قراءة هادئة في بيان الرعب حول الاصلاحات الموجعة

A La Une/Analyses/Economie/Tunisie

حدد البيان الصادر عن بعثة صندوق النقد الدولي في نهاية زيارتها الى تونس والتي امتدت من 15 الى 31 اوت 2018 في اطار استكمال المراجعة الرابعة لتقدم برنامج الاصلاحات الكبرى التي اقرها الصندوق لإنقاذ الاقتصاد الوطني، كما يروج له، مقابل الحصول على قرض في اطار اتفاق تسهيل الصندوق الممدد بقيمة 2.9 مليار دولار، حدد في بيانه الاخير متطلبات وتحديات المرحلة القادمة والتي سيغطيها قانون المالية لسنة 2019 وذلك من وجهة نظره التي تقوم على ضمان التوازنات المالية الداخلية المرتبطة بعجز ميزانية الدولة والخارجية المرتبطة بعجز الميزان التجاري وعجز ميزان المدفوعات في اطار مقاربة ليبيرالية تتعاطى مع البعد الاجتماعي كعنصر ثانوي ومكمل يسوّق له الصندوق لامتصاص غضب الشعوب والتشويش وقطع الطريق امام التحركات النقابية والحركات الاجتماعية.
وعشية صياغة هذا البيان وبالتحديد يوم الاربعاء 29 اوت 2018 خرج وزير الاصلاحات للاعلان ظاهريا للرأي العام الداخلي، في حين أن المستهدف الاساسي هي الجهات الخارجية المقرضة لتونس والممولة لميزانية الدولة، ان نسبة النمو المتوقعة لسنة 2019 ستقفز من ٪2.5 منتظرة في سنة 2018 الى ٪3.5 من جهة، وأن عجز ميزانية الدولة سينخفض من ٪4.9 من الناتج المحلي الاجمالي منتظرة في سنة 2018 الى ٪3.9 من جهة أخرى، كاشفا بذلك عن الفرضيات الاساسية التي سيتم اعتمادها في مشروعي ميزانية الدولة وقانون المالية لسنة 2019 وذلك من منطلق ان اعداد هذين المشروعين يعتمد على أربع فرضيات تتمثل في نسبة النمو وعجز ميزانية الدولة وسعر النفط على المستوى العالمي وسعر صرف الدينار مقابل الدولار الامريكي. وتعتبر هذه الفرضيات الإطار العام للتوازنات المالية الداخلية المرتبطة بعجز ميزانية الدولة والخارجية المرتبطة بميزان المدفوعات، والتي على ضوئها يتم ضبط الاعتمادات المالية التي يتم توظيفها لتطبيق سياسة الحكومة في مجالات التأجير والدعم في باب ميزانية التصرف من جهة، والمشاريع العمومية في باب ميزانية التنمية من جهة ثانية، وتسديد الدين الخارجي من جهة ثالثة.
وقد اتسمت قوانين المالية منذ الثورة الى اليوم بفشلها او لنقل بتعمد الفشل في ظل غياب المساءلة والمحاسبة والمتابعة في ضبط فرضيات واقعية أو هي أقرب الى الواقع الصعب واللجوء في منتصف كل نصف سنة مالية الى اقرار قانون مالية تكميلي لتعديل الميزانية ومراجعة نسبة النمو نحو التخفيض وبقية الفرضيات ممثلة في عجز الميزانية وسعر البرميل من النفط وسعر صرف الدينار ومراجعتها نحو الترفيع بما يسقط توقعات الميزانية التي صادق عليها مجلس نواب الشعب بناء على نقاشات وتجاذبات سياسية، ويلغي كل النوايا الصادقة للحكومة لتحقيق الرفاه للمواطن والمناخ الملائم للانتاج.
واستنادا الى نسبة النمو المتوقعة للسنة القادمة ومستوى عجز ميزانية الدولة وطبيعة تطور هذين المؤشرين وحجم هذا التطور نكتشف ان حكومة الشاهد قد نجحت في تنفيذ سياسات صندوق النقد الدولي والاتحاد الاوروبي الممولين الأساسيين لميزانية الدولة التونسية وان الاقتصاد التونسي قد دخل مرحلة الانتعاشة وخرج من حالة الركود التضخمي بما يكشف عن قدرة هذه الحكومة على السيطرة على التوازنات المالية الداخلية والخارجية.
فتحقيق قفزة كمية ايجابية بنقطة مائوية كاملة في نسبة النمو، والتخفيض في عجز ميزانية الدولة بنقطة مائوية كاملة لا يمكن ادراجه الا ضمن منطق «المعجزة التونسية» مائة بالمائة خاصة في ظل التطورات الاقليمية والعالمية التي تؤثر على أسعار النفط والمواد الأساسية في الأسواق العالمية، وفي ظل حالة عدم الاستقرار في الداخل وفي الجوار والتي يبدو أن حكام تونس الجدد لا يعترفون بها ولا تدخل ضمن المعطيات التي تؤثر على فرضيات اعداد الميزانية وقانون المالية.
وفي ذات السياق لم يكشف وزير الاصلاحات عن طبيعة السياسات والاجراءات التي وضعتها حكومة الوحدة الوطنية لتحقيق هذه «المعجزة التونسية» ليس سهوا منه ولكن لأن خارطة الطريق جاهزة ويكفي العودة الى رسالة النوايا التي بعث بها وزير المالية ومحافظ البنك المركزي انذاك والموقعة بتاريخ 2 ماي 2016 الى المديرة العامة لصندوق النقد الدولي ورسائل النوايا التي التزمت بها الدولة التونسية في تواريخ لاحقة، وقرار البرلمان الأوروبي الصادر بتاريخ 14 سبتمبر 2016 والذي حدد في 70 نقطة مسار السياسات الوطنية في جميع المجالات الاقتصادية والمالية والنقدية والاجتماعية والثقافية مقابل الحصول على تمويلات من الاتحاد الأوروبي لضخها في ميزانية الدولة حيث تتناغم وتتكامل هذه السياسات والشروط في ما بينها باعتبار أن الغاية هي واحدة وهي الحفاظ على مصالح الشركات العالمية في السوق التونسية كبوابة للأسواق المجاورة والسوق الافريقية.
ولئن اقتصر تصريح وزير الاصلاحات عشية صياغة بيان بعثة خبراء صندوق النقد الدولي على الاعلان عن تعهد الحكومة بالتخفيض في عجز ميزانية الدولة والتباهي بتحقيق نسبة نمو بـ 3.5 % للناتج المحلي الاجمالي، فقد عاد الى الواجهة الاعلامية غداة صدور بيان البعثة يوم السبت 1 سبتمبر 2018 للاعلان عن ان المفاوضات مع صندوق النقد الدولي كانت صعبة للغاية معتبرا اعلان ما سماه «باتفاق الخبراء» اعلانا عن موافقة صندوق النقد الدولي وارتياحه للسياسات المتبعة من قبل الحكومة في المجالين المالي والنقدي.
وفي الوقت الذي تجني فيه حكومة الشاهد الرضى والارتياح من قبل خبراء صندوق النقد، يتقبل المواطن صدمات قصف ارتفاع اسعار المحروقات والحديد، والمواد المدرسية، وصدمات قصف منتظرة أعلن عنها خبراء الصندوق في بيانهم الأخير الذي تحول الى بيان رعب وابادة لمقدرة شرائية تختنق وقدرة تنافسية تحتضر.
ففي بيان «الرعب» طالب صندوق النقد الدولي، في انتظار اجراء المراجعة لتسريح القسط الخامس من القرض، بتسريع وتيرة ارتفاع الأسعار من خلال اقرار زيادات شهرية ورفع اسعار الكهرباء، كما طالب بضرورة رفع سعر الفائدة المديرية للبنك المركزي في اجراء استباقي للتحكم حسب رأيه في انزلاقات محتملة للتضخم خلال الاشهر المقبلة، وذلك بالتوازي مع اصلاحاته الكبرى التي تقوم على تجميد الأجور في الوظيفة العمومية وتجميد الانتدابات لمزيد الضغط على كتلة الأجور، وتقليص اعتمادات الدعم في الميزانية، وتقليص تدخل الدولة في القطاعات ذات البعد الاجتماعي من تعليم وصحة ونقل، … في اطار سياسة تقشف لا تراعي البعد الاجتماعي وتقوم على المعايير المالية وتطال المؤسسات العمومية.
ولئن نتفهم مقاربة صندوق النقد الدولي في تونس في اطار برنامج الاصلاحات وحرصه على الحفاظ على التوازنات المالية باعتبار ان خبراءه يزورون تونس ويقيمون في مكاتب مغلقة ويتواصلون مع الاقتصاد التونسي عبر ارقام تعرضت الى «مجزرة» الادارة في ظل التوظيف السياسي للمعلومة الاحصائية، فاننا نتساءل عن أسباب هذا الانصياع الأعمى لحكام تونس الجدد في مسار صندوق النقد الدولي الذي لم يخلف وراءه منذ ثمانينات القرن الماضي وفي كل البلدان التي تدخل فيها بما في ذلك اليونان الا الدمار والخراب لشعوبها واغراقهم في الفقر والمرض والجهل والتخلف، وفتح الطريق بفضل قوانين الاستثمار والمنافسة والنظام الأساسي للبنوك المركزية ومجلات المحروقات والصرف، للشركات العالمية للهيمنة على السوق الداخلية من خلال وكلاء وعملاء لهم يستأثرون بثمار نسب وصلت الى مستويات خيالية بلغت مثلا في أثيوبيا 10 % حيث فتح الصندوق للشركات العالمية كل الطرق، الا انه لا أثر لهذه النسبة في حياة المواطن.
وفي تونس وفي ظل انخراط حكومة الشاهد الاعمى في المسار الاصلاحي للصندوق، فان التحكم في التوازنات المالية عبر آليات ومقاربة صندوق النقد الدولي، حسب التجربة التونسية وفي عديد البلدان المماثلة، يمر حتما عبر سحق المقدرة الشرائية وتدمير منظومة الانتاج الوطنية في غياب احزاب سياسية وطنية تحتكم للعقل الوطني النظيف من سموم نظريات اقتصادية ومالية صممت على مقاس الشركات العابرة للقارات.

*** جنات بن عبدالله