متى يتخلصون من ذنوبهم

A La Une/Edito

كل شيء ابتدأ عندما أعلن رئيس الجمهورية ـ وهو على حقّ ـ أن قضية الترشح للرئاسة سنة 2019 ليس وقت التداول بشأنها وأنه لكل حادث حديث .

ونعتقد أن الرئيس كان يقصد غلق باب حرب «الخلافة» التي انطلقت مبكرا وهو الأمر الذي عطّل كل الأطراف عن القيام بمهامها الأساسية في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة.

ولا يخفى على أحد أن المطلوب العاجل الآن هو توفير أقصى حد ممكن من الاستقرار الأمني والسكينة المجتمعية وذلك من أجل خلق الشروط الضرورية لعودة عجلة الاقتصاد الى الدوران ولتحقيق نسب تنمية عالية تحفظ لتونس مناعتها واستقلالها وللتونسيين كرامتهم وعزّتهم .

وهذا يعني :

ـ أوّلا : مواصلة الحرب على الارهاب والفساد والجريمة والغباء وانعدام الكفاءة .

ـ ثانيا : القيام بمجهود إستثنائي من أجل إعادة الروح للجسم الاقتصادي وتحسين مردودية المؤسسات الاقتصادية وإعلاء قيمة العمل والقيام بالإصلاحات الاقتصادية الكبرى، وهو ما يتطلب تحركا ميدانيا أنجع وعملا إتصاليا فعليا لإفهام المواطن حقيقة الأوضاع في تونس وما يتطلبه ذلك من التزامات وتضحيات عند الإقتضاء وهو عمل نعتقد أنه غائب تماما .

ـ ثالثا : ضرورة استكمال بناء مؤسسات الدولة بعيدا عن منطق المحاصصة والتجاذبات الحزبية والمصلحية وعن مراكز الضغط المالي والقطاعي والحقوقي المغشوش.

ـ ورابعا : القيام بالمصالحة الشاملة لِلقَطْعِ مع كل الأجندات التي تؤسس للحقد والثأر والبغضاء وتقسيم التونسيين .

وقد يكون الرئيس باقفاله باب الجدل حول رئاسيات 2019 أراد أن يدفع الجميع الى العمل على تحقيق أهداف المرحلة التي من دونها ستدخل تونس مجددا في دوامة الفوضى والشك وهو المعنى الأساسي لكلامه بأن حكومة الشاهد الثانية هي «حكومة الفرصة الأخيرة» لتونس ،،وليس لرئيس الحكومة كما أحب أن يفهم بعض الذين في قلوبهم مرض.

ولا يبدو أن فئة من السياسيين استوعبت هذا التوجه الرئاسي الذي يقطع الطريق على الاجندات الخفيّة وتلك التي تُمَرَّرُ تحت الطاولة وهم لذلك تقبّلوها كنزعة «هجومية» ضدهم بما دفعهم الى الالتقاء الموضوعي مع أطراف حزبية وسياسية تقف معهم على طرف نقيض وفي واقع الأمر ينطبق على بعضهم أو جلهم مَثَلٌ شعبي فائق التعبير وهو « المِجْرابْ تَهْمزُو مَرَافْقُو» .

رئيس الجمهورية الذي استطاع مِنْ خلال حوارين صحفيين في مستهل السنة السياسية الجديدة أن يسترجع كل أوراق اللعبة السياسية في يديه، هو على وَعْي بدقّة وخطورة المرحلة وبتداعيات ما يجري الآن على استمراريّة الدّولة واستقرار تونس ومستقبلها.

وليس مِنْ باب المُجَازَفَةِ في شَيْءٍ القول بأنّ المِزَاجَ العامّ الشعبي والسّياسي النّخبوي تقبّل بارتياحٍ كبير تصريحات رئيس الجمهوريّة التي رأى فيها تطمينات وضمانات ضدّ الانحراف بالمسار المدني الجمهوري للدّولة والمجتمع وكذلك رأى في هذه التصريحات إعادة اعتبار لمنطق هيْبَة الدّولة التي أصابها الوَهَنُ تحت تأثير ضربات «الثّورجيّة» الفوضوية واليمين الدّيني والانتهازيّة الشّعبوية.

وفي كلّ الأحوال فإنّ الواجب الأخلاقي والسّياسي والدستوري فَرَضَ على الرّئيس التدخّل خصوصا في ضوء فوضى المشهد الحزبي والسّياسي، وطُغيان المصالح الفئويّة والشّخصية على المصلحة العليا للوطن، وسَعْيِ بعض الفئات الحزبية والسياسية مِنَ اليمين الديني ومِنَ اليسار الايديولوجي الفوضوي (بالمعنى الماركسي للكلمة)، إلى دفع تونس نحو أحد ثلاثة سيناريوهات محتملة مُنْفصلة أو مُجمّعة وهي :

إمّا فوضى عامّة يستحيل معها على أَيِّ طَرَفٍ السيطرة عليها لاحقا، أو جرّ تونس إلى أزمة اقتصادية واجتماعيّة يَصْعُبُ الخروج مِنْهَا، أو الوصول بالبلاد الى حالة شلَلٍ تامّ للنظام السّياسي بما قَدْ يُقَوِّض أركان النظام الجمهوري ويُشَرِّعُ لسَطْوَةِ «الشّارع» على الدولة،

وذلك إمّا تَمْهِيدًا لخِلاَفة إحْيَاءً لِمَاضٍ لا مُسْتَقْبلَ له أو «إنْضَاجًا» لمَسَارِ ثَوْرَةٍ لَنْ تَأْتِيَ أَبَدًا.

وإنّ هذه العودة القويّة لِرَئِيسٍ قَرَّرَ أوّلا أَنْ يكون هو الأمين على الموروث الحضاري المجتمعي التونسي المدني المتفرّد في محيطه الاقليمي في ضوء رضوخ البعض لاغراءات السلطة أو الرفاهيّة «النضالية»، وثانيا أن يكون ضامنا حقيقيا لإنجاح عملية الانتقال الديمقراطي مِنْ خلال تصوّر معيّن لنظام سياسي تَتَوَازَنُ فيه السّلطات ويؤسّس لشراكة مع المجتمع المدني في تسيير الشأن العام وكلّ ذلك يتمّ بنظام رقابة مِنْ دُونِ تَغَوُّلٍ على الدّولة.

إنّ هذه العودة أحرجت بالتأكيد عديد الأطراف وهي لذلك سَعَتْ وستُواصل سَعْيَهَا لضَرْبِ هذا الواقع الجديد الذي جَعَلَ مِنْ رئيس الجمهورية مِحْوَرَ الحياة السياسية مُجَدَّدًا وحَجَرَ الزّاوية في المنظومة السياسية رَغْمَ محدودية صلاحياته دستوريّا.

وقد يكون مِنَ المُهِمِّ التّذكير بأنّ هذه الأطراف جَمَعَتْ حرَكَةَ «النّهضة» التّي ما تزالُ ترفُضُ الانْصِيَاعَ للمدنيّة رَغْمَ كلّ المظاهر التّي تُوحِي بعَكْسِ ذلك، لأنّ ما يَرْشَحُ عَنْ مؤسّسات هذه «الحركة» يؤكدّ دوما رفضها فكّ الارتباط مع الجانب الديني والدعوي ومع حركة الاخوان الدولية.

وثانيا، شملت حركة الرّفض بعض المغامرين الذين قذفت بِهِمْ الصّدفة إلى القصبة فاحتلّوا مَوَاقِعَ فَتَحَتْ شهِيّتهم عَلَى حُكْمٍ لا يُقَدِّرون مَدَاهُ ولا مُنْتَهَاهُ ولا خطورته عليهم وعلى تونس خصوصا إذا ارتبط هَذَا «الطموح» أو الطّمع في الحُكْمِ بانْعِدَامِ الكفاءة السياسية والمعرفية.

وتقديرنا أنّ «النهضة» تَعْلَمُ ذلك وهي على استعدادٍ لدَعْمِ هؤلاء المغامرين الجُدد والقدامى، وقد تكون بدأت بَعْدُ،

وأمّا الطرف الثالث الرّافض لدور رئيس الجمهورية الّذي فرضه الواقع الموضوعي للأحزاب وللحكومة ولشَلَلِ عمل المؤسّسات، فهو يتكوّن مِنْ شِقَّيْنِ إثنين وَاحِدٌ أَحَدُ رموزه يُبعَثُ مِنْ حِين إلى آخر مِنْ تحت الانْقاضِ حَامِلاً شعار الخلاص والانقاذ ولكنّ الحظّ وسوء تقدير توقيت اتخاذ المواقف حرماه مِنْ مُتْعَةِ تحقيق حُلْمِهِ في الحُكْمِ،

وشِقٌّ ثَانٍ رَمْزُ رُموزِه مَا يَزَالُ قابِعًا في قاع خِطَابٍ تَاهَ عَنِ الواقع الجديد والقديم وأضحى يَسْبَحُ خارج حَركَة التّاريخ وهو ما يزال في انتظار الطّفرة «الثورية» الّتي قد تقذف به الى الحُكْمِ الأَبَدي شأنه في ذلك شَأْنَ مَنْ كان ينتظر مَدَدًا مِنَ السّماء يُمَكّنُهُ مِنْ مَسْكِ تَلاَبيبِ الأرض ومَنْ عَلَيْهَا …

هؤلاء هُمْ إذَنْ الرّافضون، وأمّا عَنْ مظاهر الرّفْضِ فهي عديدة ومتنوعة ولكنّها تتّحِدُ كُلُّهَا في هذا السّعي المحموم لإضْعَاف موقع الرّئيس الرّمزي وهو سَعْيٌ ابتدأ ويتواصل مع محاولات إسقاط قانون المصالحة الادارية وشَمِلَ كذلك التّقليل مِنْ شأن المبادرات الرئاسية في مختلف المجالات وآخرها حديثه عَنِ المساواة التّامة بين الجنسين …

ومِنَ المظاهر الأخرى غير المباشرة لهذا الرّفْضِ ما ارتبط بالتّحوير الوزاري الأخير وتحديدا تداعيات تعيين وزير داخلية لَمْ يجدوا له مَدْخَلاً للبيع أو الشراء وهو أَمْرٌ يَقَضُّ مضاجع البعض، فعمدوا ويعمدون الى افراغ هذا التعيين من محتواه وذلك تحت شعار يكاد يكون «حربيّا» وهو «اذا كانت الوزارة لَهُمْ فانّ الادارة يجب أن تكون لنا» وهذا الشعار يكاد يكون شَمِلَ كلّ الوزارات ولكنّه إكْتَسَى أهميّة خاصّة عندما تعلّق الأمْرُ بوزارة الداخلية لأسباب غير خافية وأحيانا إستباقية.

نحن في مفترق طُرُقٍ اذن، فإمّا أنّنا استوعبنا حَجْمَ المؤامرات والدسائس التّي تُحَاكُ ضدّ تونس واستقرارها وسيادتها في بعض الأحيان وإمّا أنّنا مَرَرْنَا بجانب الحقيقة إمّا اراديا بسَلْكِ سياسة النّعامة أو عَنْ جَهْلٍ أو خَوْفٍ أو تَواطُؤٍ ..

وانّ خطورة ودقّة المرحلة تستوجب مِنْ جميع الأطراف الذين تعلّقت هِمّتهم بالوطن والوطن وحده أن يتجنّدوا لاجهاض كلّ أشكال المؤامرات والمناورات والدسائس، لأنّ كلّ الحروب الأخرى هي فرعية أمام قدسيّة حرب التصدّي لضرب استقرار تونس ووحدتها ومدنية دولتها ومجتمعها.

وقد نَفْهَمُ أنّ مِنَ المناورين مَنْ يَفْعَلُ ما يفعله خوفا من عودة كابوس الماضي لكنّنا على يقين بأنّ مَنْ دخل تونس وهو متحرّر مِنَ العُقَدِ التي قادت الى كوابيس الماضي ومَنْ دخلها وهو تَارِكٌ إرْثَه المتخلّف والّذي يشرّع لتقسيم التونسيين وينمّي منسوب الحِقْدِ بينهم، فهو آمِنٌ ..

ونحن نرى أنّ الفرصة مواتية للبعض من أجل التخلّص من بعض «الذنوب» التي مَهْمَا عَظُمَتْ فانّ «عَفْوَ» الوَطَنِ أعْظَمُ.

وأمّا مَنْ يُصِرُّ على الرّفْضِ مَهْمَا قَوِيَتْ واشتدّت البراهين فمتروك أَمْرُهُ الى مَنْ بِيدِهِ تَقييم وتقويم الأداء السياسي للأفراد والجماعات والأحزاب وانّ غدا لناظره قريب.

… الهاشمي نويرة مدير تحرير جريدة الصحافة اليوم