ساركوزي – القذافي الصفقة القاتلة

A La Une/Analyses/Tunisie

مع صدور حكم باعدامه من قبل مجلس قضائي تسيطر عليه الجماعات المتطرفة في طرابلس تحول موضوع البغدادي المحمودي اخر رئيس وزراء في عهد القذافي الى موضوع مثير للاهتمام في الصحافة المحلية والدولية وحيكت الكثير من الروايات حول دوره وصلت الى حد وصفه بالصندوق الأسود الذي يحمل كل أسرار ليبيا بما في ذلك ملف الحملة الانتخابية للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي التي قيل ان القذافي مول جزءا منها بمبلغ وصل الى حدود ال50 مليون دولار

ولكن العارفين بخفايا ليبيا متفقون على ان المحمودي هو اخر من يعلم بما يدور داخل القبو الذي كان يقيم فيه القذافي بمعسكر العزيزية وسط طرابلس  فهناك دائرة ضيقة جدا من ابنائبه ومن سكريتره الخاص الرجل اللغز بشير صالح المكلف بتصريف محفظة الاستثمارات الليبية في الخارج ومبعوثه الخاص لدى الحكام الفرنسيين بما في ذلك نيكولا ساركوزي الذي التقاه اخر مرة لايجاد مخرج للمأزق الذي وقع فيه النظام قبل أيام من انهياره

ففي الدائرة العائلية المضيقة قسمت المصالح على هذا النحو

أولا، الابن المدلّل سيف الإسلام، الذي يسيطر على القطاع النفطي من خلال شركة وان ناين بتروليوم  (هو حاليا معتقل في ليبيا لدى قبيلة الزنتان ) ثانيا  المعتصم، رئيس مجلس الأمن القومي الليبي (تم قتله قبل والده)،ثالثا  خميس، النجل الأصغر، الذي كان يقود إحدى كتائب القوات الخاصة الثلاث (تم إعلان مقتله، لكن لم يتم تأكيده أبدا)،رابعا  الساعدي، لاعب كرة قدم سابق، الذي استحوذ على جزء من سوق العقارات سلمته النيجر مقابل مبلغ مالي سخي  خامسا الابن الأكبر محمد، الذي كان يسيطر على قطاع الاتصالات (غادر الجزائر الى سلطنة عمان مع شقيقته عائشة واخيه هانيبال والزوجة الثانية لمعمر القذافي). ثم بعد ذلك رجال الظل: عبد الله السنوسي، صهر القائد ورئيس جهاز الاستخبارات (معتقل بطرابلس)، وموسى كوسا (لاجئ لدى قطر حاليا) مسئول جهاز الاستخبارات السرية والأمن الخارجي، و منفّذ العمليات القذرة، وهما الشّخصيتان اللتان تم توجيه مذكرة تمويل ساركوزي الغريبة. ثم أخيرا، تأتي مبروكة الشريف، رئيسة الحرس الخاص للقائد، ومتعهّدة نزواته (يُقال أنها تقيم بشكل سري في الجزائر حاليا). يقول عنهم بشير صالح  السكرتير الخاص للقذافي بتواضع كامل: »هؤلاء يعلمون من الأمور ما لا أعلم ». وبالحديث عن هذا التقسيم في السلطة، كتب السفير الأمريكي الأسبق الجنرال كريتز عام 2009 في برقية وجّهها الى الخارجية الأمريكية (كشف عنها موقع ويكيليكس فيما بعد) أن » القذافي هو مهندس قفصه الذهبي ولا يستطيع أن يترك إلى آخرين أمر اتخاذ قراراته اليومية، حتى وإن كان يرغب في ذلك »

بشير صالح الرجل اللغز

صعد نجمه غداة هجمات 11 سبتمبر 2001 ، كان هو من حرّر البيان الموجّه الى جورج بوش الابن، الذي حمل « إعلان ليبيا أيضا الحرب على الإرهاب ». كما قال البيان: « نحن الآن في معسكر واحد ». كما أرسله القذافي الى سيلفيو برلسكوني وخوسيه ماريا آثنار لنقل نفس الخطاب ومطالبة رئيسي وزراء إيطاليا وإسبانيا بالدفاع عن القضية الليبية بواشنطن. يؤكد بشير صالح أنه « لم يكن أحد من المحيطين بالقذافي موافقا على هذا الأمر، لكنه هو من كان يحكم. وكان يقول أن الإسلاميين هم أعداء الشّعب ». تخلّت ليبيا إذن عن الإرهاب واعتمدت خطة لتفكيك ترسانة اسلحة الدمار الشامل التي كانت بحوزتها، مما مكّن من إطلاق مشروع عودتها الى المجتمع الدولي، وينتهي لاحقا باستعادة علاقاتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة عام 2009. يقول السكرتير السابق أنه يتذكر وصول السفير الجديد، وما قاله له القذافي يوم وصوله: » عليك المرور ببشير صالح  ان احتجت أي شيء! ». كما أصبح المبعوث الدائم لدى الفرنسيين.

منذ عام 2006، وإلى غاية 2009، استثمرت محفظة ليبيا أفريقيا للاستثمار برئاسة بشير صالح مبلغ 5 مليار يورو في المغرب العربي وأفريقيا ضمن أربعة مجالات نشاط هي: الملاحة الجوية والنفط والفنادق والاتصالات. وبفضل أموال المحفظة، اشترت شركة الخطوط الأفريقية 26 طائرة إيرباص وأسست شركة اتصالات بأوغندا. بينما أسست شركة نفط ليبيا 1200 محطة بيع بنزين ووقود وخدمات في مختلف أرجاء القارة الأفريقية. « وقد ارتفعت قيمة الشركة من 90 مليون دولار عند انطلاقها، الى 900 مليون دولار »

وخلال اندلاع الثورة في ليبيا  أصبح بشير صالح وسيط السلام السري لمدة شهور . اجتمع في باريس مع آلان جوبي، وزير خارجية فرنسا آنذاك، ومع الامين العام للإيليزي كلود غيان. كما دار اجتماع سري مع رئيس وزراء قطر في جناح بفندق ريتز بفرنسا . وفي أفريقيا، عقد بشير صالح اجتماعات مع رؤساء مالي والكونغو برازافيل وجنوب أفريقيا واوغندا. وأقسم بشير صالح لكل هؤلاء « الأصدقاء القدامى » أن القذافي مستعدّ للتنحّي إذا ما توقف القصف على بلده. وفي منتصف شهر جوان ، استقبله نيكولا ساركوزي في جناح لانتيرن بفرساي بعيدا من الأعين. يقول بشير صالح متذكّرا: » كان النقاش عاصفا. ولماّ شرحتُ له أن القذافي يشعر أنه قد تعرّض للخيانة، ثار ساركوزي غاضبا. وصرخ: « أنا من يجب أن يتوجّه إليه بالاتهامات! ». كان يتهم القذافي بالتلاعب به بسبب تجميد كافة العقود والصفقات الموعودة للشركات الفرنسية والتي لم يتم توقيعها أبدا. حاولتُ إقناعه أن هذه الحرب من تدبير الإسلاميين وأن فرنسا أخطأت في تحديد أعدائها.. لكنه لم يكن يريد أن يستمع إليّ ». وبعد أن هدأ ساركوزي، أسرّ له  قائلا: « على القذافي أن ينسحب، لا أريد له أن يموت. وانت من عليه إقناعه. » وللتوصّل إلى ذلك، أوصى الرئيس الفرنسي بوساطة محاور غير متوقّع: دومينيك دوفيلبان، رئيس وزراء فرنسا السابق الذي كان عدوّه المفضّل لكنه ظل محتفظا ببريقه بفضل ذكريات خطابه الشهير الذي ألقاه أمام مجلس الأمن عام 2003 مدافعا عن قرار بلاده برفض الحرب الأمريكية على العراق. وسيكون لكلمته وزن في مواجهة دكتاتور طرابلس. وهناك عنصر آخر محدّد لاختيار فيلبان: وهو العلاقة المشتركة التي تربطهما برجل الأعمال الكسندر دجوهري كبير أخصاّئيّي العلاقات الفرنسية الليبية والذي تربطه كذلك علاقة صداقة قديمة ببشير صالح. ضاعف الثنائي بشير صالح ودو فيلبان حركته وعدّدا المسارات. كان الهدف يتمثل في الإسراع بإقناع معمر القذافي، كان الجهود منصبّة على عقد مؤتمر سلام يضم رجال الاتحاد الأفريقي الأقوياء وأمير قطر وتنضمّ إليه فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا. قال ساركوزي لبشير صالح: » سوف أتولّى إقناع الأمريكيين والأنجليز. وسأدعو كذلك ممثلين عن مجلس بنغازي ». كان من المفترض أن ينعقد المؤتمر بباريس في 14 جويلية . تقدّمت المحادثات لكن القذافي رفض أن يرتبط انعقاد المؤتمر بحدث رمزي لفرنسا. واتصل بمستشاره منبّها: «  »ساركوزي يبحث عن ضربة سياسية، ولن أمنحه هذه الهديّة أبدا »لم تتوقف التجاذبات رغم ذلك. التقى دو فيلبان ممثلين عن المعارضة الليبية، وجرى التحاور مع معمر القذافي نفسه في قبوه بطرابلس. لم يبق من الديكتاتور سوى ظلّه، كان عاطفيا ومهزوما. وكان وجهه يبدو متورّما. كان يرتدي سترة واقية من الرصاص تحت عباءته وقلنسوته تخفي خوذة من الكيفلار، علامة على أنه قد بدأ يشكّ في أنه لا يُقهر. قال له دوفيلبان: « لن تسطيع أن توقف المياه بذراعيك! ». وضع رئيس وزراء فرنسا في عهد شيراك، دوفيلبان، مع بشير صالح ورقة تتضمن « سيناريو المصالحة في ليبيا ». تم تحرير الورقة بالعربية والفرنسية والانجليزية، وكانت تحدد شروط تنحّي القذافي الذي كان يفترض أن يلجأ إلى مسقط رأسه سرت، ويتمتّع بحصانة هناك. ثم يتم تنظيم عملية انتخابية تحت إشراف القبائل الليبية يمكن لمعسكر القذافي أن يقدم مرشّحا فيها. كان الأمر أشبه بسباق ضدّ الساعة، كانت المعارك مستعرة واقترب سقوط طرابلس. وكان من المفترض توقيع الاتفاق بين 21 و23 أوت بباريس. في 16 أوت سافر بشير صالح ليلتحق بدوفيلبان في جربة، التي كان سيطير منها إلى الدوحة لتسوية آخر التفاصيل. اتصل به معمر القذافي وهو داخل السيارة في منتصف الطريق وامره بالعودة إلى طرابلس. سأله القذافي: « إلى أنت ذاهب؟ » ردّ صالح: « إلى قطر. لقد أعطيت موافقتك ».أجابه القائد مهدّدا: « سنمزقك إربا إربا إن ذهبت إلى قطر ». كانت هذه آخر الكلمات التي سمعها بشير صالح من القذافي. « خانــــه » الفرنسيون بالرجوع إلى بدايات الأزمة، يصف بشير صالح معمر القذافي بأنه قد كان مضطربا وغريب الأطوار، وغير قادر لا على قياس سعة مدى الانتفاضة، ولا ما يشعر به الغربيون، ولا لعبة مصالح « الدائرة المحيطة به »

فاصطحبه المقاتلون إلى طرابلس، ووضعوه في فيلا قريبة من البحر تحت حراسة جيدة. ولم يعلم بمقتل القذافي إلا من خلال التلفزيون. وتفرّق المقرّبون منه في أرجاء ليبيا. أما السكرتير السابق، بشير صالح، فإنه لم يُعَامَل معاملة المشتبهين، بل معاملة الوسيط. وقد قام رئيس المجلس الانتقالي مصطفى عبد الجليل بزيارته. ومن إشكاليات النظام الجديد في ليبيا، أن هذا الرجل الذي كان وزيرا للعدل في عهد معمر القذافي، وأصدر حكم الإعدام على الممرضات والطبيب البلغار في قضية الأيدز الشهيرة ببنغازي هو الذي أصبح حاكما للبلاد. وقد قال عبد الجليل للسيد صالح: « سوف أكون بحاجة إليك ». يقول صالح: « لم أطلب منه أيّ شيء سوى أن يتركني أمضي في حال سبيلي لألتحق بأسرتي. وقدّمتُ له تقريرا كاملا عن أنشطة المحفظة. وقد وافق على رحيلي فيما بعد. ثم ما لبث أن أصدر الأوامر بفتح تحقيق في ملابسات سفري. وهو من أطلق التتّبّعات حول عمليات الاستيلاء المزعومة على الأموال، التي ليست سوى أكاذيب ». وصل بشير صالح إلى تونس ليلا عبر البرّ، فأقام مدّة أسبوع بأحد فنادق مدينة الحمّامات. وكان سفير فرنسا بتونس بوريس بويّون على اتصال مباشر به. وقد تعرّف بشير صالح على هذا الدبلوماسي الشّابّ الذي يتحدث العربية يعمل ضابط اتصال بين نيكولا ساركوزي ومعمر القذافي.- يقول صالح: » كان يأتي دوما لزيارة طرابلس. وكان القائد يحبّه كثيرا. » تم منحُهُ تأشيرة فرنسية. فسافر الى باريس أواخر نوفمبر 2011. وحرصا منه على التخفّي، سافر إلى هناك على متن طائرة خاصة أرسلها إليه صديقه ألكسندر دجوهري. يؤكد رجل الأعمال الفرنسي ذلك قائلا: « بشير؟ نعم أنا أعرقه منذ ثلاثين عاما. كان ذلك عندما كنت أدير وكالة الصحافة الفرنسية العربية وكان هو يعمل سفيرا آنذاك. لقد ظللنا نتواصل معا. وطلب مساعدتي، وأنا لا أرفض مساعدة صديقي ». كان وصول رجل القذافي إلى الأراضي الفرنسية أشبه باللغز. منحته مديرية الشرطة ترخيص إقامة إلى غاية 7 أوت  2012، واستأجر شقّة على ضفاف نهر السّين قبالة ميناء بئر حكيم، حيث اعتقد أنه سيستقرّ وقتا طويلا مع زوجته واثنين من أبنائه. وسرعان ما أثارت معرفته بدهاليز السياسة الليبية المصالح. وأخذت الخليّة الدبلوماسية للرئاسة ووزارة الخارجية علما بما جدّ له من وقائع وملابسات، وشرعت الأجهزة الاستخبارية الفرنسية « تتعامل » معه كمصدر معلومات رفيع المستوى. اجتمع مدير إدارة مكافحة التجسّس برنارد سكارسيني معه مرّات عديدة (يؤكد أنه قد حرّر تقارير في الغرض). كما أخضعته الإدارة العامة للأمن الخارجي إلى استجواب حضره مدير الجهاز نفسه إيرارد كوربان دي مونجو. ومن المصادفات، التقى بشير صالح ايضا نائبا سابقا بالبرلمان الأوروبي وهو ميشيل سكاربونشي الذي عمل بطرابلس طيلة الصيف في محاولات لوقف الحرب. ارتبط الرجلان بعلاقات جيدة، وزاد المنفى الباريسي في توطيدها. كان الليبيون أيضا يعلمون أين يجدونه. يقول بشير صالح: « أرسل إليّ المجلس الانتقالي مبعوثين في ثلاث مناسبات لإقناعي بالعودة إلى ليبيا. وكانوا يريدون منّي المشاركة في العملية السياسية لإدارة مرحلة ما بعد القذافي. » هل كان يشكّ في أن هناك فخّا منصوبا له؟ لم يكن الرجل يستبعد ذلك. كما وصلته في نفس الوقت رسائل أقلّ هدوءا من جانب وزير الخارجية. وفي الأيام الأولى من عام 2012، طلب مدير مكتب آلان جوبي وزير الخارجية من برنارد سكارسيني توجيه تحذير إلى بشير صالح. « كان مسئولو المجلس الانتقالي يتذمّرون منه، حسب ما يروي المسئول الأمني السابق. وكانوا يتّهمونه بالكيد لهم بباريس. وكانت وزارة الخارجية تخشى أن تتأثر العلاقات الفرنسية الليبية الجديدة سلبيا بذلك. ولتوصيل الرسالة إليه، حدّد سكارسيني موعدا مع صالح للقاء به بمقهى فندق ريتز. لكن عند وصوله، فوجئ صالح به يتحادث مع مُمثِّليْن عن المجلس الوطني الانتقالي. وقدم أحدهما نفسه: « لقد قضيت سنوات عديدة في سجون القذافي، لكن بشير صالح صديقي. لم تكن لنا مشاكل معه. » غير أن صالح قد علم بعد وقت وجيز أن مواطِنَيْه قد سجّلا إسمه ضمن قائمة من الأشخاص يطلبون مراقبتهم. وحاول الإستعلام بخصوص الموضوع، فحصل على تأكيد بأن مذكرة اعتقال وشيكة سوف تصدر بحقّه-« غير أن مصدرا رسميّا قد أخبره بأن المذكرة غير محرّرة على النحو المطلوب. وأن الوثائق الليبية لم تكن مترجمة على ما يبدو. »دون ترك أثر غير أن الرجل لم يكن مطمئنا على الرغم من ذلك. ومع افتتاح الحملة الانتخابية للرئاسيات، اتجهت الأمور نحو مزيد التعقيد. ومن موقعه الدفاعي، وجد صالح نفسه وسط معركة شبكات متعددة. فنظام ساركوزي يراقبه، ومعسكر هولاند يحاول التقرّب منه. وأصبحت سمعته باعتباره خزانة أسرار كبيرة قد أصبحت تسبب له الإزعاج. يقول في غمغمة: » أصبحت أشعر أن هناك من بصدد لعب « البينج بونج » معي.يقول صديقه الفرنسي الجديد، النائب اليسار الراديكالي السابق ميشيل سكاربونتشي المنتمي الى نادي الديمقراطية 2012، وهو صندوق افكار المرشح الاشتراكي فرانسوا هولاند، ويتولّى إدارته أحد المقرّبين منه المحامي دومينيك فيلّومو. اقترح الرجل على بشير صالح عدم إهانة المستقبل. يقول سكاربونتشي: » قلت لبشير صالح أن هولاند سوف يكسب الانتخابات، وكان من مصلحته أن يكون على اتصال بالاشتراكيين لأجل الإعداد للباقي. » ثو يؤكد سكاربونتشي أنه قد قام هو نفسه بكتابة ملاحظات في « فيلموت » حول الشئون الليبية. وغداة الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، شعر كاتم أسرار القذافي بأنه يجري توريطه ليصبح شاهدا. وانتابه الشك في أن هناك من بصدد محاولة استخدامه، والسيطرة عليه وابتزازه. ولكي يخفّض منسوب « الضغط » دعاه سكاربونتشي إلى قضاء بضعة ايام معه بكورسيكا. وبينما كان الجميع في باريس يتساءلون عن مكانه، كان بشير صالح يستجمّ مع أسرته في سوفيتيل دي بورتيسيو. وكان يقضي القيلولة تحت أشجار الزيتون، ويتمشى في المسالك الجبلية. ونظرا لكونه لم يألف المرتفعات على عكس درجات الحرارة الصحراوية المرتفعة، فقد اشتكى من نوبات دُوار في أعالي باستيليكا، لكن هذا لم يمنعه من التنفّس على نحو أفضل وهو بعيد عن السياسة. يوم 28 أبريل، قبل أسبوع من الدور الانتخابي الثاني، نشر موقع ميديابارت الوثيقة الغريبة التي تتحدث عن تمويل ليبي لنيكولا ساركوزي. وبلغ القلق حدّ الخوف. انهالت التكذيبات لكن بشير صالح قد شعر بالطوق يضيق حوله شيئا فشيئا. ومن يجرؤ على الدفاع عنه في خضم الحملة الانتخابية؟ وتحت ضغط أسئلة الصحفيين، تعهّد كل من الخصمين الرئاسيّين المرشّحين للإيليزي بتوقيفه. وسرعان ما اشترط المجلس الوطني الانتقالي الليبي تسليمه. اتصل به أحد المقربين من ساركوزي هاتفيا لطمأنته، ووعده سكاربونتشي بالمساعدة « عندما سيصبح هولاند في الايليزي ». لكن بشير صالح لم يكن يرغب في الاتّكال على أحد. فجمع أسرته في صالون فندق شانغري قبالة برج إيفيل. وفي 2 ماي، اصطادته كاميرات المصوّرين في الشارع وهو بصدد الخروج من اجتماع. وبحلول اليوم التالي، كان الرجل قد تبخّر دون أن يترك خلفه أي أثر. يقول بشير صالح دون رغبة في الخوض بالتفاصيل: « لقد سافرت على متن طائرة ». تؤكد مصادر كثيرة أن ألكسندر دجوهري قد تدخّل مجدّدا ووضع طائرة تحت تصرّف صديقه.. لكن لا هذا ولا ذاك على استعداد لتأكيد أو نفي هذه المعلومة. وذهبت كافة الأبحاث البوليسية حول ملابسات مغادرته أدراج الرياح ولا أحد يعلم حتى تاريخ وصول الرجل الى جنوب أفريقيا