متى

A La Une/Edito/Tunisie

ماذا يجري في تونس اليوم؟ هو سؤال لا أَحَدَ فيما يبدو يمتلك الاجابة عنه.
و«قديما» قِيلَ أنّ «البشرية لا تطرح مِنَ المشاكل الاّ ما هي قادرة على حلّها» ولكنّ حَالَةَ العَبَثِ التي تَطْبَعُ الوََضْعَ في تونس قادت وتقودُ الى استحالة الأجوبة عَن الأسْئِلَةِ المطروحةِ.
وَضْعٌ عَبَثِي وعَدَمِي و«دَوْلَةٌ» تكاد تتحوّل الى «دُوِيْلَاتٍ» على شاكلة ملوك الطوائف وحُكْمٌ مركزى فَاقِدٌ للبَوْصَلَةِ ويكاد يكون انقطع عن حياة المواطن ومشاغله وهو الى ذلك انشغل بالكامل عَنِ الملفّات الكبرى التي مِنْ أَجْلِهَا جِيء بهذه الحكومة مِنّ أَقَاصي الصُّدَفِ ولكنّها على ما يبدو لم تَجدِ الوقت ولا توفرّت لها الارادة لتحقيق المَهَامِ التي مِنْ أَجْلِهَا بُعِثَت مِنَ العَدَمِ.
وَضعٌ رَهيبٌ مَحْكُومٌ بنواميس وقوانين ودُستُورٍ خِيطَ على مَقَاسِ حِزبٍ ديني بفاصِلٍ مَدَنِي قصير لضرورة التسويق السياسي في الداخل والخارج وانتظارًا لمُرورِ عاصفةِ رَفْضِ موجة «الاسلام السياسي»وطنيا واقليميا ودوليا.. وهي عاصفة لَنْ تَمُرَّ..
وقد رصدنا على مدى الأشْهُرِ الأخيرة أنّ مَوْجَة «الاسلام الديمقراطي» التي أُرِيدَ التّرويجُ لها كواجهة تمويهيّة للفصلِ بين الدّعوي والسياسي سُرعان ما سقطت ليعُودَ مجدّدا خطاب الاسلام السياسي في أَشَدِّ تَجَلِّياتِهِ تَطَرُّفًا وغلُوًّا وانْتِهَاكًا لمَعْنَى وكُنْه المواطنة وحُرمَةَ الوطن ومن ذلك ما وَرَدَ في بيان المكتب التنفيذي لحركة «النهضة» الثلاثاء 3 جويلية مِنْ كَلَامٍ مَلْغُوم حول تقرير لجنة الحرّيات الفردية والمساواة، اذ أقرّت «النهضة» في بيانها «بحق كل التونسيين في حريّة الرأي والتعبير والتفكير» ثم سرعان ما بدأت بوَضْع الحُدُودِ وذلك بالاحتماء تارةً وراء ما نسبه البيان لرئيس الجمهورية مِنْ أنّ «تونس دولة مدنية لشعب مسلم» وبالتالي ضرورة أن تكون هذه الحريّة جامعة للالتزام باحكام الدستور ومحترمة في ذات الوقت لمقومات الهويّة العربية الاسلامية،
وطورًا آخر تتخفّى «النهضة» في بيانها خلف «دقة المرحلة التي يمرّ بها مجتمعنا وما يعتريه من توترات سياسية واجتماعية حارقة تتعلّق بالحياة اليومية للمواطنين خاصة ضعاف الحال منهم» وهو ما يعني صراحة أنّ التوقيت غير مناسب في تَقْدِير حركة «النهضة» للحديث عن هكذا حريّات لأن هذا ليس من اهتمامات «ضعاف الحال» وليس مِنْ أولويات الوطن.. وتنسى ان الحريات لا أجندة زمنية لها.
وينضاف هذا المنطق التّأليبي الى منطق آخر تهديدي مبطّن ينبّه الى ان التقرير تضمّن «بعض المسائل التي قد تهدّد كيان الاسرة ووحدة المجتمع».
وَضْعٌ يَفْتَحُ اذن على مَجْهُول اكيد ودَمَارٍ أوْكَدَ، وَضْعٌ تَاهَتْ مَعَهُ المَعَانِي ويَكَادُ الأمَلُ يَنْعَدِمُ فيه وذلك بسبب انفتاح «شهيّة» بعض الأطراف على النهب والابتزاز وقد زَادَ الأمر تَعْقِيدًا الهُوَّةُ المتعاظمة بين المواطن والشّأن العام بما ترك المجال فسيحا لفيالق وجحافل الانتهازيين والمغامرين للفَتْكِ بما بَقِي مِنْ وِحْدَةِ الدّولة وسيادة القرار الوطني وبتفرّد تونس بنموذج حضاري قطع أشواطا هامة على دَرْب المواطنة والمدنية والحداثة.
ماذا يجري في تونس؟ سؤال رَكِيكٌ لَوضْعٍ رَكيك ومَأزُومٍ، بطريقة غير مَسْبُوقَةٍ في تاريخ تونس وفي تجارب الشعوب والحضارات.
حِزْبٌ عَقَدَ العَزْمَ على الاستيطان في مفاصل الدّولة والادارة والحُكْمِ المحلّي وساعده في ذلك تشتت القوى السياسية والحزبية التي طغى عليها التشرذم وفَتَكَتْ بها الانتهازية والفساد وعَصَفَتْ بالبعض الآخر أحْلام «الثوريّة» الزائفة والانتظارية المقيتة والبُؤْسِ الفكري والسياسي لبعض قوى اليسار التي اختارت ان تلعب دور «التيّاس» لفائدة حركة «النهضة»، ان كان ذلك بوعي او بغير وَعْي، وكلّ هذا الوضع قاد الى ما عبّر عنه بامتياز المناضل الحقيقي والذي لم يُسَاوم وَلم يقايض نضالاته محمد الكيلاني اذ تساءل في نَبْرَةٍ تشكّكيّة وهو فيما قال على حقّ «هل للجمهوريين عنوان اسمه «الدفاع عن الجمهورية»؟»
وكاد يُجيب بِلَا ونحن معه في ما ذهب اليه من استخلاصات.
أي وَضْعٍِ هذا الذي نعيش؟! حزب «استيطاني» شَبَحُهُ يخيم على الدولة والمجتمع وجمهوريون في حالة اغماء واغفاءة انتهازية وحكومة تْرقُصُ على «طَار بُوفِلْسْ» بلا رُؤْيَةٍ ولا رَأْي ولا ذاكِرة وهي تُجارِي اليومي فقط وبطريقة بلهاء ، حُكُومة مريضة لجِسْمٍ مَرِيضٍ تأتي الشيء ونقيضه ولا ترى حرجا في ذلك اذ «ليس على المريض حَرَجٌُ».
وخلاصة القول أنّ البَاطِلَ بيّّنٌ والحقّ كذلك، فالنهضة اخْتَارت القَطْعَ مع التوافق بعد ان خَالَتْ نفسها مُمْسِكَةً بمفاتيح البلاد والعباد وهي بذلك فتحت الطريق أمام الآخرين لإيجاد حُلُولٍ بمَعْزَلٍ عنها اذْ هي اختارت الخروج عن الاجماع الوطني وآثرت مصالحها وهو خيار حركات الاسلام السياسي كلّما قرأت أن موازين القوة مالت لصالحها.. هي قرأت هكذا بذات الغباء الرّجعي الذي يوصلها الى حَفْرِ قَبْرها بِيَدِهَا..
قرأَتْ «النهضة» وقرأنَا ونحن خَيْرُ القارئين، إِذْ أنّ لهذا البَلَدِ عُنَوانًا قارّا هو الذكاء الذي لعب عبر تاريخ تونس الحافل دور المُنْقِذ عند الاقتضاء وساعة تتوه بالبعض السبل وتشتدّ بالبعض أعراض البُؤْس الفكري العقيم ـ بعض أطراف اليسار مثالا ـ لذلك نقول بعد القراءة أنّ «الذي يِحْسِبْ وَحْدو يفضلّو» كما يقول المثل الشعبي البليغ.
ومؤشرات هذا الكلام في ما تَمّ رَصْدُه في واقع الحياة السياسية والحزبية مِن محاولات لِرَأبِ صَدْعِ وَعْي تَصَدّعَ تحت ضربات التجاذبات السياسية والمصالح الضيقة، تحركت الأطراف مُنْبِئَةٍ برغبة في الخَلَاصِ مِن وَاقع قهر الفِكْر الرّجعي الذي يعزف بعيدا عن الاوطان والفكر الانتهازي الذي دَيْدَنُهُ الجَهْلُ وقِلّة المَعْروف التي تَصِلُ الى «قلّة الحياء» أحيانا..
الاتحاد العام التونسي للشغل حرّك السواكن من منطلق دوره الوطني.. ورئاسة الجمهورية أَزِفَتْ سَاعة اعلانها أن سُلطة الانتخاب تعلو ولا يُعلى عليها اذ الشعب والدستور فوّضا الرئيس التحرّك في الحالات القصوى والتي تهدّدُ وِحْدَةَ وتَمَاسُكَ الوَطَنِ والدولة والمجتمع..
ووحدة الدّولة تهدّدت فعلا… ووحدة المجتمع تهدّدت فعلا تحت طائل كمّ متشابك من البؤس السياسي والاقتصادي… بؤس سرت عدواه إلى كلّ شرايين المشهد العامّ، فأحدث في نفوس المواطنين همّا وغمّا وخوفا من القادم…
نعرف من هذه «الجموع» التي تضافر بؤسها الفكري والسياسي ليلوّث المشهد ويعفّن الأجواء، وكيف سيكون الخلاص من تمظهرها في شكل حزب يمسك بحكومة…
نعرف أصل الدّاء، ومن هي بالتحديد الأيادي التي عبثت بتركيبة السلطة حتّى تعلي منطق الصفقة والمقايضة على شرعيّة الانتخاب… وحتّى تنتزع القرار الحكومي من منبته السياسي، وتوظفه للحساب الخاصّ، الحساب الخاص الحزبي لحركة متعطشة للهيمنة والاكتساح، والحساب الخاصّ الشخصي لرئيس حكومة محدود الكفاءة السياسية، متضخّم الطموحات حتّى لا نقول الأطماع…
نحن تحديدا في وضع سياسي وسلطوي لا يشبه مطلقا، ميزان قوّته الفعلي المتأتي من انتخابات 2014… نحن تحديدا في وضع سلطة تمّ اغتصابها بالألاعيب، وأدمن القائمون عليها الآن بروبغندا الكذب والتزويق، وتنامت بداخلهم شهوة الانتقام من الآخر…
نحن تحديدا أمام حالة اجتماعية غير مسبوقة، ضرب فيها الخواء التنموي فأنتج الفقر المدقع، وضرب فيها الفقر المدقع فأنتج الغضب المتصاعد…
ونحن نعرف «الجموع» التي عمّقت الأزمة، وفاقمت الإشكال… نعرفها تماما.
ونقول مع شاعر تونس الكبير أحمد اللغماني مرّة أخرى ببلاغة ما قال:
«.. يا تونس الخضراء
(…( إنّي أخَافُ عَلَيْكِ مَنْ هَذِي الجُمُوعْ
تَأْتِيكِ فَوْجًا إِثْرَ فَوْج
في الوُجوهِ بَشَاشَةٌ و«اللّهُ أَعْلَمُ بالذي تُخْفِي الضّلوع…»

*** هاشمي نويرة رئيس تحرير الصحافة اليوم