة، وكذلك العاصمي الآخر تمني رضا، الملقب بـ”رضا الطلياني”، وهذا رغم وجود الكثير من الأسماء الأكبر في عالم الراي، ومنهم حليمة الزهوانية التي تحتفظ بالجنسية المغربية، وهي بالمناسبة “صديقة حميمة” للوزيرة السابقة خليدة تومي، وسبق أن كرّمها الرئيس بوتفليقة، رغم كونها مغربية، بمنحها “حجة إلى البقاع المقدسة”.

أسئلة.. هل من مجيب؟
أما الأسئلة المطروحة في هذا السياق: لماذا يجتهد الإعلام المغربي مع مغني الراي ولا يتوقف عن الإيقاع بهم؟ أليست المملكة قادرة على إنتاج “رمز رايوي” يضاهي خالد وبلال والمرحوم حسني؟ أم أن المغاربة لم يتخلصوا إلى اليوم من عقدة “ناس الغيوان” التي ساهم المجاهد الجزائري المرحوم محمد بودية في نجاحها، بعد التضييق عليها في موطن نشأتها، مدينة الدار البيضاء المغربية، من طرف “الرمز” الطيب صديقي، صديق الملك الراحل الحسن الثاني؟
ويعترف مؤسسو “ناس الغيوان” بفضل المرحوم محمد بودية عليهم، والذي عرفهم بالفنانين والمناضلين الفلسطينيين الذين حملوا قضيتهم كما لم يفعل أحد مثلهم، وهي الفرقة التي أقامت في وهران، ورعاها المرحوم قاضي ميسوم، صاحب دار النشر “زاد اليوم”، قبل أن تنتزع شهرتها العالمية بالالتزام السياسي مع الشعوب.

يقول المهتمون بأغنية الراي وعالمه إن اهتمام النظام المغربي بهذا الطابع الغنائي وبالناس الذين يؤدونه بدأ مع منتصف تسعينيات القرن الماضي، عندما أدركت فرنسا أنها فشلت في إدماج الأجيال الثالثة والرابعة للمهاجرين المغاربيين، وقررت توظيف “الراي” للتحكم في الضواحي “المتمردة”، فشرعت في الترويج لجيل جديد من “الفرنسيين” مغني الراي المنحدرين من أصول جزائرية، وكلفت في هذا الشأن “مناولها الممتاز”، المغرب، بجزء من العمل.

هذا العمل يقتضي “سلخ” هذا الطبع الغنائي من أصله، مادام أنه صار جزءا من هوية “المواطنين الفرنسيين من أصل مغاربي”، فقد دخلت كلمة “راي” القاموس الفرنسي “لاروس” سنة 1998، وصار فرنسيون “أصليون” يستهلكونه ويؤدونه، حتى كاد يصير تراثا فرنسيا. وتواصل العمل بعدها في “صناعة هوية جديدة” للراي. وباشر النظام المغربي مغامرة منح “الهوية المغربية لأغنية الراي” ليوفر لنفسه رافدا مهما في المهجر، يتحكم به في أذواق وسلوكات “المغاربيين الذين رفضوا التفرنس”، وليقدم خدماته لشريكه التاريخي “فرنسا” التي تفضله على باقي جيرانه في الضفة المقابلة، جنوب البحر المتوسط.

وتواصل العمل في المغرب إلى غاية المهرجان التاسع لأغنية الراي في وجدة الصيف الماضي، عندما أعلن منظموه أنه من الواجب رفع مصاف هذه الأغنية إلى مرتبة “تراث إنساني لا مادي”. ولم ينتبه الناس في الجزائر للأمر، وواصلوا صرف الأموال لجلب المغنين من مشارق الأرض ومغاربها لإحياء حفلات المهرجانات.

ملفان متنافسان لإثبات “الأبوة” لدى اليونيسكو
بعد أن شاع، بداية السنة الجارية، خبر تحضير المملكة المغربية لإيداع ملف لدى اليونيسكو لتصنيف أغنية الراي كتراث إنساني لا مادي، انتشر الهلع في وزارة الثقافة الجزائرية، وتم تكليف المركز الوطني للأبحاث في ما قبل التاريخ والأنثروبولوجيا (كنيربا) بإعداد ملف للغرض ذاته. فاتصل سليمان حاشي، مدير المركز، ببعض الباحثين الجزائريين الذين يعتبرون مراجع في تاريخ أغنية الراي، فرفضوا العمل معه لأسباب لا شك أنهم يعرفونها، ثم لجأ المدير إلى باحث جزائري مقيم في فرنسا، الذي تكفل بدوره بالاتصال بباحث في الجزائر لينجز العمل المتمثل في إعداد تقرير وشريط مصور، على أن يتلقى الباحث المقيم في الخارج مستحقاته بالعملة الصعبة، ويعود الباقي بالدينار إلى الباحث المقيم في الجزائر.

في حين أن العمل المطلوب جاهز، ولا يحتاج إلى بحث جديد ونفقات جديدة. ويقول المطّلعون على الموضوع إنه كان يكفي لسليمان حاشي أن يستعين بالبحث الجامعي الذي أنجزه محمد الزاوي في رسالة تخرجه من جامعة الجزائر في بداية ثمانينات القرن الماضي، كأضعف الإيمان. أما إن كان يريد بحثا أكاديميا متكاملا، فإن الباحث الوهراني حاج ملياني أنجز “مرجع أغنية الراي” بلا منازع، فقد أصدر سنة 1996 كتابا “جذور الراي” باللغة الفرنسية، وبعدها كتابا آخر “الراي تعبير فني بين اللغات والثقافات، التقليد والتجديد”. أو كان على سليمان حاشي أن يستنجد بعمل الباحث الجزائري الآخر سعيد خطيبي الذي أنجز “أهم” كتاب باللغة العربية حول “الراي” والموسوم “أعراس النار.. قصة الراي”، أو في أسوأ الحالات يكلف فريق عمل من المركز الذي يديره لينجز بناء على كل الببليوغرافيا الجزائرية المتوفرة ملفا يقدمه باسم الجزائر لمنظمة اليونيسكو لتصنيف الراي كتراث إنساني لا مادي. ولا أحد في المركز الذي يديره سليمان حاشي تذكر الباحث الجزائري المقيم في أمريكا حاليا، نور الدين قفايتي، الذي رافق أغنية الراي منذ بروزها في سبعينات القرن الماضي في مدينته وهران، ورافق الراحلة الشيخة الريميتي إلى أن وافتها المنية. ولا أحد يعرف إن كانت الجزائر قد تقدمت بملفها أم لم تفعل، لأن العملية لم ترافقها متابعة إعلامية. وكانت هذه المرافقة تنفع، لأن المملكة المغربية لا تملك في تراثها ما تملكه الجزائر، بداية بالشيخة الريميتي التي سجلت أول أسطوانة راي عند “باتي وماركوني” سنة 1954، ولا تملك الحاج أحميدة، الموسيقي الوهراني الذي كان أول من استعمل آلة الأكورديون في أغنية الراي، ولا مسعود بلمو التموشنتي الذي أدخل عليها آلة النفخ “الطرومبيت”، ولا زرقي العابسي و«الجنية السعيدية الحقانية” ولا بلقاسم بوثلجة الوهراني وغيرهم، قبل الوصول إلى خالد الذي أوصل الراي إلى العالمية، ومن تلاه..

قصة الشاب خالد مع الجنسية المغربية
يتلذذ النظام المغربي باستفزاز الجزائر التي ترفض التخلي عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، ومن بين ما “أبدعه” في مجال الاستفزاز الترويج الإعلامي الواسع لسلوكات مغني الراي، وآخرها مشاهد المغني الفرنسي ذي الأصول الجزائرية، الشاب فوضيل، وهو ينحني فوق الركح في مدينة وجدة، أمام جمهور مهرجان الراي، لصورة الملك محمد السادس.

ويعرف المدققون في سيكولوجية مغني الراي جنوحهم لتقليد كبارهم، فقد سبق للشاب فوضيل وهو مراهق أن رافق الشاب خالد ذات يوم في أغنية “عبد القادر يا بوعلام” مع الشاب طه، وربما أراد أن يقلّده في التقرب من الملك المغربي. لكن الذي لا يعرفه الشاب فوضيل أن الشاب خالد نال الجنسية المغربية “خدعة”، وكادت تلك الجنسية أن تدمر أسرته، لولا تدخل معارفه لتهدئة زوجته ابنة ندرومة المولودة في المغرب، التي أصرت على مرافقة جثمان والدها إلى وطنه الجزائر ليدفن فيه.

أما الحكاية، فهي أن الشاب خالد بعدما أقام حفلا في شاطئ السعيدية بالمغرب، أبدى إعجابه أمام أحد مستخدمي الديوان الملكي، ويقال إنه أحد الحراس الشخصيين للملك محمد السادس، بالمنتجع المقام في ذلك الشاطئ وبالفيلات التي بنيت فيه.  وذات يوم، هاتف ذلك المستخدم الشاب خالد وطلب أن يرسل له نسخة من بطاقة تعريفه ليقوم بإجراءات شرائه فيلا في السعيدية، ففعل خالد. ويقال أيضا إنه حظي بتسهيلات “ملكية” لشرائها، ليتفاجأ الشاب خالد في سبتمبر 2013 بإذاعة خبر إصدار محمد السادس لظهير ملكي، تحت رقم 1-13-68، يقرر فيه منحه الجنسية المغربية. ويؤكد المقربون منه أنه علم بذلك، مثل كل الناس، عن طريق ما تناقلته وسائل الإعلام. وقامت القيامة في بيت الشاب خالد الذي كان قبلها قد انفصل عن مدير أعماله الفرنسي، وكادت أم أبنائه أن تنفصل عنه، وتدخّل أحد معارف الشاب خالد المقيم في وهران، وتنقل شخصيا إلى فرنسا للتوسط وإنهاء الخلاف. وشكر الشاب خالد “صديقه الملك” على كرمه، لكنه لم يصرح إطلاقا بأنه هو من طلب الجنسية المغربية.

“الراي” واجهة صراعات أعمق بين “الأشقاء”
تخفي قضية توظيف الراي ومغنيه من طرف النظام المغربي، ومسعاه لمنحه “الأبوة”، صراعات أخرى في مجالات ثقافية وتراثية متنوعة، حيث لم يهضم المغاربة تصنيف الجزائر “ركب سيدي الشيخ” تراثا إنسانيا لا ماديا في “اليونيسكو”، وهي الوعدة التي يقيمها أحفاد الشيخ بوعمامة في الأبيض سيدي الشيخ كل سنة، وما يرافقها من “فنتازيا”، وهو المقاوم للاستعمار الفرنسي المدفون في مدينة وجدة المغربية.

كما انزعج المغاربة من تصنيف اليونيسكو “الشدة التلمسانية”، وهي طقوس العروس في منطقة تلمسان، لأنهم يقولون إن أصل “الشدة فاسي”. وتعدّ الجزائر إضافة إلى هذين الموروثين الثقافيين موروثات أخرى مصنّفة من طرف اليونيسكو، كلها تمارس في الصحراء الجزائرية الكبرى، ولها امتدادات في الساحل الإفريقي، بداية بـ”السبيبة” في منطقة جانت بولاية إليزي، ثم “السبوع”، وهي الطقوس التي ترافق إحياء المولد النبوي في تيميمون بولاية أدرار، وأخيرا “إيمزاد” الذي يشترك فيه التوارڤ من تمنراست مع شعوب الجوار في النيجر ومالي، في حين صنّفت المغرب أربعة موروثات ثقافية هي “جامع الفنا” بمدينة فاس، وتقاليد “الأرغان”، وعيد الكرز في منطقة سفرو، وموسم “طانطان”.

وحاول المغاربة أيضا “الاستحواذ” على “أبوة” الفرس البربري، وقاموا بتهجينه مع الفرس الإنجليزي الأصيل، إلا أنهم أنتجوا فرسا هجينا، فشلوا في إقحامه في عالم الفرس دوليا، ولم ينل الاعتراف الذي يسمح له بدخول ميادين السباق العالمية، بعد أن أكد الخبراء أن “جثته ضخمة”، ولا يملك أناقة الفرس الإنجليزي ولا سرعته.  ومعلوم أن الفرس البربري أيضا “أصله” جزائري، ومازال “سلالة نقية” فيها، وينتظر أن تجتهد الفيدرالية الجزائرية للفروسية لرعايته والعناية به وإخراجه من الاستعراضات التقليدية التي مازال “مسجونا” فيها.

انشغلت الصحافة الصفراء الجزائرية بـ”الجابوني” و”الطلياني” والفرنسي فوضيل، لأنها لا تعرف أن “معركة الراي” تخفي أشياء أخرى أكثر أهمية، في انتظار قرار منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم “اليونيسكو” لمن تمنح “أبوة” الراي، للجزائر أم للمغرب؟

المصدر – صحيفة الخبر الجزائرية