هل يدحرج السبسي كرة الثلج -بقلم سامي بن سلامة

A La Une/Edito/Politique/Tunisie
لسنا معنيين كمواطنين بالخصومات المندلعة بين مختلف الفاعلين السياسيين ولكننا مهتمون بمآلاتها وبتأثيراتها على استقرار تونس وأمن شعبها وسلامة ترابها الوطني.. أجرى يوسف الشاهد رئيس الحكومة ليلة أمس تحويرا شمل عديد المناصب الحكومية استفادت منه حركة النهضة أساسا.. ولم يحترم فيه لا الدستور..فالدساتير تحمل فلسفة ونوعا من التناسق بين فصولها تفرض أنك وإن نلت منصبا سياسيا معينا فإنه لا يمكنك أن تبقى فيه إن فقدت ثقة ودعم من كلفك ومن عينك.. فلا يمكن تخيل أن ينقلب الوزير الأول الفرنسي على رئيسه وعلى حزبه ويبقى في الحكم للحظة ولو ساندته جميع الأحزاب الأخرى.. ولم يحترم فيه حتى أبسط التقاليد والأخلاق السياسية (لا يمكن أن يتم تحوير الحكومة ويكون الرئيس آخر من يعلم في أية دولة في العالم).. ويوسف الشاهد أرسى هنا وفي وضع انتقال ديمقراطي نبني فيه أسس دولة حديثة وديمقراطية ممارسات سيئة وتقاليد غير ديمقراطية وغير سوية، ستكون لها انعكاسات خطيرة جدا في المستقبل القريب..
فقد انقلب بذلك رسميا على من عينه في ذلك المنصب السامي.. وعوض إجراء التحوير للمساعدة في حلّ الأزمة السياسية، فإنه تسبب في الواقع في زيادة تعميقها وإضافة أزمات أخرى أعمق منها.. تسبب الباجي قايد السبسي بإرادته الحرّة في الوضع الصعب الذي وصل له شخصيا وفي حالة التردي الذي وصلت له البلاد.. فهو من فرض ابنه الذي أصبح اليوم الحجة الرئيسية لكي ينضم العديدون للشاهد ضده.. وهو من تحالف مع الحركة في خيانة تاريخية لإرادة من انتخبه وهو من فرض يوسف الشاهد رئيسا مفاجئا للحكومة..
وانقلاب الشاهد عليه يحمل وجهين.. إذ أنه انقلاب تلميذ طعن معلمه وصاحب الفضل عليه.. وهو بالتالي يمثل عملية غدر لا غبار عليها..ولا يمكن بالتالي الاطمئنان بتاتا إلى من يتخذ طريق الغدر سبيلا… لأنه قد يغدر بوطن كامل متى اقتضت مصلحته ذلك.. وهو كذلك وأساسا انقلاب نهضاوي بامتياز.. خططت له ونجحت فيه الحركة ولم يكن للشاهد الذي فشل في إدارة الدولة أن يبقى ربع ساعة آخر في منصبه لو لم تستغله الحركة في تطبيق جميع مخططاتها.. لا خيارات كثيرة لقائد السبسي في الحقيقة لرد الفعل.. فلا يمكنه رفض تأدية الوزراء اليمين الدستورية أمامه، لأن ذلك قد يعمق الأزمة ولن يخدم صورته ولا هيبة ما تبقى من دولته.. ولا يمكنه مصارحة الشعب بحقيقة الوضع، لأن من عاداته التي لا يمكنه التخلي عنها إرسال الرسائل المشفرة التي لا يفهم منها الكثير.. ولا تضمن تعاطفا ومساندة شعبية واضحة… فشعبنا غير متعود على فك الشفرات السرية.. فلا يمكنه بالتالي خوض معركة سياسية طويلة الأمد لتدعيم وضعه السياسي، لأنه غير قادر على ذلك لا بدنيا بحكم سنه رغم احتفاظه بقدرات عقلية استثنائية ولو أنه أساء استخدامها.. ولا حتى سياسيا لغياب طاقم مستشارين في مستوى تلك المعركة.. وحتى تفكيره في الدفع بوزراء الدفاع والخارجية أو أحدها للاستقالة لن يمكنه من تعطيل الحكومة ولا من استرجاع زمام المبادرة..
الحل الوحيد الماثل أمامه للتحرك بأقل مجهود ممكن، هو البدء في إضعاف المنقلبين عليه بطريقة مباشرة… ومتى ضعفت النهضة ضعفت حكومتها… وضعف رئيس حكومتها.. لن يتم ذلك بغير فتح الأجهزة التي تقع تحت سلطته وهي كثيرة، ملف الجهاز الخاص لحركة النهضة بصفة واضحة ومباشرة وكشف علاقتها إن وجدت بالاغتيالات السياسية.. فكرة الثلج التي ستنبثق عنها هي الكفيلة وحدها بتعديل الأوضاع.. تلك هي ورقته الوحيدة.. ولكن من المستبعد جدا أن يفعل ذلك لعدة اعتبارات ومنها ردود الفعل المحتملة عليه وعلى عائلته رغم التعاطف الشعبي الكبير الذي يمكن أن يجنيه من كشف حقائق لا يمكن أن يستمر المسار الانتقالي بالتعتيم عليها..