قتلة صالح بن يوسف بورقيبة يروي…

A La Une/Tunisie

في الجزء الأول من مجموعة كتب ستصدر قريبا تحت عنوان دولة الاستقلال يعود محمد علي الحباشي الكاتب والمؤرخ التونسي الى الصراع البورقيبي اليوسفي ويكشف وثيقة هي عبارة عن شهادة حية بلسان الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة ضمن سلسلة محاضراته أمام طلبة معهد الصحافة في مفتتح السنة الجامعية 1973- 1974، كشف الرئيس الحبيب بورقيبة عن عديد التفاصيل التي كان مسكوتا عنها، وتعرض في محاضرته التاسعة إلى ظروف اغتيال صالح بن يوسف في مدينة فرنكفورت الألمانية في صائفة 1961، في وقت كان فيه الرأي العام في تونس منشغلا بحرب بنزرت ومخلفاتها.

وجاء في نصّ المحاضرة:  » أصر صالح بن يوسف على موقفه وأصبح يجوب أطراف الدنيا صحبة زوجته وأولاده موجها حملاته إلينا، ووضع جمال عبد الناصر كل الإمكانيات تحت تصرفه عن طريق سفاراته في الخارج التي كانت تمده بالأموال وتهيئ له محلات الإقامة إلى أن حان أجله في مدينة فرنكفورت بألمانيا. والمعلوم أن كثيرا من الناس يتهمون البشير زرق العيون بقتله بينما هو لم يدخل ألمانيا قط، بل كان في سويسرا، فقد توجه رجلان من الساحل لعلهما من الوردانين أو مساكن إلى صالح بن يوسف وقالا له إننا ضابطان بالجيش ونحن على استعداد لاغتيال الرئيس بورقيبة، فابتهج بذلك قائلا: « هذا ما أنا في انتظاره بفارغ الصبر ». ويضيف بورقيبة: « كنت قد قابلت بن يوسف في سويسرا إثر استرجاع قاعدة بنزرت وقلت له: « ما موقفك الآن بعد خمس سنوات وأنت مثل من يناطح صخرة، يتعب نفسه بلا فائدة وها نحن قد استرجعنا الآن قاعدة بنزرت، فقال إن ذلك كان بفضل معارضتي، فعبرت له عن استغرابي لتمسكه بموقفه العنيد، وقد همّ لمصافحتي فانتهرته، وكانت زوجتي إلى جانبي ففوجئت به يقف على مقربة منها، وكان يرتدي معطفا وسألته ما إذا كان مصرا على أن يتم اغتيالي بمسدس صامت أو بالسّم، وقلت له: أهذا هو جزاء ما فعلته معك؟ ألا تتذكر موقفك عندما كنت في برج البوف، عندما أمضيت مع الجماعة على رسالة الاستسلام؟ والتمست من صغر سنك عذرا ومنحتك ثقتي وعيّنتك كاتبا عاما للحزب.وقد عثرنا فيما بعد على رسالة كان قد وجهها إلى بن حمزة سلمها لنا بنفسه على ما أذكر يقول له فيها: إن قضية القتل بالمسدس الصامت أو السم لا يعرفها غيرك، فهل خنت الأمانة؟ لقد اتصل به الضابطان المزعومان وعبّرا له عن عزمهما على القضاء عليّ فقبل العرض، وكان صالح بن يوسف على موعد مع البشير زرق العيون بألمانيا بعد أن رفض هذا الأخير عرضه إجراء المقابلة بمصر، وقبل أن يكون اللقاء بلبنان، وكتب في برقية وجهها إليه: إن كانت لك ثقة في شخصي فليكن لقاؤنا في فرنكفورت. ولم يسافر البشير زرق العيون الى ألمانيا بل توجه إليها الشخصان المذكوران، ونظرا لأهمية المهمة التي جاءا من أجلها عرضا عليه الصعود إلى غرفة بالنزل لتنظيم الخطة، وبحلولهم بالغرفة صوب أحدهما المسدس إلى أذنه وأرداه قتيلا، وخرجا وقفلا الباب وتوجها حالا إلى المطار وعملا بإشارة البشير زرق العيون الذي أوصاهما بامتطاء طائرة مهما يكن اتجاهها، وركبا طائرة متوجهة إلى سويسرا ومنها توجها إلى إيطاليا.وكان البشير زرق العيون في ذلك الوقت معصّب اليد من جراء حادث حصل له وتقابل مع بعض أبناء جربة في إيطاليا فأخذ منهم تذكرتين سلمهما إلى الشخصين وعاد بهما فورا إلى تونس.في تلك الأثناء كانت زوجة صالح بن يوسف، وقد تغيّب عنها زوجها حتى الساعة الثامنة، قد خاطبت إدارة الأمن وتم اكتشاف الجثة وتدخل اليوليس الدولي في الأمر.وقد طلبت من حسن بن عبد العزيز أن يبحث عن هذين الشخصين الجريئين ويقدّمهما لي لأقلّدهما وساما مكافأة لهما ».

[مقتطفات من الجزء الأول من « دولة الإستقلال ». 3 أجزاء. تحت الطبع.]