هل وقع الشاهد في شراك صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي

A La Une/Tunisie

تؤكد جميع المؤشرات الاقتصادية والمالية والجبائية والنقدية والاجتماعية تدهور الوضع الاقتصادي والمالي وعجز «الاصلاحات الكبرى» والاجراءات الاستثنائية عن احتواء الأزمة المالية والاجتماعية لتدخل البلاد في متاهات الضغوط التضخمية وفي قبضة الركود التضخمي بما زاد المشهد قتامة وسرّع في تبخر كل بوادر الانفراج.

لقد اختارت حكومات ما بعد الثورة وخاصة حكومتا الشاهد الانصياع وراء تعليمات وشروط صندوق النقد الدولي والاتحاد الاوروبي مقابل الحصول على تمويلات في صيغة قروض تشترط تبني «اصلاحات» مسقطة تخدم مصالحهما ومصالح الشركات العالمية ولوبياتها في الداخل والخارج.

هذا التوجه بدأ التأسيس له منذ العشرية الثانية بعد الاستقلال من خلال اقرار سياسة التحرير الاقتصادي وفتح السوق امام الاستثمار الاجنبي المباشر وتمتيعه بكل الامتيازات المالية والجبائية الى جانب رفع المراقبة عن كل معاملاته مع الخارج سواء في مستوى التجارة الخارجية او حركة رأس المال.

ولئن تروج بعض الاطراف لهذه المرحلة على انها سمحت لتونس بالاندماج في الاقتصاد العالمي، فان ازمة المديونية لسنة 1986 كشفت محدودية هذه الخيارات وتضاربها مع اولوياتنا التنموية ليشرع صندوق النقد والبنك الدوليين تدخلهما في خياراتنا الاقتصادية والاجتماعية في اطار برنامج الاصلاح الهيكلي للاقتصاد الوطني الذي أسس لسياسة التقشف وتخلي الدولة لفائدة القطاع الخاص وترجمة ذاك الى التفويت في مساهمات الدولة في عديد القطاعات والخصخصة والى تقليص تدريجي في الاعتمادات الموجهة للقطاعات الاجتماعية واخفاء سموم التدمير التي بثت في برامج الاصلاح في المجالات التربوية والصحية والتعليمية من خلال المساعدات المالية والقروض الميسرة.

ومنذ ذلك التاريخ دخل الاقتصاد الوطني تحت وصاية المؤسسات المالية الدولية من خلال المتابعة والمراجعة الدورية واقرار برامج مساعدات تحت عناوين تخفي مغالطات وتروج لسياسات سرعان ما تعمل السلط على تزويقها في اطار خطاب سياسي وردي يعد بالنمو والتشغيل والتنمية الجهوية والرفاه الاجتماعي والاندماج في الاقتصاد الاقليمي والعالمي.

وعوض الوقوف عند محدودية هذه الخيارات والبرامج التي تبناها النظام السابق حيث لم يكن لها اي أثر على التشغيل وعلى عجز ميزانية الدولة وعلى الميزان التجاري وعلى المقدرة الشرائية والقدرة التنافسية للمؤسسة الاقتصادية وعلى القطاعات الاقتصادية من فلاحة وصناعة وخدمات، يتم الاخراج لمسار قديم في نسخة جديدة للعلاقات التونسية مع الاتحاد الاوروبي تحت عنوان اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الاوروبي في سنة 1995 والتي روج لها النظام السابق كتتويج لانجازاته «العظيمة» في المجال الاقتصادي بينما جاء هذا الاتفاق لاخفاء فشل الخيارات الاقتصادية وعجزها عن الاستجابة لتطلعات الشعب التونسي من خلال تقديم الاتحاد الاوروبي لوعود خطط لتمويلها او الايهام بتمويلها مثل برنامج تأهيل القطاع الصناعي في اتجاه اعداده للمنافسة في سوقه المحلية بعد رفع القيود الجمركية على التوريد من الاتحاد الاوروبي بما يعني تعزيز قدراته الانتاجية وضمان ديمومته بما يؤمن مزيدا من خلق مواطن الشغل وحظوظا اكبر لاستيعاب خريجي الجامعات.

وبالتوازي مع مواصلة تطبيق سياسة التقشف المسقطة من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين، دخل الاتحاد الاوروبي على الخط لرسم وتصميم السياسة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد على حساب الشعب التونسي وأولوياته في الصحة والتعليم والنقل والحياة الكريمة.

وجاءت ثورة 17 ديسمبر 2010 – 14 جانفي 2011، وكان امام التونسيين فرصة تقييم هذه الخيارات والسياسات والعلاقات مع الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد والبنك الدوليين على الاقل من خلال فتح ملف المديونية للوقوف عند الاسباب الحقيقية التي ادت الى تدهور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمالية، ومرة اخرى تفوت على بلادنا هذه الفرصة التاريخية لتنخرط جميع حكومات ما بعد الثورة في نفس المسارات التي أسست لها المؤسسات المالية الدولية والاتحاد الاوروبي وتغرق البلاد في نفس المتاهات التضخمية ولكن هذه المرة بجرعات اقوى تهدد بتقويض اسس سيادتنا الوطنية وتدمير جميع المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية.

لقد اتضح اليوم ان حكومة الشاهد قد لبست جلباب صندوق النقد الدولي وجلباب الاتحاد الاوروبي لتتحرك ببرامجهما وتوصياتهما ضاربة عرض الحائط كل الانتقادات والتحاليل الموجهة اليها والمحذرة من مزيد الانهيار.

ففي الوقت الذي يتطلب فيه الظرف الاقتصادي الذي دخل مرحلة الركود التضخمي اقرار اجراءات تحفيزية لمنظومة الانتاج في اطار سياسات قطاعية في مجالات الفلاحة والصناعة والخدمات الى جانب اقرار اجراءات حمائية تستهدف تقليص التوريد لحماية ما تبقى من نسيجنا الصناعي ومن القطاع الفلاحي وقطاع الخدمات تخرج السلطة النقدية للاعلان عن مزيد الترفيع في نسبة الفائدة المديرية للبنك المركزي لتبلغ ٪6.75 فيما تواصل السلطة التنفيذية تنفيذ سياسة التقشف لضرب المؤسسات العمومية و قطاعي الصحة والتعليم.

وفي انتظار استفاقة الاحزاب السياسية والمجتمع المدني، فان تقييما سريعا للسياسة النقدية وسياسة المالية العمومية الرامية الى تقليص عجز ميزانية الدولة، يكشف ان هذه السياسات حققت عكس ما كان منتظرا منها بل انها زادت في تعميق الازمة المالية لتقدر نسبة المديونية الخارجية لهذه السنة في حدود ٪80 من الناتج المحلي الاجمالي وهي أعلى نسبة تهدد بدخول البلاد في المنطقة الحمراء واعلان عجزها عن التسديد.

مثل هذا التقييم ترفض السلطتان النقدية والتنفيذية الاعتراف بقدرته على اخراج البلاد من الازمة المالية باعتباره يفترض او يتطلب رفع وصاية صندوق النقد والبنك الدوليين والاتحاد الاوروبي والتحرر منها والاحتكام الى المصلحة الوطنية التي تفرض تدخل البنك المركزي لايقاف انزلاق الدينار ومراجعة السياسة النقدية في اتجاه اقرار التخفيض في نسبة الفائدة المديرية وتحميل مسؤولية احتواء الضغوط التضخمية ولو نسبيا للسلطة التنفيذية المدعوة الى القطع مع سياسة التقشف وسياسة تحرير المبادلات التجارية للعمل على عودة الانتعاشة للاقتصاد الوطني.

مثل هذا التوجه يفترض ايضا مراجعة سياسة المالية العمومية في اتجاه العمل على تحسين موارد الدولة عوض ضرب نفقات الدولة والذي يمر عبر ضرب كل مكتسبات دولة الاستقلال المتمثلة في المؤسسات العمومية وقطاعات الصحة والتعليم والنقل بدرجة أقل.

اننا اليوم في حاجة الى اعادة الاعتبار الى القطاعات المنتجة، وما يشهده قطاع الالبان هذه الايام من أزمة سيدفع فاتورتها المواطن التونسي ، هو نموذج لافرازات سياسة التقشف وتشبث حكومة الشاهد بتوصيات صندوق النقد الدولي المتعلقة برفع الدعم والترفيع في اسعار المحروقات والتخلي عن الدينار التونسي ورفض تقليص التوريد بما ساهم في الترفيع في كلفة الانتاج في مستوى انتاج الحليب والتصنيع وخروج الاسعار عن السيطرة. وما يشهده قطاع الالبان لا يختلف عن بقية القطاعات التي أطلقت صيحات فزع لم تولها الحكومة اهتماما لتواصل هرولتها الى الامام في غياب المساءلة والمحاسبة من قبل سلطة تشريعية غفلت عن احد مهامها الاساسية المتمثلة في تصحيح المسار والاحتكام الى اولويات الشعب ورفض الوصفات الجاهزة من خلال وضع حدود للاقتراض الخارجي والدعوة الى اقرار سياسات بناءة تخلق الثروة وتثمن المنجز وتفضح خفايا وتداعيات الارتماء في احضان المؤسسات المالية الدولية والاتحاد الأوروبي.

*** بقلم جنات بن عبدالله