***الزّلزالُ ضَرَبَ .. الارتداداتُ قادِمَةٌ

A La Une/Edito/Tunisie

باحت الانتخابات البلديّة بجُزْءٍ كبيرٍ من أسرارها، فعلى مستوى النتائج غير النهائية حازت «النهضة» مرْتبةً أولى، بأكثر من 28 % مِنَ الأصوات وقد بلغت نسبة المشاركة في هذه الانتخابات 33،7 في المائة.

وفي المقابل حاز «نداء تونس» بما يفوق 20 في المائة من الأصوات وهو بذلك يخسر ويتدحرج إلى مرتبة ثانية تنزع عنه رسميا وانتخابيّا صفة الحزب الأوّل الذي إكتسبها في الانتخابات التشريعيّة والرئاسية الأخيرة.

ورغم طابعها المحلّي إكتست الانتخابات البلديّة بُعْدًا سياسيّا لافِتًا بحُكْمِ المناخ العامّ الذي جرت فيه والذي تميّز بأزمة سياسية واقتصاديّة واجتماعيّة حادّة انْعَدَمت معها الثّقة بين المواطن ونُخَبِه السياسيّة والحزبية وبينه وبين مؤسّسات الدولة في أغلبها جرّاء فشل السّياسات الحكوميّة وتنامي منسوب الانتهازيّة والشّعبويّة و«الثوريّة» العقيمة.

وقد انعكس كلّ ذلك في نتائج الانتخابات البلديّة وفي النسبة العامة المتدنّية للمشاركة، إذْ تمكّنت مجموع القائمات «المستقلّة» مِنْ حيازة أكثر مِنْ 28 في المائة مِنْ مجموع الأصوات بما سيزيد مِنْ أزمة النظام السياسي الذي يفترض فيما يفترض ضرورة وجود أحزاب قويّة.

وقد كان مِنَ المتوقّع أن يحتمي المواطن بخيمة القائمات «المستقلّة» وهو الأمر الذي دفع بعض الأحزاب الى تشكيل عَدَدٍ منها في عمليّة تحيّل واضحة المعالم ومكتملة الشروط على صوت الناخب وذلك تحت مرأى ومَسْمَعِ الجميع «حكومة وشعبا ومنظمات ومراقبين».

ومعلوم أن قناع الاستقلالية سيُنزع بمجرّد الإعلان عن النتائج النهائية والدخول في لُعْبَة توزيع المسؤوليات وتحديدا رئاسة البلديات.

المهمّ الآن أنّ الانتخابات البلديّة جرت وباحت بأسرارها وكشفت أنّ إجراءها أعطى مرّة أخرى فرصة إضافية لحركة «النهضة» لإعادة ترتيب بيتها الداخلي ولمحاولة جَسْرِ الهوّة بينها وبين المواطن انطلاقا مِنَ الخدمات المحليّة.

المهمّ كذلك أن «نداء تونس» خسر هذه الانتخابات نتيجة عوامل عدّة أهمّها :

ـ أنّه تحمّل وِزْرَ أخطاء العمل الحكومي على أساس أنّه الحزب الأوّل وأنّ رئيس الحكومة ـ الذي لا يفوّت أيّ فرصة للتأكيد على أنّه الماسك بزمام الحُكْمِ ـ هو «ندائي» الإنتماء، والحال أنّ «نداء تونس» يَحْكُمُ شكليّا وأنّ مفاصل العمل الحكومي ليست بيَدِه وأهمّ الحقائب الوزاريّة لا سلطان له عليها، الحال كذلك أنّ رئيس الحكومة قد يكون اختار «أمان» العلاقة مع «النهضة» على مواصلة الوفاء للحزب الذي بوّأهُ منصب رئاسة الحكومة، إنْ كان ذلك لغايات إنتخابية مستقبلية أو لغايات مصلحيّة آنيّة.

وهذا الوضع «السريالي» حَصَّنَ حركة «النهضة» ضدّ أيّ نَقْدٍ بما جعلها تَتَفَصّى مِنْ مسؤولية الحُكْمِ لتُلْبِسَها بالكامل الى «نداء تونس» وبأَيَادٍ ندائيّة خالصة وذلك إمّا بسبب الغباء السياسي للبعض أو لانتهازيّة رقعتها تتّسع باضْطِرادٍ أو لاقتناع بأنّ التّحالف مع «النهضة» هو قَدَرٌ لا مَحِيدَ عَنْهُ وهو ما يفسّر هرولة الانتهازيين وهُواة السّياسة و«النّخب» الغبيّة الى «النهضة» التي نجحت في جَلْبِ «الجميع» إلى مَلْعَبِهَا.

ـ أمّا العامل الثاني الذي يفسّر خسارة «النّداء» فهو الخيار الذي سلكه بُعَيْدَ الانتخابات الرئاسية والتشريعية باتباع سياسة الشراكة في الحُكْمِ مع حركة «النّهضة»، بما خلق مسافة وحتّى هوّة بينه وبين ناخبيه، هُوّة ازدادت عُمقا بفعل فشل سياسات الحكومة.

ونحن إذْ نَفْهَمُ ونَتَفهّمُ أنّ «النداء» دُفِعَ دَفْعًا إلى شَكْلٍ مِنْ أشكال العلاقة مع «النهضة» فانه مِنَ الصّعب علينا التغاضي عَنْ تداعياتها على المنظومة السياسيّة ككلّ وعلى مسألة ترسيخ قيم ومبادئ الديمقراطية التي يمثّل التداول السِّلْمي على السّلطة حجر الزاوية فيها.

وبَدَا مِنَ الواضح جدّا أن التقاء «النداء» و«النهضة» أجهض النموّ الطبيعي لتشكّل مشهد سياسي وحزبي قادر على تأمين ديمومة المنظومة الديمقراطية، إذْ سَاهَمَ بشكل مباشر في تفتيت أحزاب عريقة في إرثها السياسي والتاريخي وكذلك أحزاب أخرى في أطوارها الجنينية وفي المقابل خلق أرضيّة خصبة للأحزاب الشعبويّة والفوضويّة و«الثورية» الحالمة وهو ـ الى جانب عوامل أخرى ـ الأمر الذي جعل المواطن يَنْفُرُ من الأحزاب ومِنَ المشاركة السياسية وبَدَا لنا في المحصّلة أن الخسارة هي الشيء الأعدل قِسْمَةً بين الجميع مع استثناء وحيد هو «النهضة» ومَنْ لَفَّ لفّها ودَارَ في فَلَكِها.

وقد لا يهمّنا الأَمْرُ مُطْلَقَا إذَا كنّا على يقين بأنّ هذا الحزب «السياسي» عَقَدَ العَزْمَ على قَبْرِ إرْثِهِ المثير للجَدَلِ ولكن على العكس مِنْ ذلك فإنّ الحملة الانتخابية للاستحقاق البلدي قدّمت الدّليل الذي لا يقبل الشكّ أن بعض «الأحزاب» ومنها «النهضة» إن هي تركت سلوكا مُشينا فإنّما هي فعلت وتفعل ذلك مِنْ باب المناورة والتّكتيك، وهي لذلك تركته في أغلب الأحيان لكي تعود إليه بأكثر قوّة وإصرار، وهو أَمْرٌ لا يريد البعض أن يستوعبه إمّا غباء او استغباء.

ويقيننا أنّ «النّهضة» كلّما أبدت سلوكيات مدنيّة كَبُرت مواجع الفتنة داخلها وبانت أَكْثَرَ أعراضُ مرضِ «هشاشة القواعد» فتجد نفسها مضطرة الى الرّبط مرّة أخرى مع السلوكيات والخطابات الأصولية المتطرّفة فتخسر ما كسبته مِنْ «ثَوَابٍ مَدَنِيّ».

ولَمْ تَرَ حركة «النّهضة» مانعا في استعمال وتوظيف المخزون الديني حتّى أنّ بعض الخطابات التي طبعت حملتها الانتخابية وخصوصا خطابات رئيسها راشد الغنّوشي حملت معها جُبّة الشّيخ رغم مظهر الحداثة وربطة العنق وهي خطابات ذكّرتنا بفتاوى «اتحاد علماء المسلمين» التي سبقت انتخابات أكتوبر 2011 وحملت إمضاء القرضاوي.

خسر «النّداء» ونجحت «النّهضة» رَغْمَ أنّها خسرت حزامها الانتخابي ولم يَبْقَ في رصيدها سوى كتلتها الانتخابية الايديولوجية مع بعضٍ مِنْ يَمينٍ دَيِّنٍ والبعض الآخر الذي اختار نَهْجَ الانتخاب «المازوشي» جَلْدًا للذّات ربّما ..!

ـ وأمّا العامل الثالث في تفسير الرّبح والخسارة هو الحكومة التي يُصطلح على تسميتها بحُكومة «النّداء» وفي واقع الأمر تتحكّمُ فيها وتَحكُمُ بها «النّهضة».

وقد نجحت هذه الأخيرة أن تكون الحاكمَ الفعليَّ باسم «شراكة» لا تتحمّل فيها أيّ مسؤولية فهي ـ أي «النهضة» ـ كما قال الزميل ماهر عبد الرحمان في تدوينة له على صفحته الخاصّة «لا تتحمّل مسؤولية الحُكْمِ رَغمَ وجودها فيه» وهي الى ذلك كما أضاف «تتمسّك بيوسف الشاهد في رئاسة الحكومة لأنّها تعرف أنّ نتائج الانتخابات (…) هي رَهْنُ الأداء الحكومي الضعيف …».

ماهر عبد الرحمان لم يحمّل يوسف الشاهد «ضرورة» المسؤولية عن أدائها ولكنّنا نحن نرى أنّ أداة «النّهضة» الأساسية في إضعاف وتفتيت «نداء تونس» هي الحكومة وتحديدا رئيس الحكومة والبعض مِمّن ارتبط مستقبلهم السياسي والمهني ببقاء هذه الحكومة.

وقد رأى بعض مَنْ في «القصبة» أنّ دَعْمَ «النّهضة» مِنْ شأنه أن يفتح بَابًا للأَمَلِ في الاستحقاق الانتخابي لسنة 2019 خصوصا في ضوء الفُتُورِ في العلاقة مع القيادة الحالية «للنداء».

وكما هو بَيِّـنٌ للعموم فإنّ وزراء بعينهم كانوا دوما يتحدّثون عن الأداء الحكومي وعن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وكأنّنا في وضعية نجاح غير مسبوقٍ وبحسبهم قد نكون لذلك محلّ حَسَدٍ من أطراف «لا تريد الخير لهذا البلد».

وفي واقع الأمر فإنّ جلّ مَنْ تحدّثوا نَقْدًا عن أداء الحكومة لم ينطقوا بأكثر ممّا نطق به رئيس الجمهورية، إذْ هو شدّد على تحسّن مؤشرات الاستقرار الأمني وبداية انتعاشة للقطاع السياحي وبعض القطاعات ذات العلاقة المباشرة بالوضع الأمني واستقراره، وفي المقابل وضع اصبعه على بقيّة المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية وحتّى السياسية ما دعاه الى جمع الأطراف لإعادة النظر في الأسس والسياسات التي انبنت عليها وثيقة قرطاج.

ورئيس الجمهورية أيها المواطن وأيّتها النخبة ـ أعزّكم الله ـ هو مَنْ أتى بيوسف الشاهد وهو يدري ما يقول رغم أنّه لا ينطق بكلّ شيء يجب أَنْ يُقال ولكنّه عندما يقول أو يبتدئ بالكلام نعرف بمقتضى التجربة أنّ الفعل آتٍ لا محالة وأنّ المسألة في التوقيت.

ـ وأمّا العامل الرابع في تفسير الرّبح والخسارة فهو مبدأ التوافق والذي هو بيت القصيد في اللّعبة السياسية الجديدة في تونس ..

وسنفترض جدلا أنّ «التوافق» جنّب البلاد والعباد ارهابا محتملا في حال الخِصَامِ وأنّه أرجع بعض خلايا الارهاب النّائمة الى مضاجعها المعلومة لدى البعض رَغْمَ أنّ سيفها بقَيَ مسلّطا على البلاد والعباد، سنفترض أنّ هذا يُحْسَب على الايجابيات رغم اعتقادنا أنّ رئيس الجمهوريّة فكّر في «التوافق» لانعدام حُلُولٍ أخرى بديلة ومعقولة تكفل استمرارالدولة الذي يبقى الأساس في اهتمام وصلاحيات الرئيس، سنفترض هذا ولكنّ سَيْرَ الأمور كشف أنّ المساوئ أكثر من المحاسن ..

تعطّل استكمال مؤسسات الدولة والاجهاز على المشهد الحزبي الجديد الذي سيكفل لو اكتمل بناؤه عملية الانتقال السّلمي للسلطة وقتله لذلك في المهد وفتح المجال فسيحا لتطوّر سرطاني لأحزاب فوضوية وشعبويّة صوتها ما انفكّ يتعاظم وهي تحتّل الفضاء الاتصالي والإعلام بما يتجاوز بكثير حجمها السياسي في الواقع،

كلّ هذه التداعيات هي نتيجة مباشرة لسياسة التوافق يُضاف اليها الوَهَنُ الشديدُ الذي أصاب الدولة وشَلَلُ بعض مؤسساتها وعُقْمُ الأداء الحكومي الشيء الذي ألقى بظلاله على نفسية المواطن فاختار أحد أمرين فإمّا مقاطعة الانتخابات وقد سَلَكَ هذا الطريق ثلثا الناخبين أمّا ثلث من انتخبوا فقد اختاروا المستقلّين وهو باب يفتح على المجهول إذ ستغيب معه المحاسبة وتحميل المسؤولية …

هذا بعض ما يفسّر «ربح» النهضة وخسارة «النداء» ولكن الأكيد أنّ هذه الانتخابات هامّة جدّا وحاسمة جدّا وأنّه سيصحّ القول بأنّ مرحلة ما بعد انتخابات 6 ماي 2018 ستختلف عمّا سبق هذا التاريخ .. وهذا رغم الطابع المحلّي لهذه الانتخابات.

وتقديرنا أنّ نتائج هذه الانتخابات لا بدّ أن تكون متبوعة بقرارات سياسية هامّة بعضها يهمّ دواخل الأحزاب وأساسا حزب «نداء تونس» وبعضها الآخر يتعلّق بسير دواليب الدولة وهي مهامّ نعتقد فيما يبدو أنّها ملقاة على عاتق رئيس الجمهورية.

وأمّا دواخل الأحزاب وتحديدا «نداء تونس» فالمنطق يفرض أن تطهّر نفسها ممّا عَلِقَ بها مِنْ انتهازيّةٍ وغنائميّةٍ وفسادٍ في خطوة أولى وأوليّة لاسترجاع ثقة المواطن والمجتمع، ومطلوب من قيادة «النداء» تحديدا الوعي بأنّ زلزالا أصابها وارتداداته قادمة إن هي واصلت سياسة النّعامة، فلا تجنّب الكارثة والانهيار هو انتصار في حدّ ذاته ولا كسب معركة التحالفات في الصراع على رئاسة البلديات هو نصرٌ مبين والحقيقة أنّ «نداء تونس» على سبيل المثال جاء ثانيا بفارق أزيد من سبع نقاط عن المتصدّر «النهضة» وهذه خسارة لن تمحوها أيّة مناورات سياسية لاحقة، خصوصا اذا كانت على أساس أو هي تستند الى سياسة الاستمرار في الخطإ …

إنّ تقديم التحالف مع الأحزاب القادرة على التمكين من رئاسة البلديات على أنّه تعويض لخسارة أو الايهام بأنّه تعويض عن نَصْرٍ غاب عن الواقع هو الخطوة الحاسمة والنهائية نحو الهاوية وما أدراك ما الهاوية، لأنّ هذا السلوك السياسي يتغاضى عن السبب الرئيسي الذي أوصل «النّداء» الى هذا الوضع وبالتالي فإنّ الشجاعة السياسية تفترض الفَهْمَ السّليم والحَزْمَ الذي يقطع مع الأيادي المرتعشة،

وقد لا تكفي بعض الاجراءات التي رَشَحَتْ عن وثيقة «قرطاج 2» لتعديل مسار ما بقي مِن العُهْدة النيابية التشريعية والرئاسية الحالية.

فالعاجل منها وخصوصا مسألة اعادة هيكلة الحكومة ما يزال محلّ خلاف لأنّ الأصل في الشيء هو المحاصصة والغنائمية والإنتهازية، والآجل قد يكتفي باجراءات عامّة لا تغوص في عُمْقِ المسائل ولا تلبّي حاجة المواطن.

وبالتالي فإنّ الأمل يبقى مَعْقُودا على ما سيقوم به رئيس الجمهوريّة الذي نعتقد أنّه الماسك بخيوط اللعبة السياسية رَغْمَ القيود الدستوريّة على حركته وعلى هامش الحرّية التي يتمتّع بها ..

واذا اعتبرنا أنّ الأصل في الأشياء هو الثقة فإنّ الرئيس ما يزال يحظى بثقة الأطراف الاجتماعية والسياسية إلاّ مَنْ استثنى نفسه لاعتبارات «نفسية» أو «ثورية» أو «حِقْديّة»، وبالتالي فهو مطالب بالتحرّك العاجل لاتخاذ القرارات السياسية الضرورية، فهو في تقديرنا سيّدُ مَنْ يعلم خطورة ما جرى يوم 6 ماي 2018 الذي نعتقد أنّه استنساخ سَيّئٌ لما جرى ذات 23 أكتوبر 2011، حينها كان رئيسا للحكومة وكان التقدير أنّ الخطر دَاهِمٌ، الآن هو رئيس الجمهورية وهو يواجه في رأينا خَطَرا أكثر فَتْكًا رَغم النعومة الظاهرة.

وليس أكثر فتكا في تقديرنا من استنساخ الخيبة بعد أن أزاحتها الحكمة السياسية والمواطنية خلال استحقاق 2014 …

والخلاص كما أسلفنا ليس تطبيبا مَوْضِعِيّا لجرح البلديات ببعض «الرئاسات»، بل هو نحت مسار سياسي جديد، راسخ القدم، يعيد الألق الى الشروط المدنية التي أفضت الى انتصار 2014 …

*** بقلم الهشمي نويرة رئيس تحرير جريدة الصحافة اليوم