واشنطن ترسانة مترهلة واستراتيجية تشترى بأموال الخليج!

A La Une/Edito

بعد انتهاء الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي و الولايات المتحدة، عكفت روسيا على تطوير سلاحها العسكري حتى يومنا هذا ما منحها ثقة لحماية الحلفاء، والدليل اليوم هو سيطرتها الكاملة على عدة مناطق ودوّل في المنطقة وحول العالم، مقابل الولايات المتحدة التي تتراجع يومياً وتنسحب تدريجيا من اتفاقيات ودوّل و ايضا منذ التسعينات لم تخوض اي حرب ضد اي دولة قوية وخصم مباشر لها! سوى دخولها العراق منذ حرب الخليج الاولى، اي منذ منذ 22 عام، ومن و بعدها إسقاط نظام صدام في غزوها للعراق عام 2003 , والذي لا يحسب ضد دولة بل سرعان ما تحول الى حرب ضد القاعدة ومن ثم ميليشيات و مجموعات مسلحة.
اذا عملياً أميركا لم تواجه دول كبرى بحجمها في معاركها، لا في افغانستان ولا في اليمن ضد ميليشيات الحوثيين والتي تساند فيها واشنطن الحلف العربي الفاشل منذ مارس 2015, مروراً الى قواتها المرابطة في شمال سورية و التي تقلصت وستنسحب تدرجياً و هي لا تتجاوز ال 2000 جندي. وربما هذا العجز العسكري يتحول الى تدريجياً الي سياسية الانسحاب والتقوقع لحفظ ماء الوجه. وتراجع روسيا عبر دول عربية الصراع في سورية يدعمها الأكراد ومجموعات مسلحة متفرقة.

حرب خاسرة ضد روسيا!
على واشنطن التريث في حساباتها القادمة اذا كانت تنوي شن حروب ضد بلدان عظمى لا ميليشيات! كما فعلت وفشلت في حربها ضد حركة طالبان في افغانستان وضد الحوثيين في اليمن …الخ!
لقد تغيرت المعايير العسكرية طبقا لما يدور على ارض الواقع ، فالترسانة العسكرية الروسية متقدمة بشكل مخيف يدعي للقلق عند الجانب العسكري الأميريكي، مما يجعل واشنطن الى اليوم في حالة تردد وتريث سواء في قيادة اي صراعات في المنطقة، او مواجهة كوريا الشمالية، و ربما الصين او مواجهة حتى حليف روسيا الصغير ايران. لذا اذا واجهت الولايات المتحدة حرب في المستقبل فستكون مضطرة بالاعتماد على الدعم الاسرائيلي في العمليات العسكرية، وهذا بالطبع ما أدركته السعودية اليوم فسارعت بالتنازل و التوقيع على صفقة القرن لتحمي نفسها عبر صفقات غير اخلاقية وبالتطبيع العلني مع اسرائيل كي تتحدان كلاهما او معا ضد ايران في حالة نشوب حرب بين الجارتين السعودية وإيران.
ان فشل البطاريات المضادة للصواريخ التي صناعتها أميركية و قد اشترتها الرياض بمليارات الدولارات من واشنطن لحماية سيادتها، عجزت و فشل في التصدي لصواريخ ميليشيات الحوثيين ، هذا دليلاً فاضحاً ان الولايات المتحدة في تراجع مستمر في تطوير برنامجها الدفاعي العسكري البحري والجوي، وللعلم لا يلام عليه الرئيس السابق باراك اوباما ولا بيل كلنتون ولا حتى بوش على هذا التراجع المستمر في تطوير الأسلحة المتطورة لمواجهة دول عظمى لا ميليشيات!! بل نستطيع ان نؤكد اليوم بان نهاية الحرب الباردة التي كانت حافز لروسيا وللعمل الدؤوب على تطوير ترسانتها العسكرية والمعدات و مقاتلات الطائرات سوخوي وغيرها. عكس واشنطن التي لم يتبقى لها من مقاتلاتها ال F22 سوى 200 طائرة وتوقفت على تصنيعها منذ التسعينات. وهي متخصصة في القصف في العمق وتقليدياً تستخدم في صراعات مع دول اخرى، على عكس ال F35 التي تستخدمها اليوم في صراعات داخلية وتفشل في بعض الاحيان بمهامها وأهدافها! ولهذه الطائرة المقاتلة خاصيتها للضربات الداخلية و بالرغم من ذلك ما عادت هذه المقاتلة صالحة لاقل الضربات لا في اليمن ولا في سوريا. اذا تراجع ميدايني يجبرها على الانسحاب وترك المعارك للآخرين كما صرح ترمب موخراً.

عقوبات اقتصادية وإسقاط أنظمة لارضاء من يدفع ومن لا ينصاع لها!! كما اعتمد واشنطن على سياسية تدمير الأنظمة غير المرغوب فيها والتي تهدد مصالها الاستراتجية على مبدأ فرض العقوبات الاقتصادية و انتزاع أسلحة الدمار الشامل!

اعتمدت واشنطن منذ التسعينات سياسة الاحتواء مع القوى الصاعدة، و خففت من شانها، بسبب اقتناعها بان العدو الحقيقي لواشنطن قد انتهى بزوال الاتحاد السوفيتي، و بدأت بمعاقبة كل دولة لا تنصاع لها عبر فرض العقوبات الاقتصادية وبحجة امتلاكها لاسلحة الدمار الشامل، تدمير العراق اكبر ليل كبير على هذه السياسة، التي كان جيشه ثالث جيش بالعالم! لقد دمرت واشنطن و أسقطت عدة أنظمة عربية و لاتينية عبر عقود باتباع تلك السياسة. فبعد ان رفض صدام حسين أخذ قروض من الولايات المتحدة لبناء البنية التحتية للعراق و من ثم تسديدها لواشنطن بفوائد ضخمة وباهظة قد تتسبب بافلاس العراق وخزانة الدولة ويترتب عليها ديون ابدية، لن يستطيع دفعها الاخر فيطر القوي وقتها تطلب منهم واشنطن فتح أراضيهم والتنقيب و استخراج الثروات الطبيعية و أهمها طبعا في العراق النفط.
وكان القرار يغزو العراق بحجة انه يمتلك أسلحة الدمار الشامل و فرضوا عقوبات اقتصادية وحصار لسنوات وكان منها برنامج النفط مقابل الغذاء حتى أسقطت نظامه وتفكك جيشه.
وهو نفس السيناريو الذي فعلته مع معمر القذافي و رفض عروضهم بقبول قروض لبناء البنية النحتية لليبيا ، فما انتهى الامر وأطبقت عليه حصار اقتصادي بحجة إسقاط طائرة لوكربي وتورط القذافي بها كما زعمت واشنطن ومن ثم أسقطت هي وفرنسا نظامه خلال ثلاثة ايّام .
نفس السيناريو اليوم يتكرر مع ايران، فرض عقوبات اقتصادية و من ثم نزع السلاح النووي كما تدعي واشنطن ان طهران لديها رؤوس نووية و بالتالي تعمل علناً السعودية مع اسرائيل على تجريدها من سلاحها و اضعافها اقتصاديا و دعم مجاهدي خلق و من ثم التحضير للإطاحة بها و إسقاط النظام واختلاق معارضة وتسليحها وتحويل سيناريو سورية الى ايران!!
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، متى تدرك واشنطن ان بقائها كقوة عظمى اليوم، لن يطول بتدمير اقتصاد دول اخرى وإسقاط أنظمة و مساندة أنظمة بائسة لتحصل على الأموال و تزيد من رخائها و ينتعش اقتصادها القومي ويتضاعف حجم الاستثمارات بأسواقها على حساب حياة شعوب فقيرة مدمرة بسبب قذارة القيم الوطنية الأميركية المفضوحة؟
هذه الديمقراطية المنحرفة ربما ستكون السبب المباشر لضعف ومن ثم تلاشي أميركا كقوة عظمى. كما كشفت الازمة الخليجية ايضا مؤخرا مع قطر حجم فساد المؤسسات الأميركية الحكومية وشرائها بالمال من قبل دول خليجية للنيل من دول اخرى. فهل باتت أميركا بقيمها ودستورها مجرد من يدفع اكثر! نرسل له مرتزقة تدافع عنه؟

… بقلم عبير كايد باحثة وأكاديمية فلسطينية مقيمة بواشنطن