هل فرطت الدولة في قطاع الألبان

A La Une/Analyses/Economie/Tunisie

حرصا منه على تعديل السوق التونسية من مادة الحليب خرج وزير التجارة ليعلن عن اللجوء الى التوريد لمواجهة النقص في كميات الانتاج بعد ان شهد المخزون الحالي انخفاضا بنسبة ٪50 مقارنة بالسنة الماضية.
وقبله بأسبوع وتحديدا يوم 1 سبتمبر 2018 وبعد اصدار خبراء صندوق النقد الدولي لبيانهم المتعلق بتقييمهم لتقدم برنامج الاصلاحات الكبرى في تونس والذي بمقتضاه ستتحصل تونس على القسط الخامس من قرض «تسهيل الصندوق الممدد» بقيمة 2.9 مليار دولار، خرج وزير الاصلاحات ليعلن عن ان هذه الموافقة من صندوق النقد الدولي ستفتح الطريق امام قروض اخرى ومنها قرض من البنك الدولي يقدر بـ500 مليون دولار والذي حسب تصريحه كان البنك الدولي قد علق صرفه في انتظار نتائج المفاوضات مع الصندوق مضيفا ان اتفاق الخبراء يؤدي ايضا الى تسهيل خروج تونس للاسواق المالية للحصول على قرض رقاعي وافق عليه مجلس نواب الشعب يقدر بألف مليون دولار الى جانب صرف القروض المتأتية من المؤسسات الدولية المانحة التي تتجاوز قيمتها الجملية 400 مليون دينار».
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار تفاقم عجز الميزان التجاري الذي بلغ حسب نشرية المعهد الوطني للاحصاء الصادرة هذا الاسبوع حول التجارة الخارجية بالاسعار الجارية للاشهر الثمانية الاولى من السنة الحالية مستوى قياسيا بلغ 12 الف مليون دينار حسب طريقة الاحتساب المغلوطة التي تعتمد دمج المبادلات التجارية للشركات الخاضعة للنظام العام وهي الشركات المقيمة والشركات الخاضعة لنظام التصدير الكلي وهي الشركات غير المقيمة وغير المطالبة باسترجاع مداخيل صادراتها حسب قانون الصرف الجاري وبالتالي لا أثر لمداخيلها في الاحتياطي من العملة الصعبة الذي تراجع الى مستوى قياسي وصل الى 69 يوم توريد بما يهدد البلاد بعدم تسديد ديونها الخارجية وتأمين الحاجيات الاساسية من حبوب وادوية ومحروقات.
وبالرجوع الى طريقة الاحتساب التي تأخذ بعين الاعتبار علاقتها بالاحتياطي من العملة وبميزان المدفوعات فقد تجاوز عجز الميزان التجاري للاشهر الثمانية الاولى من السنة 18 ألف مليون دينار وهو مستوى خطير يكشف عن ان الاحتياطي من العملة هو دون 69 يوم توريد.
خطورة هذه الارقام على التوازنات المالية الخارجية وعلى ارتهان تونس للخارج لم تدفع حكام تونس الجدد الى تصحيح خياراتهم، ان كانت لهم خيارات، أو برامجهم، ان كانت لهم برامج، لإيقاف نزيف التوريد ونزيف اللجوء الى الاقتراض الخارجي. وفي الوقت الذي يفترض فيه الوضع في تونس، خاصة بعد الثورة، الوقوف الى جانب الانتاج الوطني ودعم قطاعات الانتاج وحماية نسيجنا الاقتصادي في اتجاه تقليص الاعتماد على التوريد لتغطية حاجيات السوق الداخلية حيث غطى التوريد، على سبيل المثال، ايام العودة المدرسية وحسب ارقام رسمية ٪90 من حاجياتنا من المواد المدرسية، وما يعنيه ذلك، اي تدعيم الانتاج الوطني، من تأمين لمواطن الشغل وموارد جبائية لميزانية الدولة وديناميكية في السوق الداخلية عوض تبني حكام تونس الجدد هذا التوجه، نراهم يهرولون الى الخارج.
فوزير الاصلاحات لا يتردد في تعميق سقوط تونس في مستنقع القروض الخارجية المشروطة، ووزير التجارة لا يتردد في خدمة لوبيات التوريد وفتح الطريق امامهم لاستنزاف الاحتياطي من العملة الصعبة لتوريد الحليب.
اننا نتساءل عن احصائيات وزارة الفلاحة والصيد البحري المتعلقة بحجم الانتاج لكل المنتوجات الفلاحية، فهي الجهة المسؤولة عن التخطيط، ووضع التقديرات لاتخاذ الاجراءات اللازمة لتأمين حاجيات السوق الداخلية.
وفي موضوع الحليب كل المؤشرات كانت تؤكد تراجع المخزون بما يفترض من وزارة الفلاحة التحرك في اتجاه وضع كل الاليات للوقوف الى جانب قطاع الألبان والقطع مع اللجوء الى التوريد في ظل تراجع الاحتياطي من العملة الصعبة بما يجنب بلادنا السقوط في فخ الاتحاد الاوروبي الذي يروج اليوم لبرنامج تأهيل القطاع الفلاحي على غرار تأهيل القطاع الصناعي الذي موله الاتحاد في اطار اتفاقية الشراكة لسنة 1995 والذي نجني اليوم نتائجه الخطرة على قطاعنا الصناعي الذي تم تدميره ليقتصر القطاع على وجود وحدات انتاج تعمل في اطار المناولة، وخاضعة لنظام التصدير الكلي.
ان النقص المسجل في مخزون مادة الحليب يكشف عن فشل وزارة الفلاحة في التعاطي مع قطاع الالبان، وهو فشل ممنهج ويفتح الطريق امام تدمير القطاع من جهة، ومن جهة أخرى امام الاتحاد الاوروبي ليبرر ويسوّق لسياسة التأهيل ونجدة القطاع الفلاحي كما كان الشأن مع القطاع الصناعي التونسي الذي لا نجد له أثرا اليوم رغم الاعتمادات التي وفرها الاتحاد الاوروبي والتي ذهبت كلها للشركات الاوروبية المنتصبة في تونس والتي تستفيد من الامتيازات المالية والجبائية ولا نجد لمداخيل صادراتها اثرا في الاحتياطي من العملة الصعبة.
ان توريد 10 ملايين لتر من الحليب والذي يمثل أقل من 5 ايام استهلاك هو مؤشر على التفريط في قطاع الالبان وتخلي الحكومة على القطاع الفلاحي بصفة عامة بما يترك المجال امام الاتحاد الاوروبي لاستكمال المفاوضات حول تحرير القطاع الفلاحي في إطار « الأليكا » في الآجال التي حددها رئيس الحكومة يوسف الشاهد في غياب قوى وطنية تتصدى لتدمير القطاع.

+++ جنات بن عبدالله