chahed-douane

تحقيق – الديوانة التونسية الأخطبوط

A La Une/Analyses/CORRUPTION/Tunisie

تحولت الموانئ التجارية التونسية منذ عقود من الزمن الى ما يشبه سرطانا يصعب علاجه فمنذ وصول الرئيس السابق زين العابدين بن علي الى سدة الحكم تحول مباشرة الى ميناء رادس اين عاين حالة الفوضى والتسيّب التي ستصبح منفذا لعائلته وأصهاره لثراء فاحش بسبب التهريب والتهرب الديواني.

وبعد سقوط النظام الذي خلف وراءه أخطبوطا عملاقا بدت الحاجة الى الاسراع في ايجاد حلولا عاجلة وجذرية وضرب المفسدين وتفكيك منظومة الفساد التي اصابت مقتلا اهم وأبرز الموانئ التجارية في تونس التي تعد العصب الحيوي للاقتصاد المحلي الذي يعتمد على التصدير.

ولكن بقي الامر على حاله بعد الزيارات المتعددة التي قام بها رؤساء الحكومات المتعاقبة وصولا الى رئيس الحكومة الحالي يوسف الشاهد.

وجاء تحرك هذا الاخير بعد ايقاف عدد هام من رؤوس التهريب من بينهم مسؤول ديواني كبير وهو منير الشنوفي الذي شغل سنة 1999 منصب المدير المركزي بالادارة العامة للديوانة.

ولا يعرف اليوم ان كانت الايقافات التي شملت العشرات من رجالات الديوانة من مختلف الرتب على علاقة بمجموعة المهربين الذين تم ايقافهم قبل نحو ثلاثة اسابيع.

ولكن المقربين من رئيس الحكومة يشيرون الى ان الشاهد عندما تحول صبيحة الى ميناء رادس كان على دراية مسبقة بما حصل ويحصل هناك وخاصة عمليات التلاعب بأجهزة الكشف الالكتروني وكذلك التلاعب بالمنظومة الاعلامية التي ستفرد بتحقيق خاص لمعرفة الجهة التي تقف وراء ذلك وكذلك الجهات المنتفعة منها.

ففي أفريل الماضي قررت الادارة العامة للديوانة انهاء صفة المتعامل الاقتصادي المعتمد لشركة النخيل للزيوت التي تعود ملكيتها لمجمع سلامة.

وجاء في قرار التعليق الذي استمّر 6 أشهر انطلاقا من افريل 2017 الى حين تسوية الوضعية ان شركة نجمة لم تقم بتسوية التصاريح الديوانية في الاجال المحددة كما انها لم تقم ببعض تصاريح التسوية وتمتعت بدون موجب بامتيازات جبائية وخالفت الاتفاقية المبرمة بين هذه الشركة والادارة العامة للديوانة.

وقد علمنا ان الشركة مطالبة بدفع ما يناهز الـ30 مليون دينار وقد شرعت بعد في دفع اقساط تراوحت ما بين الـ5 ومليون دينار فيما تبقى 18 مليون دينار ستدفعها في وقت لاحق وبضمان بنكي.

وكان النائب عن الجبهة الشعبية «شفيق العيادي» اشار خلال خلال مساءلة وزير المالية يوم 6 جوان الجاري الى حصول عملية تحيّل على الديوانة و ذلك بالتهرب من خلاص 57 مليون دينار بالإضافة إلى خطية مالية موظفة بلغت 40 مليون دينار أي بمبلغ جملي يناهز 100 مليون دينار.

وقد نفت مصادرنا بالديوانة التونسية ان تكون عملية التحيل على الديوانة بلغت الـ57 مليون دينار وكذلك حصول عمليات اختراق لمنظومتها المعلوماتية للتلاعب بالتصاريح.

ووفقا لخبراء في المجال الديواني فان استعمال امتيازات مالية لاستيراد بضائع خاضعة لمعاليم ديوانية دون وجه حق وتسويقها بالسوق، المحلية، مثلا فزيت النخيل المكرر يخضع لـ ٪10 معاليم ديوانية، لكن بمجرد التصريح الكاذب بأنّه خام وليس مكررا ينتفع آليا بالإعفاء الكلي من المعاليم، كذلك الشأن لبضائع أخرى باستعمال رمز امتياز غير مطابق (Code Privilège erroné)، في غياب الرقابة الديوانية نظرا لكونه يتمتع بصفة المتدخل الإقتصاديOpérateur Economique Agrée وتمرّ بضائعه تباعا بالرواق الأخضر «Couloir vert» في الديوانة أي دون رقابة ونظرا لفسادهم يستغلون هذا الامتياز لإدخال ما شاء مصرحين بما يروق لهم لعدم خلاص ما أمكن من المعاليم الجبائية و الديوانية.

• استيراد زيوت نباتية خاضعة لمعاليم ديوانية و ما معها من بضائع أخرى للتعليب تحت نظام القبول الوقتي Admission temporaire للتمتع بالإعفاء الديواني بغية إعادة تصديرها، و في الواقع فإنّ عملية إعادة التصدير تكون وهمية على المنظومة الإعلامية فقط، إذ يقع إلغاؤها مباشرة دون إعادة الكمية التي زعموا تصديرها إلى مخزون نظام القبول المؤقت، و هذا خلل في المنظومة الإعلامية للديوانة تم استغلاله عن سوء قصد، الهدف منه تسويق هذه البضائع في السوق الداخلية دون خلاص أي معلوم ديواني.

• التصريح بمعاليم ديوانية على المنظومة المعلوماتية للديوانة دون خلاص المعاليم نظرا لكون التصريح يقع من مكتب مجمع علي سلامة و أبناؤه وكان من الواجب عليه إثر ذلك التوجه إلى قباضة الديوانة لخلاصها عملا بالاتفاقية لكن هذه المؤسسات، ونظرا لعلمها بالخلل في منظومة الديوانة التي ليس لها نظام تقاطع في الغرض Absence de recoupement، تخيّر الإحتفاظ بهذه المعاليم لديها إلى حين مطالبة الديوانة بها أو سقوطها بمرور الزمن لتتحول الديوانة إلى مموّل لنشاط مؤسسات خاصة.

ومعاناة المصدرين والموردين في تونس تمر أساسا عبر الموانئ التجارية التونسية وخاصة ميناءي حلق الوادي ورادس.

وللافلات من الرقابة الالكترونية فوجئ المسؤولون بميناء حلق الوادي ان كاميرات المراقبة التي وضعتها شركة متخصصة في المجال وذات صيت عالمي تعطبت وخاصة الكاميرات التي تراقب البوابات الرئيسية للميناء ولتفادي تكرار هذه الجريمة طلبت ادارة الميناء من الشركة المعنية وضع كابلات اجهزة المراقبة وسط الحيطان ولكن لم يمض وقت طويل حتى ينهار الحائط الرئيسي إثر تعرضه لصدمة من قبل جرار.

ويتعمد الاخطبوط الذي يدير عملية الهيمنة على مقدرات الموانئ تأخير اخراج السلع في وقتها المحدد وخاصة الشحنات التي تحمل سلعا قابلة للالتلاف بعد مدة زمنية معينة وهنا يجبر صاحب السلعة على دفع أتاوة لتحرير شحنته.

ووفقا لما هو متعارف عليه دوليا فان معدل انتظار السفن لتفريغ شحناتها لا يتجاوز الثلاثة ايام ولكن السنة المنقضية بلغت مدة انتظار السفن للولوج الى ارصفة ميناء حلق الوادي اسبوعين بالتمام والكمال ويتسبب هذا التأخير الفادح في خسائر كبيرة لأصحاب المؤسسات وخاصة المؤسسات الصناعية التي تعتمد على المواد الاولية التي تستوردها من الخارج .

وكان وزير النقل السابق محمود بن رمضان عبر خلال زيارة فجئية اداها إلى ميناء رادس يوم 15 أكتوبر 2015 عن انزعاجه الشديد ممّا لاحظه من تراجع في مستوى الخدمات وارتفاع نسبة الغيابات حيث تم خلال ذلك اليوم تسجيل حضور 17 عونا وسائقا فقط من مجموع 82 عامل بالميناء.

وعلى اثر ما لاحظه عقد الوزير جلسة عمل مع المسؤولين،وطالبهم باتخاذ إجراءات صارمة ضد حالات الغيابات والتسيب وعدم الانضباط، التي تفشت في السنوات الأخيرة. كما امر بوضع آلية للمتابعة اليومية لحضور الأعوان وأوقات مباشرتهم للعمل.

ولئن تم بعد هذه الزيارة ايجاد حلول لحالة الاكتظاظ ووجود الآلاف من الحاويات الرابضة بأرصفة الميناء منذ شهور، الا ان عملية تفريغ السفن مازالت ترواح مكانها .

وفي جوان 2012 وعلى اثر زيارة لرئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي لميناء رادس تم اتخاذ جملة من القرارات والإجراءات من بينها إقالة واحد وعشرين من كوادر الديوانة وإحالة العديد من الملفات على القضاء، لكن مصير هذه الملفات بقي مجهولا الى حد هذا اليوم .

وحسب المحامي عماد بن حليمة فان الفساد في قطاع الديوانة وعلى وجه الخصوص بادارة الابحاث الديوانية بشارع مدريد « يتخذ شكلين اساسيين فإما ان يكون بغض النظر عن جرائم ثابتة لمن يدفع المطلوب او ان يكون من خلال تضخيم ملفات وتحامل على من يتمسك بالقانون و يرفض الدخول في عملية رشوة.

لا بد اذن من اعادة النظر في عديد المحاضر التي كان اصحابها ضحية المساومة والابتزاز ومهددون اليوم بالتفليس من اجل محاضر خيالية لا علاقة لها بالواقع ونخصّ بالذكر منها ملف شركة ستراس المخيب للامال.

وحسب بن حليمة «فان ضباطا من الديوانة سبق ابعادهم من شارع مدريد وقع الاستنجاد بهم مجددا لاعداد ملفات لبعض الاشخاص الخاضعين لإجراء الاقامة الجبرية ومنهم السيد نجيب اسماعيل،يعني ان هؤلاء الضباط تم منحهم فرصة لتبييض انفسهم مقابل اغراق المتهمين بمحاضر خيالية».

ويقول بن حليمة « من موقعي كمحام لبعض المذكورين فإني اندّد بهذا الامر واطالب باجراء. عملية تمشيط حقيقية و تنظيف شامل لادارة شارع مدريد واعتقد ان الدولة لا تعوزها المعلومات الكافية عن كبار الفاسدين بالادارة و ما ينقص هو الابتعاد عن المحسوبية و تفعيل معيار الكفاءة و نظافة اليد.

لا يمكن تكليف ضباط تحوم حولهم شبهات فساد بحياكة ملفات جرائم ديوانية للاشخاص الذين وقع الزج بهم في قضايا فساد ،ستكون الفرصة متاحة للضباط المذكورين للتنكيل بالمتهمين سعيا إلى تنظيف صورتهم امام الادارة.

بن حليمة قال « ان عملية الاصلاح لا بد ان تبدأ برحيل كبار المسؤولين بادارة الديوانة دون الدخول في تفاصيل الاسماء و اللبيب من الاشارة يفهم ».

مازال الرأي العام في تونس يتذكر الزيارة الشهيرة لوزير النقل السابق السيد محمود بن رمضان خلال شهر ديسمبر الماضي 2015 الذي تفاجأ بحالة التسيب التي وصلت الى حد تغيب 70 عونا من مجموع 87 كان يفترض ان يكونوا في مواقع عملهم.

يومها توعد الوزير بملاحقة كل المتسببين في هذا التسيب الممنهج ولكن هذا الوعيد دخل دهاليز النسيان وهو ما شجع المارقين على مواصلة ما تعودوا عليه من افلات من العقاب وهو ما سنلمسه يوم 02 فيفري حين عمدت مجموعة من الاعوان ودون سابق انذار الى غلق جميع المنافذ المؤدية للميناء متسببين في خسائر باهظة لخزينة الدولة بلغت حوالي 4 مليون دينار.

ويومها اضطرت ناقلة ايطالية من العودة من حيث جاءت دون ان تفرغ حمولتها والاخطر من كل هذا فإن ابرز المتضررين كان عملاق صناعة الطيران اير باص التي لم تتمكن احد فروعها بتونس لصناعة مكونات الطائرات لنقل قطع الغيار التي يحتاجها المصنع الرئيسي في تولوز مما تسبب لها خسائر بملايين الدينارات وقائمة الضحايا لا تحصى ولا تعد …

ولكن مرة أخرى وبعد ان علمت رئاسة الحكومة بما جرى أصرت على ملاحقة المتسببين على مجالس التأديب بعد أن تحولت تحركاتهم التي رفضتها جميع النقابات ولم تنخرط فيها الى ما يشبه الارهاب الاقتصادي الذي يهدد اخر ما تبقى من أنفاس الاقتصاد التونسي ولكن هذا القرار باحالة ثمانية من المتسببين لما حدث يوم 2 فيفري2016 على مجالس التأديب لاقى صدّا وترددا والحال ان الأمر كان يحتاج الى وقفة حازمة حتى لا تتحول تخمينات الكثير من التونسيين بأن ميناء حلق الوادي وغيره من الموانئ التجارية قد تحول الى ما يشبه جزيرة معزولة خارجة عن السيطرة.

وبعد كل هذا المحاولات التي تشبه محاولات دونكيشوت لايقاف ناعورة الهواء عاد الشاهد ليقول الاسبوع الماضي ان منظومة بن علي في الديوانة التونسية مازالت صامدة امام كل محاولات الاصلاح.