المفكر حمادي الرديسي تونس مصابة بمرض الحول فهي لا تعرف أين تنظر

A La Une/Analyses/Culture/Tunisie

صدرت حديثا للأستاذ حمادي الرديسي عن «الديوان للنشر» ترجمة إلى العربيّة من إنجاز السيّد العلاّني لكتابه المرجعي «ميثاق نجد» الذي صدر بالفرنسية عن منشورات لوساي، تحت عنوان: «الوهابيّة : نشأتها وتطوّرها». وهو بحث في سوسيولوجيا وانتروبولوجيا وفي تاريخ العقيدة الوهابيّة ، التّي تحوّلت من ملّة تكفّر الجميع إلى عنوان كبير للإسلام. كما تحصّل كتابه «الإسلام المتردّد: الثورات وإسلام مابعد التسلط» على جائزة أحسن كتاب فلسفي لعام 2017. وهو كتاب جاد ورصين وعميق يتصدّى لتحليل الثورات العربية والشرّ العظيم الذي اقترفته داعش «الأكثر بربريّة باعتبارهم آخر البرابرة». في كتابه «الإستثناء الإسلامي»، يقول الأستاذ الرديسي بضرورة التفكير بشكل جديد، وهو ما كان يقوم به في مسيرته كمفكّر وأستاذ وكاتب لامع وبارع نحتاج بصيرته وبصره «الحديد» كي نرى بلا حول أو مرايا مشوّهة لما حدث ويحدث في برّ تونس وفي براري الإسلام . هنا حوار معه:

 

* أين ذهبت داعش الآن ؟ ما الذي جعلها ممكنة وما الذي يميّز بربريّة داعش بين تجارب الشرّ الكبرى التي عرفتها الإنسانية؟

ـ قبل أن نعرف أين ذهبت داعش، يجب أوّلا التساؤل عمّا جعلها ممكنة. هناك تصوّر تآمري يرى أنّها من خلق المخابرات الأمريكيّة كالعادة. الدراسات أثبتت أنّ داعش كما يبدو هي خليط من ثلاثة عناصر: الإدارة البعثية البيروقراطيّة أرادت أن تأخذ بالثأر لما حدث ، بالتحالف مع بعض القبائل السنيّة والسلفيّة الجهاديّة. هذه قراءة ممكنة. ما يهمّني هو أنّ داعش هي حدث غريب وغير مسبوق على الأقلّ في الإسلام الحديث (بدءا من القرن 19).لا أريد أن أدخل في صلتهم بالخوارج أو القرامطة. نجد دائما هذه المقاربات عند بعض المفكّرين الذين يقرؤون ظواهر اليوم بالماضي، وهو مايمنعنا من النظر الحديث للظواهر الحديثة. ويكشف عن عدم القدرة على قراءة الحاضر. هذا لا يعني عدم وجود تشابه ظاهراتي بين الماضي والحاضر.

المهمّ أنّ داعش أحدثت فارقا نوعيا في الإسلام أو الإسلامويّة الجهاديّة، بتخلّيها عن قواعد الجهاد على الأقلّ كما فهمته السلفيّة الجهاديّة. الإسلام السياسي ، من حسن البنّا إلى طالبان، كان يبرّر قتل المشركين وقتل الطاغوت بالتشابه بين طاغوت الماضي وطاغوت الحاضر وبين شرك الماضي وشرك الحاضر.

مع داعش خرجنا من هذه البوتقة. نحن نعرف منذ أرسطو أنّ البربريّة مفهوم مغلوط ومبني على أحكام مسبقة تتصوّر أنّ كلّ مغاير للذات بربريّ. ساد هذا التصوّر للثقافات المغايرة من زاوية الثقافة الأصليّة منذ أرسطو، مرورا بأدب الرحّالة الأوروبيين في القرن السادس عشر، كما في وصف أمريكا اللاتينيّة والهنود الحمر. أوّل نصّ هام تصدّى لهذا التصوّر، بالقول أنّهم لا عقلانيّون بحسب عقلانيتنا نحن ، كان لمونتاين وبالتدقيق في فصل «آكلي لحم البشر» من كتابه «المحاولات» Chapitre « Les cannibales de ses Essais.

ولكن بدا جليّا أنّ البربريّة الحديثة أكثر شرّا من بربريّة الشعوب «المتوحشّة»(الأصحّ القول أنّها مجتمعات بلا كتابة ). هذا ماحدث مع النازيّة ومع الستالينية كنظم سياسيّة. هنا نطرح سؤالا: هل يمكن تطبيق هذه النماذج من الشرّ على داعش أم لا؟

لا توجد بربريّة حديثة دون صناعة وتصنيع ودون تقدّم تقني. لذلك فإنّ المقارنات بين النازيّة أو نظام صدّام أو النظام السوري هي مقارنات لا تستقيم نظريّا.

الكليانيّة كبربريّة حديثة لها خاصيات يصعب وجودها في غياب الحضارة الحديثة والمصنّعة . لا توجد كليانيّة فقر . قساوة الفقراء متخلّفة في مستوى تخلّفهم . هذا هو الإطار النظري الذّي يجب أن نتحدث فيه عن داعش. داخل هذا الإطار نتحدّث عن ثلاث مقارنات : في مستوى الإيديولوجيا، مستوى الوسائل ( التكنولوجيا)، والعنصر الثالث هو العنصر الألفي ـ النبوئي ( تصوّر يقول أنّه في كلّ ألفيّة جديدة سيجيء مخلّص كبير أو تقع كارثة عظمى) . ونجد هذا التصور في أحاديث يرجح أنها منحولة حول مجيء المسيح وقبلها قتال بين المسلمين والروم بالأعماق (جنوب تركيا) أو دابق (شمال سوريا) (وهذا سبب تسمية مجلتهم بدابق).

ماذا كان يفعل من قاموا بأحداث 11 سبتمبر2011 في الطائرة قبل الهجوم ؟ هناك نصّ صغير معروف بثمان صفحات يشرح كيفيّة الإستعداد للعمليّة ، مبني على فكرة أساسيّة قوامها أنّ العمليّة عمليّة دينيّة (غزوة) وفعل من افعال التقوى وبالتالي هم يقومون بواجب أخلاقي ديني ، بينما داعش غير مبالية باحترام أيّة قاعدة من قواعد الجهاد. وردّا عن سؤال اين ذهبت داعش، الآن، نرى أنّها تقوم بعمليّات فرديّة على نمط جديد في أوروبا أساسا.

تبقى الظاهرة غريبة ولا يمكن أنّ نتصوّر أنّ هناك ما بعد داعش ، لأنّها وصلت إلى حدود القسوة. تماما كما لا يمكن تصوّر نازيّة جديدة لأنّها وصلت إلى أبعد حدود اللاإنسانيّة.

* ما الذّي يعيق حقّا الإسلام كي يدخل الحداثة ؟ هل ثمّة قيم اسلامية عربية ومنظور اسلامي عربي من الممكن أن نبني عليه ؟

هذا الفهم مغلوط، لأنّ الإسلام دخل الحداثة منذ القرن التاسع عشر. في أعقاب حملة نابليون بونابرت على مصر في 1798 ،دخل الإسلام مكرها إلى زمن الحداثة. مفهوم الحداثة نفسه إشكالي وموضوع للنقد . لنقل دخل الحداثة بمعنى ما بعد التقليد. السؤال كما أراه يطرح كالتالي : لماذا لم ينجح الإسلام في التأليف بين الحداثة وما يسمّى بالأصالة أو ما سمّيته أنت بالمنظور العربي الإسلامي؟

هناك نظريّة طاغية لدى المفكّرين العرب ، وهي أنّ السبب الرئيسي يعود إلى التلفيق أو الفصام الثقافي. الكلّ يلفّق أفرادا وجماعات . اليابان والهند قاما بذلك ،باستثناء الغرب لأنّه انتج الحداثة وهو منبعها. الثقافات الأخرى أجبرت على التعايش بين ذاتها والثقافة الغربية.

نظريّة داريوش شايغان القائلة أنّ هذه الثقافات أخذت بالتقنية دون الميتافيزيقا ،غير صحيحة لأنّنا أخذنا الميتافيزيقا في كلّ شيء ( الفلسفة ونمط الحياة الغربيتين) . فلاسفتنا العرب يقرؤون هايدغر و نيتشه.

لماذا لم تكن الحداثة عندنا فلسفيّة أساسا بل كانت إصلاحا دينيّا؟ هذا سؤال ممكن. لماذا انتصر الإصلاح الديني على فكر النهضة؟ هذا سؤال وجيه.

حين ترى أنّ اليابان نجحت لأنّها أخذت بالتكنولوجيا ولم تأخذ بايديولوجيا الحداثة. ايديولوجيا التقليد تسرّبت إلى تنظيم المؤسسات الإقتصاديّة ( خضوعها لقيم الولاء والهرميّة ). تسرّب الثقافة الأبويّة إلى المؤسّسة جعل اليابان تنجح ، دون أن يكون لها لوثر أو كانط ، ممّا يدحض نظريّة الميتافيزيقا والتقنية لشايغان.

العرب لم ينجحوا. لم يستطيعوا استيراد التقنية وتملّكها. ليست لهم ثقافة عمل وخلق وابتكار. لو نجحوا في الصناعة والإقتصاد لأصبح التلفيق معجزة عربيّة إسلاميّة . هذا هو السؤال الحقيقي في قضيّة الحداثة : أي لماذا لم ينجح العرب في تملّك التقنية؟

* أيّة جراحات ومزايا صنعت الشخصية التونسية وكيف تبدو لك صورة هذه الشخصية؟

بخصوص الشخصيّة التونسيّة، هناك نظريتان في القرن العشرين. نظريّة أولى تقول أنّ هذه المنطقة ليس لها إلاّ التماهي مع الحضارات الكبرى. نجد هذه النظرية عند هيغل الذي كان يقول في كتابه « العقل في التاريخ: «إنّ المغرب لم يفعل سوى أنّه استسلم لمصيره المتمثّل في تقليد كلّ عظيم رائع ما نشأ خارج أرضه»، وكذلك لدى غوتيي.

Hegel, La raison dans l’histoire et Gautier Le passé de l’Afrique du Nord.

النظريّة الثانية تقول أنّ هذه المنطقة لها شخصيتها ونجد هذه النظرية عند عبد الله العروي وكلّ المثقّفين المغاربيين. لمّا تسألهم ماهي ثقافتها، يقولون قدرتها على هضم الوافد أو الخارج وقدرتها على خلق انشقاق داخل الثقافة المهيمنة. مثلا في الثقافة المسيحيّة حين كانت مهيمنة خلقوا الدوناتيّة. ولمّا جاء الإسلام خلقوا الخوارج.

مشكلة الثقافة التونسيّة أنّه لما كتب علي البلهوان «نحن أمّة» وكتب الحبيب ثامر «هذه تونس» فإنّهما قدّما تونس كأمّة لها ذاتيتها، وهي ذاتيّة عربيّة إسلاميّة أساسا. وهذا التصوّر هو الذي أسّس لتصوّر البشير بن سلامة للشخصيّة التونسيّة ، وهو تصوّر لا يمكن تجاوزه إلاّ إذا طرحنا مسألة ماهي ملامح هذه الشخصيّة مقارنة بالشخصيّة العربيّة الإسلاميّة للمجتمعات العربيّة .

الشخصيّة الفرنسيّة نحتت في الماضي ولكنّ الثورة الفرنسيّة أعطتها طابعها الخاص( الأخوّة، العدالة، المساواة). أمّا الشخصيّة الألمانيّة فقد نحتتها القبائل الجرمانيّة وصنعت طابعها الخاص «المثالية الألمانية» L’Idéalisme allemand.

(شعب فلاسفة يعلي من شأن الأفكار كما تحدّث عن ذلك ماركس في «الإيديولوجيا الألمانيّة»).

أنا أرى أنّ غياب العلمانيّة في تونس هو الذي وضع الشخصيّة التونسيّة في وضع إشكالي. إذا كانت إضافتهم مالكيّة فالمالكيّة مغاربيّة. هذه هي الأسئلة التي يجب أن تطرح.

مايراه الآخرون كعيب أنا لا أراه كذلك. قدرة التونسي على تملّك الوافد والإنصهار فيه أعطته ميزته. فما انتقده هيغل هو عين الشخصيّة التونسيّة التّي تملك القدرة على التماهي والتأقلّم وتملّك الوافد دون عقد.

منذ الفكر الإصلاحي وحين ترى ما يقدّم الناس للدلالة على الخاصيات التونسيّة ( دستور 1864، إلغاء الرقّ…). كلّها أفكار وافدة. وربّما هذا ما يربط تونس أكثر بالغرب ، قياسا على الحالة المصرية كما يراها طه حسين في «مستقبل الثقافة في مصر».

طبعا هناك تصوّر مخالف يروّج له من يريد ذوبان الشخصيّة التونسيّة فيما هو أوسع ( من التصوّرات العربيّة القومية إلى الإسلاماويّة) . ما حدث مع الإسلام السياسي منذ السبعينيات هو أن تونس أصابها مرض الحول

strabisme فهي لا تعرف أين تنظر.

هنا ننتقل من المزايا إلى الجراحات. الغرب قد خلق نمطا جديدا (الديمقراطيّة المتعدّدة الإثنيات والثقافات)، بعد أن كانت الديمقراطيّة في القرن العشرين «صافية، يحتكرها الفرد الأبيض المسيحي الأوروبي المماثل لنفسه ولتاريخه».

* أيّة «صورة» أمكن للفنّ والأدب والمسرح أن يقدّمها عن تونس وعن أهلها؟

ما ألاحظه في الثقافة التونسيّة وفي الفنّ والأدب والمسرح، عموما، هو عدم قدرتنا على تسويق الإبداعات التونسيّة. ثمّة حلقة مفقودة ، لا أدري ماهي، تحصر المنتوج الثقافي التونسي في محليّته. ربّما لا يخضع للمواصفات العالميّة وليست له قدرة تنافسيّة عالية ؟ وألاحظ أنّ هناك احتفاء تونسيا إلى حدّ المبالغة بإنتاجات ضعيفة في المعرفة والأدب والفنّ ، فنحن ننتظر دوما اعتراف الخارج لمجرّد أنّه من الخارج.

هناك إبداع تونسي في الفنّ التشكيلي (مدرسة تونس في الفن التشكيلي مثلا بالرغم من أنّنا قد نختلف حول فلكلوريتها) وفي المسرح لنا تجربة رائدة و في الأدب أيضا. بعد 14جانفي برزت عديد المواهب.

ربّما تلك حدود تونس. أنا اتساءل فقط .وهنا يأتي دور النقّاد حتّى يضعوا كلّ عمل إبداعي في موضعه . ما ينقصنا هو مهنيّة المعياريّة. ليس لنا اخصائيون يضعون المعايير. خلقنا نخبة سياسيّة جديدة ولم نخلق اخصائيين في الثقافة عامة ليفصلوا بين الغثّ والسمين. ولا نزال ننتظر الخارج كي يقيّمنا ، في حين أنّنا نملك نقّادا في المسرح (محمد مومن و عبد الحليم المسعودي مثلا) وفي الفنّ التشكيلي ( علي اللواتي وعمر الغدامسي مثلا..) وفي السينما ( الهادي خليل..)..

ربّما لا يكمن الإشكال في غيابهم ، بل في عدم الإعتراف بهم من الجمهور الواسع.

بالنسبة إلى العمل الفنّي هناك اعتراف الجمهور واعتراف النقّاد. ونحن نحتاج إلى معياريين مهنيين . المشكلة كما اسلفت ربّما تكمن في عدم اعتراف الجمهور بقيمتهم المعياريّة ، سواء كانوا صحفيين أو نقّادا، خلافا للنخب السياسيّة التي برزت بعد 14 جانفي التّي يبدو أنّها استأثرت برصيد اعتراف ، ظهر جليّا، أنّ جلّهم غير جديرين به.

* يطرح في تونس سؤال النخب: كيف تقارب المسألة وهل تعتقد أنّ النخب في تونس كانت في مستوى حدث 14 جانفي وما تبعه؟

معظمهم يبحث عن الظهور الزائف وعلى الإستفزاز (الباز) . ومعظمهم ينقلب على مواقفه من ألف إلى ياء، في كلّ الأوقات والمواقف وفي كلّ حلقة سياسيّة. جلّهم أظهروا جشعهم ونهمهم للسلطة. وقلّما تجد بينهم سياسيّا محترفا متمكنا من الملفّات السياسيّة. هناك انشطار بين السياسي والأخصائي. السياسي يبدو كثرثار. والأخصائي لا سلطة له ولا يسمعه أحد. هنا تكمن المعضلة. ممّا يحثّنا على البحث عن حكومات تكنوقراط لأنّ السياسي فاشل ومتهافت والأخصائي ليس له طموح سياسي ، وذلك هو المأزق الذي نتخبّط فيه اليوم.

السياسيون لهم فقر مدقع في الثقافة السياسيّة ، أي المعرفة بالتوجّهات الكبرى للحضارات ولتطوّر النظم السياسيّة وإلمام بالتاريخ ومعرفة بقواعد السياسة وأصولها ، لا الثرثرة. حتّى الإسلاميون الذين كنّا نتصوّر أنّ لهم نوعا من الثقافة السياسيّة لم يكونوا في مستوى الرهانات المطروحة على تونس.

* كنت أحد المؤسّسين للوطد، اي أنّك مارست السياسة ، نريد ان تحدّثنا عن هذه الممارسة وماذا كانت أحلامكم (مشروعكم) في تلك الفترة؟ اتجهت بعدها للفكر والتفكير مدفوعا بشغف عظيم للمعرفة ، أريد أن أسألك سيّدي، ماذا تهبك المعرفة ؟وماذا تفعل مع الأفكار وبالأفكار؟

أنا نشأت في اليسار الذي كان يتحوّز على ثقافة سياسيّة. اليوم ماذا يفعل سوى رفع شعارات حول إلغاء الديون والتنديد بالبنك الدولي. هنالك ايضا غياب للحوار بين السياسي والثقافي. في فرنسا السياسي والثقافي ليسا في تناغم ، بل في حوار متواصل ،وهما يسمعان بعضهما البعض . قارن ذلك بتلفزاتنا التي أصبحت فلكلورية فرجوية سطحية.

السياسي لا يريد أن يسمع بالخلافات العقائديّة أو الفكريّة أو الثقافيّة أو الدينيّة . الكلّ في ثقافة الوفاق الناعم والنتيجة هي الفقر والتصحّر الفكري. من هذه الزاوية مازلنا نعيش في ما قبل 14 جانفي: كلّ في مجاله : المثقّفون متطفّلون على السياسة والسياسيون لا علم لهم بالثقافة في تونس.

في إطار المرصد التونسي للإنتقال الديمقراطي قمنا بدراسة اثبتت أنّ النخب الجديدة متجانسة إجتماعيّا: معظمها تنتمي إلى الطبقات الوسطى الدنيا المتعلّمة ( من خرّيجي الجامعة ومعظمهم يشتغل في التعليم الثانوي). على مستوى ثقافتهم السياسيّة هناك تباين. هذا التباين وقع التخفيف من نسبة التوتّر فيه بالوفاق الناعم الذي أسّس له لقاء الغنّوشي والسبسي في باريس ، والذّي ثبت أنّه أخرج النخب من التباين العقائدي والخلاف الجذري بين الحداثيين والإسلاميين من حلبة الفكر إلى التفاهة السياسيّة والإبتذال . تبتذل الصراعات في غياب الجدل الفكري.

* لماذا يظلّ اليسار أقليّا في تونس وكيف تحلّل خطابه واستراتيجياته؟

فيما يخصّ اليسار، ما لايذكر او لا يفهم عامة هو أنّ اليسار كان يمثّل جناح الحداثة الراديكالي في الثقافة السياسيّة للبلد . هذا لم يفهم وكان محلّ سوء تفاهم بين الدولة وهذا اليسار العلماني الإنسانوي والكوني. سوء التفاهم كان من الجانبين. من جانب اعتبرت النزعة الثوريّة لليسار كمحاولة لبثّ الفتنة والفوضى في البلد . ومن ناحية أخرى اعتبرت الإيديولوجيا الثوريّة طفيليّة وطوباويّة وغير قادرة لا على استيعاب الواقع ولا على تغييره.

أنا كنت أحد المؤسسين للوطد لكنّني تفطّنت لهذا الجانب الثاني واكتشفت أنّ طوباويّة التغيير لا تستقيم في الواقع وهي مضيعة للوقت .كما تفطّنت إلى أنّني لا أملك خصال السياسي . غير أنّ الزخم الثقافي في اليسار هو الذي دفعني إلى أن أكون كاتبا وتغليب الفكري على السياسي. أنا أنحدر من هاته الثقافة ، ولا أزال في نفس التوجّه العلماني الكوني الإنسانوي ولم أخرج منه. وأعبّر عنه بالأفكار والأبحاث والكتابات.

في الجانب السياسي والعقائدي أرى أنّني انتميت إلى تجربة طفيليّة وغير ناضجة . بعضهم خرجوا منها بأن أصبحوا سياسيّين محترفين أمّا أنا فقد اختصصت بالفكر.

نبقى مع حدث 14 جانفي ما الذي جعله أو يجعله حدثا كونيّا؟

بالنسبة إلي لم أكن أتصوّر حدث 14 جانفي. كنت أتصوّر أنّ التحوّل الديمقراطي ممكن ولكن عبر إصلاحات من فوق أو عبر التفاوض بين السلطة والمعارضة والتحوّل التدريجي. ما حدث هو أمر مباغت بالنسبة إلي. ثمّة من يقول أنّه تنبّأ بذلك ،طوبى له .

الإشكال الكبير هو أنّه وقع خلط بين الوسيلة والهدف . إن كان الهدف الديمقراطيّة فالطرق إليها عديدة.

ما لا يجعلها كونيّة هو مزج قضيّة التحوّل الديمقراطي والتعبير عنه بالإسلام. حين تطرح قضيّة الديمقراطيّة في شكلها الإسلامي تخرج الثورة من أفق الكونية إلى سجلّ الأحداث العادية . أي أنّ هذا القدر يهمّ الإسلام ولا يهمّ العالم.

لكي تصل وترتفع إلى مستوى الإنسانيّة يجب ان تتحدّث إلى الإنسان كما هو وأينما كان. الثورة التونسيّة تتحدّث إلى التونسي المسلم المحافظ الذّي يريد دستورا لا يقطع مع الإسلام وديمقراطيّة توفيقيّة.

جائزة نوبل منحت لنا لأنّ العالم كان يتصوّرنا قادرين على الأسوإ. «سلّكناها» بالمقارنة مع العرب الآخرين. فلتنا من مصيرهم لأنّنا غلّبنا العقل والتوافق على الصراع . هم كانوا يتصوّرون أنّنا سنسقط في هاوية الصراع.

ماذا فاتنا مع هذا الحدث الكبير ولماذا؟

يقول الفيلسوف كانط أن اطلاق كلمة ثورة على حدث لا يأتي من الفاعليين الثوريين بل من المتفرجين كما هو الحال في المسرح. والمتفرج هو الذي يقول أن العمل جيد لا المخرج. والمتفرج في الثورة لا يحتفي الا بما هو كوني وأخلاقي وإنساني فيها. ما يهم صيني أو أسترالي في الثورة التونسية اذا لا تتوجه له كانسان؟

لذلك احتفى المفكّرون الكبار في البدء بحدث 14 جانفي : ألان باديو، أغانبان ، ماريو غرقاس يوسا..

ذلك ما فاتنا . كانوا يتوسّمون فيه القدرة على الإضافة للثورات الأخرى التاريخية ولكن تبين أنها مهووسة بهاجس التوليف بين الديمقراطية والإسلام. هذه قضية ملحة. الإسلام يضيف لنفسه ولا يضيف للعالم. ومن هنا خيبة الأمل فنسوها وأصبحت الثورة التونسية محل فذلكة. أقصى تقدير أنها محل رفق من المانحين الدوليين وأسواق الصرف لكي لا نسقط في الأسوإ.

المصدر – الصحافة اليوم

http://www.essahafa.tn/index.php?id=59&tx_ttnews[tt_news]=427&tx_ttnews[backPid]=5&cHash=2f6add9a69