صمت مريب

Analyses/Economie/Tunisie

يبدو ان المستجدات المتعلقة بسعر صرف الليرة التركية امام الدولار الامريكي والاجراءات العاجلة التي اتخذتها الحكومة التركية لايقاف تدهور قيمة الليرة تقف وراء تحرك الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية في اتجاه البنك المركزي في اطار لقاء جمع أول امس الخميس 16 أوت 2018 وفدا عن منظمة الاعراف بمحافظ البنك المركزي تناول عديد الملفات وفي مقدمتها آليات الحد من تراجع قيمة الدينار وتوفير خطوط تمويل للمؤسسات الخاصة.

كما يبدو ان التحرك القطري المساند للحكومة التركية في مجال حماية الليرة التركية في صيغة ضخ 15 مليار دولار في شكل استثمارات مباشرة في تركيا اثار تساؤلات عدد من التونسيين ومقارنات مع شكل الدعم القطري لتونس لمساعدتها على الخروج من ازمتها الاقتصادية من خلال تقديم وديعة بـ500 مليون دولار تحولت فيما بعد الى قرض.

وبقطع النظر عن طبيعة الاسباب التي تقف وراء تدهور الليرة التركية والتي تدخل في اطار الحرب الاقتصادية بين تركيا وواشنطن، فان الملفت للنظر في هذا المستوى هو سرعة تحرك السلطات التركية من اجل حماية وانقاذ العملة الوطنية تحت عنوان حماية الامن القومي والذي يشكل فيه الامن النقدي احد مقوماته الاساسية.

والملفت للنظر أيضا في هذا المستوى الالتفاف الشعبي القوي الذي حظيت به حزمة الاجراءات التي اتخذتها السلطات التركية في حربها الاقتصادية ضد واشنطن نذكر من بينها مقاطعة المنتوجات الأمريكية والتوجه نحو ارساء سياسة صناعية تقوم على تعويض التوريد بالتصنيع استنادا الى الاستثمارات الاجنبية والشراكات.

في المقابل انطلقت رحلة انزلاق الدينار التونسي يوم 18 ماي 2016 حيث تراجع في ظرف وجيز بنسبة 3 % مقابل الأورو ليبلغ الأورو الواحد يوم 10 جوان 2016 مستوى 2،470 دينار.

ومنذ ذلك التاريخ لم تتحرك أي جهة ولا منظمة مهنية ولا نقابية للدعوة الى وقف نزيف الدينار باستثناء بعض الخبراء الاقتصاديين الذين اتهمهم رئيس الحكومة بالتشكيك في الانجازات الكبرى للحكومة على قياس «الاصلاحات الكبرى».

رحلة انزلاق الدينار التونسي جاءت على خلفية تخلي البنك المركزي عن تعديل سعر الصرف في السوق النقدية وتركه خاضغا لقانون العرض والطلب وذلك بناء على القانون عدد 35 لسنة 2016 مؤرخ في 25 افريل 2016 يتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي، وبالتحديد الفصل 7 منه المتعلق باهداف البنك المركزي ومهامه الذي ينص على : «يتمثل هدف البنك المركزي في الحفاظ على استقرار الأسعار والمساهمة في الحفاظ على الاستقرار المالي». مجردا بذلك البنك المركزي من إحدى مهامه التقليدية المتمثلة في الحفاظ على استقرار العملة الوطنية في الوقت الذي ان الأصل في الاشياء ان يحدد النص القانوني بكل وضوح ودقة مهام البنك المركزي كالتالي : «يتمثل هدف البنك المركزي في الحفاظ على استقرار العملة الوطنية ومقاومة التضخم وتحفيز الاقتصاد الوطني عبر آليات السياسة النقدية». وهي صيغة تم التخلي عنها وانخرط فيها مجلس نواب الشعب بتصويت 73 نائبا لفائدة مشروع القانون الأساسي للبنك المركزي.

مراجعة القانون الأساسي للبنك المركزي والتي روجت لها الحكومة انذاك على أنها تندرج ضمن تعزيز استقلالية البنك المركزي، جاءت بناء على شروط صندوق النقد الدولي مقابل حصول تونس على قرض بقيمة 2،9 مليار دولار والتي جاءت في رسالة النوايا التي وقعها وزير المالية ومحافظ البنك المركزي انذاك وتم ارسالها الى المديرة العامة لصندوق النقد الدولي بتاريخ 2 ماي 2016 وفيها اعتراف رسمي بان قيمة الدينار التونسي مبالغ فيها وبناء على ذلك تم التعهد بتنفيذ توصية الصندوق المتمثلة في «زيادة مرونة سعر الصرف لتحسين القدرة التنافسية الخارجية واعادة بناء الاحتياطيات الاجنبية».

لقد شرّعت السلطة التشريعية بمصادقتها على مشروع القانون الاساسي للبنك المركزي لانزلاق الدينار التونسي مكرسة بذلك مبدأ تخلي البنك المركزي عن السيادة النقدية وتخلي الدولة التونسية عن أمنها النقدي. ومن هذا المنطلق فان تحرك منظمة الأعراف اليوم في اتجاه البنك المركزي من أجل وضع حد لتراجع الدينار قد أخطأ العنوان باعتبار ان آليات الحد من تراجع الدينار في ظل القانون الاساسي الجديد للبنك المركزي أصبحت بيد السلطة التنفيذية في باب سياسة المالية العمومية وسياسة التجارة الخارجية.

من جهة اخرى وبخصوص الدعم القطري لتركيا نعتقد ان مقارنته بالدعم الذي وجه الى تونس في عهد الترويكا قابل للقراءة كما ان التساؤل بخصوص حجمه يبقى هو ايضا قابل للطرح ولكن من زاوية العلاقات الدولية.

فبصفة عامة تخضع العلاقات الدولية للمصالح ا لمشتركة والقدرة التفاوضية.

وحتى لا ندخل في تفاصيل العلاقات الثنائية القطرية ـ التركية وتاريخها، فقد جاء الدعم القطري في حجم التحديات التي تواجهها تركيا والتي نجحت في تسويقها للرأي العام الداخلي والخارجي من جهة، كما نجحت في توظيفها لتعزيز الثقة بين السلطة السياسية والشعب التركي من جهة ثانية.

اما في تونس فقد كشفت السنوات السبع بعد الثورة ضعف الديبلوماسية الخارجية التونسية في التسويق للثورة التونسية وفي استقطاب الدعم الخارجي بعيدا عن التسول، والمقايضة.

ان الخروج اليوم للقيام بعملية المقارنة هو خارج كل السياقات وغير مقبول خاصة من زاوية العلاقات الدولية والتي يجب ان تبقى خاضعة لمقومات السيادة الوطنية.

+++ جنات بن عبدالله