حول استقلالية دائرة المحاسبات

A La Une/Edito/Tunisie

التقديس والتأليه في مقابل التدنيس والشيطنة.. لا وجود لتوازن في بلاد لا يستعمل فيها العقل إلا نادرا… وتتخذ فيها المواقف بناء على عواطف جياشة…
دائرة المحاسبات ليست مستقلة وهي ليست محايدة.. وكما كل الجهاز القضائي تخضع للسياسة وإن بطريقة غير مباشرة…
أعطيتكم مثالا مباشرا بالأمس حول تصرف الدائرة تجاه هيئة الانتخابات الأولى التي ساهمت الدائرة في تشويهها وشيطنتها وتحويل الأنظار عن انجازها لفائدة الترويكا وبتعليمات من الجبالي شخصيا… كما ساهمت في تسليمها بطريقة غير مباشرة لحركة النهضة وللمحاصصة الحزبية الفجة التي تشاهدون نتائجها في وضع الهيئة الحالية المقرف…
أعطيتكم مثالا حيا حول تكلفة تسجيل الناخب الواحد التي لم تتجاوز دينارا وثلاثمائة مليم سنة 2011 فأقامت الدائرة الدنبا ولم تقعدها بأوامر « عليا ».. وبين صمت الدائرة المطبق بأوامر « أعلى » أمام تكلفة تسجيل ناخب واحد تجاوزت ثلاثة وأربعين دينارا سنة 2014…
قضاة الدائرة في أغلبهم بيروقراطيون لا يفقهون شيئا في الأمور التقنية ويطلقون أحكاما بناء على أرقام جافة لا تراعي خصوصية المؤسسات وطبيعة العمل فيها…
لا أتحدث عن الجانب المالي أو عن السرقات بل أتحدث عن الجوانب التقنية والفنية التي لا يمكن فهمها إلا انطلاقا من خاصيات العمل في المؤسسات المعنية…
تونيسار شركة فاشلة وخدماتها رديئة جدا ورئيسها فاشل… ولكن طالما أن الدائرة بقيت تعمل بفكر جامد وآليات عمل غير ملائمة لخصوصيات المؤسسات ولا تحوي مختصين في مجال النقل الجوي وخاصة فيما يتعلق بقطع الغيار وطريقة تقديم الخدمات.. فلا يمكن الوثوق باستخلاصاتها ولا بتأويلاتها…
دائرة المحاسبات هي نموذج مصغر لحالة بائسة وصل لها القضاء في بلادنا…
يمكن تفهم غضب التونسيين عموما من تكاثر حالات سوء التصرف والسرقات والتلاعب في تسيير المؤسسات العمومية وتنامي الفساد… وما يدفع له ذلك من أخذ تقارير الدائرة كقرآن منزل لتصفية حسابات مع السلطة أو طرف سياسي معين… ولكن الواقع يفرض علينا المطالبة بمراجعة آليات عمل الدائرة قبل كل شيء… وإخضاعها إلى تدقيق شامل فيما يتعلق بوضعها الحالي يستخلص تشخيصا لمواطن الخلل فيها وحلولا لكيف نريدها أن تكون… ونريدها أن تكون مستقلة فعلا وممتلكة لآليات رقابة ناجعة…
ولمن لا يعجبه ما كتبت سؤال بسيط جدا: أين موقف الدائرة من تكلفة تسجيل ناخب واحد تجاوزت 43 دينارا ومن مختلف التجاوزات التي شهدتها هيئة الانتخابات باعتراف رئيسها وأعضائها في خصومتهم وتقاريرهم العلنية ومن 2014 إلى اليوم ؟؟؟ لا شيء… فقط إعلان وجود سوء تصرف إداري ومالي ولكنه لا يرقى إلى مستوى الفساد… هل نسيتم ؟

*** بقلم سامي بن سلامة