السبسي

الأزمة تستفحل هل تأتي المبادرة من قصر قرطاج

A La Une/Analyses/Tunisie

رغم الانفراجة المؤقتة في الحوض المنجمي وعودة النشاط هناك بعد انقطاع تواصل لأكثر من خمسة أسابيع الا ان الازمة بكل أشكالها مازالت جاثمة على الحياة العامة في تونس ومن أجل ذلك بدأت الاعناق تشرئبّ نحو قصر قرطاج انتظار المبادرة رئاسية قد تجلي الغيوم في بلد يستعد الى انتخابات بلدية هي الاولى من نوعها منذ الاستقلال وسط مخاوف من ان يتحول هذا الحدث الى نكسة أخرى تنضاف الى النكسات السابقة وهو ما ألمح اليه أول أمس وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الانسان، المهدي بن غربية الذي أكد ان مقاطعة التونسيين للانتخابات البلدية المقبلة ستعتبر في صورة حدوثها «تكريسا للرداءة في المشهد السياسي ومقاطعة للديمقراطية وللمسار الديمقراطي الذي انطلق في تونس منذ سبع سنوات».

وهذه المخاوف ليست وحدها التي يتقاسمها التونسيون مع السلطة الحاكمة فهناك الكثير من الارقام التي تثير مخاوف التونسيين حول مستقبل اقل ما يقال عنه انه ضبابي ان لم يكن مجهولا.

يقول العارفون ان الارقام هي الوحيدة التي تصدق التونسيين وضعهم الحالي ولعل احدثها ما اعلن عنه البنك المركزي مطلع هذا الاسبوع اذا أكد تقرير صادر عن مجلس ادارة البنك استمرار التضخم في عام 2018، والذي بلغ ٪7.1 في شهر فيفري مقابل ٪4.6 في نفس الشهر من عام 2017 و٪5.3 بحساب المعدل في سنة 2017.

ورجح البنك حسب التطورات المنتظرة لجملة من المؤشرات الظرفية الاستباقية، وبالخصوص الارتفاع المتوقع للأسعار العالمية للمواد الأساسية ولا سيما الطاقة أن تواصل الضغوط التضخمية نسقها التصاعدي خلال الفترة المقبلة.

وليس هذا كله فالأرقام الأخرى التي قدمها الخبراء كل في ميدانه لم تكن أقل تشاؤما مما قدمه البنك المركزي فخسائر الفسفاط بلغت 9.1 مليار دينار خلال 7 سنوات والخسائر المنجرة عن اعتصام الكامور وصلت الى 925 مليون دينار.

كما بلغت الخسائر المنجرة عن توقف العمل في بتروفاك 400 مليون دينار.

بدوره قدم الوزير السابق ورجل الاقتصاد محمود بن رمضان أرقاما مفزعة حول الوضع في تونس:

فالمصاريف العمومية بلغت ٪46.5 وهو رقم لم تبلغه أي دولة في العالم فيما بلغ الانتداب في الوظيفة العمومية الـ 197.000 عون ما بين 2011 و2017 مقابل ذلك وصل حجم الزيادات في الأجور طيلة نفس الفترة الى ٪7.8 كما تجاوزت الديون سقف الـ 72 مليار دينار اما الوضع في الصناديق الاجتماعية فحدث ولا حرج اذ بلغت ما بين 2011 و2017 الـ 3975 مليار.

وأمام تأزم هذه الوضعية التي لا يختلف حولها اثنان بدأت الدعوات تتصاعد لحلحلة الوضع فانطلقت الدعوة الأولى من اتحاد الشغل الذي طالب بإجراء تحوير وزاري على حكومة الشاهد وضخ دماء جديدة في جسدها المتراخي مقابل ذلك لم يتوقف المتكلمون باسم الجبهة الشعبية عن الدعوة لاجراء انتخابات تشريعية سابقة لأوانها اما بقية الاطراف الاخرى فقد اعتبرت ان وثيقة قرطاج قد فقدت بريقها وانها أصبحت من الماضي أمام الانسحابات المتتالية منها.

ولكن بين كل هذه الدعوات اتجهت الأعناق صوب قصر قرطاج لتنطلق أول دعوة موجهة لرئيس الجمهورية على لسان العميد الفاضل محفوظ الذي تمنى عليه «التفكير في مبادرة وقيادتها تكون مختلفة مع مبادرة قرطاج ووثيقتها شكلا ومضمونا بتناول أدق تفاصيل الازمة من طرف الكفاءات الوطنية، الحزبية والمدنية والمستقلة».

والمطلوب من هذه المبادرة يقول العميد فاضل محفوظ الاعداد بوثائق مرقمة وشفافة لانتظارات التونسيات والتونسيين في شكل ورشات علمية وليس في شكل الصور (البروتوكولية) وان كانت ضرورية لكن باعتدال.

وجاءت هذه الدعوة عبر تدوينة للعميد نشرها أول أمس على صفحته بالفايسبوك الذي أكد من خلالها ان أزمة سياسية حادة تلوح في الافق، لتعقد الوضعية الاقتصادية والاجتماعية أكثر مما هي معقدة.

وقال محفوظ في تدوينته «يعتقد البعض ان الخلاص سيأتي بالانتخابات البلدية وخاصة من المبشرين بفوز ساحق فيها بينما يرى البعض الاخر ان تلك المحطة الانتخابية وان كانت ضرورية تكريسا للمسار الديمقراطي الانتقالي فانها ليست كافية لانقاذ ما يمكن انقاذه».

وبين هؤلاء وأولئك تتعالى أصوات قليلة والحمد لله لتلعن الديمقراطية وابو الديمقراطية مع المعذرة.

والحقيقة ان لا هؤلاء ولا أولئك ولا ما بينهم يستطيع اليوم ان يقود عملية اصلاحية عميقة وحقيقية بالنظر لتعقيدات المشهد السياسي وتراكم الهنات والاخطاء واعتقادي اننا نعيش مرحلة استثنائية، تتطلب حلولا استثنائية قبل ان تأتي الازمة على الاخضر واليابس.

والسؤال المطروح اليوم، من في تونس قادر على اعلان مبادرة وقيادتها؟

وليطمئن الجميع فأنا لا أوحي الى الرباعي الذي اجتهد في فترة معينة، وله اجر واحد على الأقل، لكن لكل فترة خصوصياتها ورجالاتها ونساؤها.