انسياق البنك المركزي وراء صندوق النقد الدولي عمق الأزمة في تونس

A La Une/Analyses/Tunisie

جاء بيان مجلس ادارة البنك المركزي الصادر عن اجتماعه المنعقد بتاريخ 15 ماي 2018 مستنسخا في جزء منه لما صدر عن المعهد الوطني للإحصاء بخصوص النمو الاقتصادي للثلاثي الاول من سنة 2018، ومعرّجا على اهم القضايا الحارقة في المشهد الاقتصادي المتعلّقة بنسبة التضخم والاحتياطي من العملة الاجنبية.
فبخصوص الجزء المتعلق بتطور الوضع الاقتصادي اكتفى البيان باستنساخ ما نشره المعهد الوطني للاحصاء دون تقديم تحليل او توضيحات حول تطور الانشطة الاقتصادية وذلك باعتباره سلطة نقدية تساهم من خلال مهامها الاساسية المتمثلة في الحفاظ على استقرار الاسعار حسب الفصل 7 من القانون الاساسي عدد 35 لسنة 2016 مؤرخ في 25 أفريل 2016، «في تحقيق اهداف السياسة الاقتصادية للدولة بما في ذلك في مجالي النمو والتشغيل».
من هذا المنطلق تعتبر رؤية البنك المركزي للتطورات الاقتصادية المبنية على احصائيات وارقام المعهد الوطني للاحصاء مرجعية للفاعلين الاقتصاديين بعيدا عن التوظيف السياسي وكسرا للضبابية التي اصبحت تحوم حول هذه الاحصائيات وذلك في اتجاه مساعدة السلطة التنفيذية على تصحيح خياراتها او مراجعة قراراتها بما يحدّ من مزيد تدهور الوضع الاقتصادي.
فبمقتضى الفقرة الثانية من الفصل 7 من القانون الاساسي للبنك المركزي، يعمل هذا الاخير «من اجل تنسيق أمثل بين السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية للدولة» الا ان الطريقة التي تناول بها في بيانه الاخير تطور الوضع الاقتصادي توحي وكأنه فضّل التخلي عن إحدى مهامه الاساسية في الوقت الذي تحتاج فيه السلطة التنفيذية الى طرف رسمي محايد يقيّم سياساتها وقراراتها في ظل سلطة تشريعية انخرطت في سياسة عدم الاحراج للحفاظ على مواقع احزابها في الحكومة.
لقد ترك البنك المركزي من خلال هذا الخيار مكانه لصندوق النقد الدولي الذي سمحت له الدولة التونسية بمتابعة الوضع الاقتصادي كل ثلاثة أشهر وذلك في إطار تنفيذ برنامج الاصلاحات الاقتصادية والمالية الذي تبنته حكومة الشاهد استنادا الى وثيقة قرطاج الاولى.
شبه ابتعاد البنك المركزي عن ممارسة صلاحياته كاملة تجاه السلطة التنفيذية في باب التنسيق بين السياسة النقدية والسياسات الاقتصادية ألقى بظلاله على ملف التضخم من خلال طريقة تعاطي البنك مع الضغوط التضخمية. ففي ماض قريب أصر البنك المركزي على معالجة ارتفاع التضخم من خلال آلية السياسة النقدية المتمثلة في الترفيع في نسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي للضغط على الطلب الداخلي استهلاكا واستثمارا، ليغير موقفه هذه المرة في بيانه الاخير تحت ضغط تواصل النسق التصاعدي لمؤشر الاسعار، ليدعو الى مواصلة التركيز على المتابعة الدقيقة لمصادر التضخم، وكأنه اراد ان يتدارك امره بعد ان فشلت سياسته النقدية في الضغط على التضخم ويعترف بان مصدر التضخم ليس نقديا فقط، كما اراد ان يسوق له في الماضي القريب وبتكلفة عالية، ولكن تعود اسباب التضخم أيضا الى السياسات الاقتصادية والقطاعية والى الفساد والاحتكار.
فبعد ان كلف الاقتصاد الوطني خسائر هو مدعو لتقييمها وضبطها، من خلال ما تكبده المواطن من تدهور للمقدرة الشرائية من جهة، والمستثمر من تعطيل لعملية الاستثمار من جهة أخرى، يخرج البنك المركزي اليوم ليدعو الى «مزيد اتساق السياسات الاقتصادية وتفعيل الآليات الملائمة للحد من مخاطر التضخم» حسب ما جاء في البيان الاخير.
مثل هذه الدعوة لا يمكن ان ترفع عنه مسؤولية فشل خياره بالترفيع في نسبة الفائدة المديرية التي بلغت ٪5.75 لتبلغ بذلك معدل نسبة الفائدة للسوق النقدية ٪6.5 لشهر أفريل 2018.
ومرة أخرى وفي ظل سيطرة السياسي على الاقتصادي، وفي ظل السياسة الممنهجة لإضعاف التنسيق بين السلطتين التنفيذية والنقدية تبقى خيارات وقرارات السلطتين خارج دائرة النقد والمتابعة والمساءلة والمحاسبة ليدفع الاقتصاد الوطني في آخر المطاف فاتورة أخطاء أو اجتهادات كان بالإمكان تفاديها لو كان القرار فعلا سياديا ولا يخضع لضغوط لا تراعي خصوصية الواقع والأولويات.
في ذات السياق، تعاطى مجلس ادارة البنك المركزي مع ملف الاحتياطي من العملة الاجنبية بطريقة غامضة دون تقديم توضيحات حول تقييمه للتراجع المتواصل الذي سجله الاحتياطي حيث بلغ بتاريخ 18 ماي 2018 مستوى 74 يوم توريد مكتفيا بالإعلان عن اطلاعه «على تقرير حول نتائج التصرف في الاحتياطي من العملة الاجنبية خلال سنة 2017 وعلى محاور الاستراتيجية المزمع اعتمادها في سنة 2018».
وبقدر ما نتساءل عن جدوى استراتيجية لم يتم استكمالها ونحن في منتصف سنة تنفيذها، وبقدر ما نتساءل عن جدية البنك المركزي في وضع هذه الاستراتيجية، نتساءل ايضا عن موقف البنك المركزي من هذا التراجع المتواصل ومن الاجراءات العاجلة التي يجب ان يتخذها لإيقاف هذا النزيف في ظل تصريحات خبراء صندوق النقد الدولي الواضحة والشفافة والعلنية الداعية الى مزيد التخفيض في قيمة الدينار فيما بين 10 و٪20 خلال الايام القادمة.
وبكثير من المرارة عمّق بيان البنك المركزي هذه المرة الضبابية لدى الفاعلين الاقتصاديين ليترك المشهد دون بوصلة.

*** جنات بن عبدالله