خارطة طريق جديدة لحكومة جديدة

A La Une/Tunisie

وفق جريدة الصحافة اليوم فانه من المتوقع ان تنتهي اليوم كل جوانب الصياغة النهائية لوثيقة قرطاج 2، بعد جولة من المباحثات داخل لجنة الخبراء ولجنة الرؤساء حول النقاط الخلافية «المرحّلة»، ولا شك أن ضبط الأولويات وانضاج خطة العمل التي اتفق حولها النسيج السياسي والمنظماتي،سيفسح المجال للجوانب التطبيقية المتصلة بهيكلة الحكومة، والمسار الحكومي.

 

وإذا كان رئيس الجمهورية قد أشار خلال الإجتماع الفارط للجنة الرؤساء الى أن الخطة الكاملة والدقيقة تسبق النظر في الحكومة المخولة بتنفيذها، فإن تبلورها الآن في شكل أولويات اقتصادية واجتماعية تشاركية، يتطلب بدوره مخرجا سياسيا تشاركيا…وهو ما ينتظر ان يطرح بدقة في المرحلة التي تلي إعلان الصياغة النهائية لوثيقة قرطاج 2.

عموما، بدأت الغيوم تبدد في هذا السياق، ولم يعد مجال التأويل واسعا، إذ تواردت المؤشرات تباعا، سواء من تصريحات بعض قيادات حركة نداء تونس التي بدأت تفكر في ما بعد الحكومة الحالية، أو من مواقف كبريات المنظمات الوطنية كاتحاد الشغل واتحاد الأعراف، والحاملة لتوجه جذري نحو تكوين حكومة جديدة، سيكون كل جهدها منصبّا على تجسيم أولويات العشرين شهرا المقبلة قبل استحقاق أواخر 2019، بكل ما يلزم من التجرد والكفاءة في الأداء.

وأهم ما يجب ملاحظته في هذا السياق، وبقطع النظر عن بعض «مراوغات الوقت الضائع» لبعض العناصر الحكومية او الاحزاب المناوراتية (حركة النهضة على رأسها) والتي لن تكون حائلا أمام الحل التشاركي، هو ان الوقت قد حان لتجاوز حالة التعطل الكفاءاتي الرهيب الذي ميز الأداء الحكومي في الفترة الأخيرة، وتسهل ملاحظة هذا التعطل في حل الملفات، من أول عدم احكام التواصل مع المطلبية الاجتماعية المتزايدة جراء انهيار الظروف المعيشية والخدماتية الى آخر عدم التوصل الى إدارة ملفات مفصلية في قطاعات استراتيجية كالتعليم العالي والصحة، ناهيك أننا وصلنا في تونس الى الحد الذي انقطعت فيه بعض الأدوية مما عمّق معاناة المواطنين….

ويضاف الى ذلك، واستنادا الى المنطق السياسي الصرف، أنه لا يمكن لأي فريق حكومي ان يواصل الاشتغال وهو مرفوض من الأطراف التي تشكل محاور الاستقرار الاجتماعي، والحال عندنا ان ممثلي العمال ورجال الأعمال على حد سواء قد اجمعوا على ضرورة التغيير الجذري في التركيبة الحكومية…

وبعيدا عن شخصنة المسائل او النأي بها عن الهدف العام الذي هو انقاذ الوضع من مزيد الانهيارات، تتعاظم حاجة التونسيين اليوم الىفريق يمتلك المواصفات التالية:

ـ التمثيلية القوية للطيف السياسي والاجتماعي والمدني بشكل يضفي المصداقية على الأداء، ويضمن دائرة الاسناد الكافية لعمل الحكومة…

ـ الكفاءة السياسية والمعرفية والتواصلية التي تمكن من حسن الامساك بالملفات على الصعيد التنموي والتشغيلي، وعلى صعيد التوازنات المالية والقدرة على تحريك الاقتصاد نحو الأفضل..

ـ المصداقية والتجرد والاستعداد لخدمة الدولة وعدم الرضوخ للابتزاز الحزبي ، والذي كان من أهم الثغرات الفادحة في مسار الحكومة الحالية.

ـ الإعتدال، والانفتاح على المطلبية الاجتماعية بالقدر المعقول، وبما لايمس بالتوازنات المالية للدولة، وهنا نشير الى ان نقطة الضعف الأساسية للفريق الحالي هي أنه اتخذ زاوية نظر أحادية، ولم يصغ جيدا لنبض الشارع ونداءات المنظمات الوطنية.

وقد يساعد التسقيف المحكم لأولويات المرحلة القادمة ضمن وثيقة قرطاح 2، الفريق الحكومي الذي سيتم اختياره على التفرغ التام لمسار الانقاذ، والقول بالانقاذ هنا لا يضمر اي مبالغات، لأن الجميع اقر بوجود أزمة كبيرة استوجبت وجود هذه المبادرة الرئاسية بغرض إعادة استجماع مقومات الوحدة الوطنية…

تقبل تونس اليوم على المرحلة القادمة بخارطة طريق جديدة، قد تقودها في غضون الفترة القادمة حكومة جديدة، والأهم من كل شيء الآن هو ان ينجح الطيف السياسي والمنظماتي في اقناع التوانسة بأن شيئا قد تغير أولا لأن حجم المعاناة المواطنية قد اتسع ليضع سؤالا غامضا حول المستقبل، وثانيا لأن تواصل الأمر على ما هو عليه، سيزيد من تضييق فرصة الحل… ولن يفيد انذاك الاختباء وراء إعلان الارتفاعات الطفيفة في مؤشرات النمو، ولا استعراض الجمل الشعاراتية حول مقاومة الفساد…

إن المطلوب بوضوح هو حكومة تحمي المصلحة الوطنية والمؤسسات الوطنية الاستراتيجية وتستعيد الدور المحوري للدولة في تأمين الخدمات الاساسية واستقرار الفئات الاجتماعية.

اليوم، هو الموعد الذي سيكون جسرا من الاتفاقات الى التطبيقات، وأول التطبيقات المطلوبة، هي إصلاح مسار الحوكمة، من الأساس.