قراءة متأنية في أرقام معهد الاحصاء

A La Une/Analyses/Economie

أثارت نشرية المعهد الوطني للاحصاء الصادرة يوم الاربعاء 15 أوت 2018 والمتعلقة بالنمو الاقتصادي للثلاثي الثاني للسنة الجارية تساؤلات واستغراب عديد الخبراء الاقتصاديين بخصوص نسبة نمو الناتج المحلي الاجمالي والتي بلغت حسب نفس المصدر ٪2،8 بحساب الانزلاق السنوي أي مقارنة بنفس الفترة من السنة الماضية و٪2،6 مقارنة بالثلاثي الاول من السنة الجارية، علما وانه خلال الثلاثي الأول من السنة الجارية حقق الناتج المحلي الاجمالي تطورا بنسبة ٪2،5 بحساب الانزلاق السنوي و٪1 مقارنة بالثلاثي الرابع لسنة 2017.
وحسب المعهد الوطني للاحصاء فقد جاء تطور الناتج المحلي الاجمالي بفضل مساهمة قطاع الفلاحة والصيد البحري الذي سجل تطورا بنسبة ٪9 خلال الثلاثي الثاني مقابل ٪11،9 خلال الثلاثي الأول من السنة الجارية. وقد لاحظت نشرية المعهد انه استقى هذه النسبة اعتمادا على البيانات السنوية التي تصدرها وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري بما يفسح المجال للتساؤل عن مدى مصداقية هذه البيانات ودقتها في ظل سعي حكومة الشاهد الى تلميع أداء أعضائها والتباهي بنتائج لا نجد لها أثرا في الواقع وخاصة واقع القطاع الفلاحي والصيد البحري الذي يعاني التهميش مقارنة بالتشجيعات والتحفيزات التي يشهدها القطاع في بلدان الاتحاد الأوروبي والتي يجب ان تشكل مرجعا أساسيا للوفد التونسي المفاوض في اطار مشروع اتفاق التبادل الحر الشامل والمعمق «الأليكا».
فتطور القيمة المضافة التي سجلها قطاع الفلاحة والصيد البحري خلال الثلاثي الاول من السنة التي بلغت ٪11.9 جاءت بفضل انتاج الزيتون الذي حسب نشرية المعهد الصادرة في شهر ماي 2018 والمتعلقة بالنمو الاقتصادي للثلاثي الأول من سنة 2018، تضاعف بأكثر من مرتين مقارنة بالموسم السابق وذلك طبعا حسب اخر البيانات الصادرة عن وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري، في حين التزمت النشرية الاخيرة المتعلقة بالثلاثي الثاني من السنة الجارية الصمت بخصوص مصادر وأسباب نمو القطاع، صمت يعمّق التساؤلات التي تحوم حول طريقة احتساب نمو القطاع الفلاحي وقطاع الصيد البحري حيث ان حركة أسعار منتوجاتهما التي انخرطت في نسق تصاعدي جنوني تعكس تراجعه اعتمادا الى قانون السوق الذي يعكس العلاقة بين العرض والطلب.
ان تراجع نسق ارتفاع مجموعة التغذية الذي سجله المعهد الوطني للاحصاء في نشريته الاخيرة المتعلقة بنسبة التضخم خلال شهر جويلية الماضي لا يعود الفضل فيه الى السيطرة على الاسعار بل الى تراجع الاقبال وتراجع المقدرة الشرائية للمواطن.
ومن المؤشرات التي تبقى في حاجة الى توضيحات بخصوص حقيقة آثارها على الناتج المحلي الاجمالي وعلى الاقتصاد الحقيقي الذي يشكل مصدرا حقيقيا لتطور الناتج المحلي الاجمالي، تلك المتعلقة بنمو قطاع الخدمات وخاصة قطاع الخدمات المالية. ففي فترات الازمات يحقق قطاع الخدمات المالية أكبر نسب نمو باعتباره المستفيد الأول من الازمات الاقتصادية في الاقتصاديات الليبيرالية وفي تونس لم يخرج القطاع المالي عن هذا السياق.
ففي الوقت الذي سجل فيه قطاع الخدمات بصفة عامة خلال الثلاثي الثاني من السنة تطورا بنسبة ٪3.6 حقق قطاع الخدمات المالية تطورا بنسبة ٪5.5 وهي نسبة تفوق بكثير نسبة نمو الناتج المحلي الاجمالي التي بلغت ٪2.6 وتفوق أيضا معدل نمو قطاع الخدمات الذي بلغ ٪3.6.
وتجد هذه المؤشرات ما يؤكدها في الأرباح التي حققها القطاع في السنوات الاخيرة والتي حافظت على نسقها التصاعدي من سنة الى أخرى بما يعمق هذه الفجوة بين الاقتصاد الحقيقي والقطاع المالي.
وفي باب قطاع الخدمات أيضا تعاملت نشرية المعهد الوطني للاحصاء مع قطاع الخدمات غير المسوقة بطريقة برقية مكتفية بالإشارة الى ان هذا القطاع الذي يمثل الخدمات المسداة من قبل الادارة والتي يتم احتسابها بناء على كتلة الاجور في القطاع العمومي، سجل نموا طفيفا قدر بـ ٪0.1.
فبعد ان كانت هذه النسبة تحوم حول ٪3.5 و٪2.6 في سنة 2016 وفيما بين ٪0.2 و٪0.6 في سنة 2017، انخفضت الى حدود ٪0.2 بالنسبة للثلاثي الاول من السنة والى حدود ٪0.1 خلال الثلاثي الثاني من السنة بما يفتح المجال أمام الحكومة للتباهي بنجاحها في الضغط على كتلة الاجور حسب توصيات صندوق النقد الدولي يوم وصول بعثة خبرائه الى تونس لمتابعة تقدم الاصلاحات الكبرى التي يشكل فيها الضغط على كتلة الاجور أحد محاورها الاساسية.
وفي انتظار ان يبوح المعهد الوطني للاحصاء بتفاصيل وتوضيحات بخصوص احتسابه للناتج المحلي الاجمالي تبقى الشكوك قائمة بخصوص حقيقة النمو الاقتصادي خاصة وان المنتمين لكل القطاعات المساهمة في الناتج المحلي الاجمالي وهي الفلاحة والصيد البحري، والصناعات المعملية، والصناعات غير المعملية والخدمات المسوقة باستثناء الخدمات غير المسوقة حيث اكتوت شريحة الموظفين بنار سياسة تجميد الاجور، لم تتمتع بآثار هذا التطور الايجابي الذي حققته هذه القطاعات حيث ان الضبابية التي تحوم حول هذه النسبة لا تصب الا في خانة المغالطات…

+++ جنات بن عبدالله