شكري

شكري المبخوت الفقهاء يحبسون المجتمع

in Non classé by

قال شكري المبخوث، الأديب التونسي، إن « أعماله الروائية تتجاوز اصطفافات اليمين واليسار، وتتجه نحو البحث في المسارات الفردية عن الحرية »، مسجلا أنها « تعكس نماذج بشريّة ثريّة متنوّعة، وهي قضيّة من عرفهم من أبناء جيله الذي خطا خطوات في طريق تحرّره، لكن بعدها جاء الإحباط والفشل ».

وأضاف المبخوث، الحاصل على جائزة بوكر للرواية العربية سنة 2015، في حوار مع جريدة هسبريس الإلكترونية،المغربية أن « الفشل الذي أصاب مختلف التجارب اليسارية مادة جيدة على مستوى التناول الروائي »، مؤكدا أن « شخوص أعمال « الطالياني » و »باغندا » و »مرآة الخاسر » و »السيدة الخاسرة » تبحث كلها عن سبيل لصياغة معنى الحياة والخلاص من أزمة دفينة، وتاريخ مثقل بالوجع كتبه المجتمع على أجسادهم ».

إليكم نص الحوار كاملا:

نجاح رواية « الطالياني » كان لافتا جدا، وربما تفردها دفعك إلى المضي أكثر نحو « باغندا »، و »مرآة الخاسر »، لكن أكثر ما طبعها هو مركزية الشخصيات البطلة (عبد الناصر – زينا)، هل كان اشتغالك الأكاديمي على « السيرة الذاتية في الأدب » مؤثرا في عملك الروائي؟ أم أنك تؤسس لشخوص تحتفظ بها ذاكرة القراء على شاكلة ونستون في 1984، وراسكولينكوف في « الجريمة والعقاب »؟.

هذه الروايات الثلاث، وأضيف إليها القصّة الطويلة « السيّدة الرئيسة » (حوالي 60 صفحة)، في المجموعة التي تحمل اسمها، مترابطة من جهات كثيرة، ولعلّ عبد الناصر الطلياني هو أوضح هذه الروابط.. وحين أنظر إليها الآن أجدها قد كتبت، في ذهني على الأقلّ، مجتمعة؛ فهي تتناول بعض التحوّلات في المجتمع التونسي من الثمانينات إلى التسعينيات والسنوات القليلة الأولى من الألفيّة الجديدة.

لكن هذا الغرض العامّ لا معنى له إلاّ بالتخييل الأدبيّ. وقد وجدت لحسن الحظ في شخصيّة الطلياني المركّبة التي لا أخفي أنها فتنتني مثلما فتنت قرّاء كثيرين، ممكنات سرديّة ثريّة تفتح آفاقا واسعة لتناسل الحكايات. لا أحبّ أن أزعم أنّها من صنف الروايات التي تقوم على ثلاثيّات أو رباعيّات، لكنّ حسب بنية الشخصيّة وتوجّهات السرد في « الطلياني » و »مرآة الخاسر » يمكن أن أنجز رباعيّة أو خماسيّة بكلّ يسر تصل بنا إلى تونس اليوم.

إنّه مشروع مغرٍ ومرهقٌ ولا شك، لكن لا أدري قد أنجزه إذا سمحت اللياقة السرديّة، إن صحّ التعبير، حتى لا تتحنّط الشخصيّة وتذبل باستفراغ احتمالات تطوّرها. ولا أظنّ، من جهة أخرى، أنّ اهتمامي النقديّ بالسيرة الذاتيّة كان له دور في هذا، بيد أنّني أوافقك الرأي في أنّني مفتون كقارئ للرواية بالشخصيّات المركّبة القويّة التي تبقى تسكن الذهن والنفس بعد الفراغ من قراءتها.

ربّما أحببت أن أصنع شخصيّة من هذا الصنف الذي يروق لي. ذكرت أسماء مهمّة لكتاب وشخصيّات روائيّة وأضيف إليها من الأدب العربيّ مصطفى سعيد للطيب صالح وزكريا المرسنلي لصاحب « الياطر » وعمر الحمزاوي لمحفوظ. ولعلّ الرواية التونسيّة تحتاج إلى شخصيّات من هذا النوع.

رأيي الذي أرجو ألاّ يغضب كتاب الرواية في تونس أنّ شخصيّات الرواية التونسيّة ظلّت، باستثناء شخصيّة « أبو هريرة » بطل المسعدي في « حدّث أبو هريرة قال… »، أقرب إلى شخصيّات القصص القصيرة منها إلى الشخصيّات الكبيرة المعقّدة. وقد أكون اخترت بصورة من الصور أن أنحت شخصيّة الطلياني كي أحدّد لنفسي موقعا مّا ضمن مدوّنة الرواية التونسيّة. لكنني أترك هذا للنقّاد.

في مختلف أعمالك الأدبية، تضع اليسار على شفا الهزيمة والإحباط، لكن نلمس ربطا للأمر بالذات والأفراد أكثر من التنظيمات السياسية، هل ترى أزمة اليسار في المنطقة مرتبطة بفشل تجارب فردية معينة عُقدت عليها الآمال، أو أن الأمر يتجاوزها نحو عدم قدرة التنظيمات اليسارية على النفاذ إلى عمق المجتمع؟.

لا أخفيك أنّ اليسار في ما كتبت يبدو لي متنوّعا جدّا، فهو ليس صنفا واحدا؛ ربّما يعود ذلك إلى تشرذمه وتعدّد توجّهاته، لكن الثابت أنّه مهزوم ومنكسر وفاشل. من هنا هو يصلح لأن يكون موضوعا للرواية التي تريد أن تشتغل على التردّد والعجز والانكسار، أي على الإنسانيّ في الإنسان.

نعم يحقّ لك أن ترى هذا الفشل الإيديولوجي أو السياسيّ فشلا للأفراد لا التنظيمات، لكنّ الحكايات التي تشدّني هي مسارات البحث الفرديّ عن الحرّيّة وما يجده الفرد في الطريق من محبطات وعثرات وتردّدات وخيبات لا تنفصل عن متعة الاكتشاف والابتهاج وحبّ الحياة. فالقضيّة أكبر من اليسار واليمين إنّها قضيّة نماذج بشريّة ثريّة متنوّعة، وهي قضيّة من عرفت من أبناء جيلي الذي خطا خطوات في طريق تحرّره لكنّه يشعر بالإحباط والفشل. هذه هي الديناميكيّة التي تعنيني أكثر من اليسار واليمين والإيديولوجيّات.

إلى جانب الهزيمة السياسية، عاشت الشخصية اليسارية في أعمالك فشلا ذريعا في تجارب الحب التي خاضتها، بداية بـ »الطالياني » ثم « مرآة الخاسر ». إلى أين تمضي تجربة « عبد الناصر » أمام كل هذا التشظي الذاتي والسياسي، الذي تعيشه شخصيته؟.

نحن نرى الفشل في الحب باعتباره حاصلَ العلاقة بين الرجل والمرأة في نهاية الروايات، ولكنّ القرّاء يرون أيضا تلك البهجة في لحظات إنسانيّة مشعّة متألّقة. فالمشكلة ليست في هذا الحبّ وجودا وعدما ونجاحا وإخفاقا، إنّه يقع في طبقة أعمق على ما أظنّ. المسألة ترتبط بالجسد وتمثّلات الشخصيّات عنه، وبالمرأة ومكانتها ضمن هذه التمثّلات.

هل يمكن لأجساد معطوبة مثل عبد الناصر أو زينة في « الطلياني » أن تحبّ ولا تفشل « فشلا ذريعا » كما قلت؟ هل يمكن لشخصيّة مثل شخصيّة زليخة في « مرآة الخاسر » وهي تكتب سيناريو الانتقام من الأب الذي أذلّ أمّها ومن ورائه الانتقام من جنس الرجال أن تحبّ؟ وما الحب في مجتمع مثقل بالمخازي والعيوب الأخلاقيّة والحرام والتمثّلات الذكوريّة للمرأة التي يصفها اليساري المثقّف عبد الناصر نفسه في لحظات غضبه، وهي لحظات مفصحة أكثر من لحظات الانسجام، بالعهر؟.

أن تكون الشخصيّات متشظّية فذلك نتيجة لكل هذه التناقضات التي تعتمل فيها، وهو ما يبحث عنه السرد ليحفر عميقا في المظاهر الاجتماعيّة للشخصيّات كما هو الحال في « الطلياني » أو « باغندا »، والنفسيّة كما هو الحال في « مرآة الخاسر ».

علاقة بهذا، شخصية « عبد الناصر » مالت نحو الانتهازية رويدا رويدا في أعمالك، كما تتجه رأسا نحو مزيد من رغبة التحكم في علاقته بالمرأة والتعامل معها، هل يستبد مخيال « الشرقي » أيضا بالمتعلمين الذين تراهن عليهم الجماهير لتحقيق أحلامها؟.

نحن أمام شخصيّات تداخلت لديها المعايير والاستعارات والتمثّلات، وتعيش مثلنا جميعا فعلا تمزقا حقيقيّا تبحث داخله عن كيانها وتخطّ طريقا ملتوية غير سويّة. فعبد الناصر أو زينة أو زليخة غربيّون على قدر شرقيّتهم، ولكنّ كل واحد منهم يبحث عن سبيل لصياغة معنى حياته والخلاص من أزمة دفينة وتاريخ مثقل بالوجع كتبه المجتمع على أجسادهم. من السهل أن نحكم على الشخصيّات بالانتهازيّة أو الضعف أو الخيانة، لكنّها في الحقيقة مرايا تدعونا إلى التحديق فيها لنعود إلى ذواتنا ونقرأ سيرنا نحن أيضا لعلّنا لا نتسرّع ثانية في الحكم السلبيّ عليها.

موضوع الجنس يحتل مكانة مركزية داخل رواياتك، بداية بـ »وجع زينا – الفقيه – المثلية – العلاقات الحميمية »، هل كانت هذه الفوضى الجنسية مرآة تعكس سلوكيات المجتمع في علاقاته الحميمية؟ وما السبيل للخروج من وضع « الكبت » أو « الانحباس الجنسي » الذي تعيشه المنطقة؟.

هي فوضى نعم. لكنها فوضى الإنسان عامّة وليست خاصّة بمجتمعاتنا العربيّة الإسلاميّة كما قد نتوهّم، وإن قدّمتها من داخل البيئة التي أعرفها. فالحيوانيّة التي في الإنسان، عندنا كما هي عند غيرنا، أشدّ تعقيدا من التصوّرات الطهرانيّة المعياريّة التي ندّعيها لأنفسنا حماية لها من حقيقتها المرعبة أو حقيقة ما في المجتمع من سلوكيات لا نريد أن نتحدّث عنها ولا أن نراها.

ومازلت أعتقد أنّ ما يوجد فعليّا في المجتمع أشنع مما قد يبدو لنا أن هذا الروائيّ أو ذاك قد تجاوز فيه « الأخلاق الحميدة » و »الحياء العامّ ». وليس لنا من سبيل إلاّ أن نكشف ونعرّي ونفضح ونسمّي الأشياء بأسمائها، متبعين في ذلك كبار الناثرين العرب من أمثال الجاحظ وحتّى فقهاء المسلمين القدامى الذين لم يتحرّجوا من الحديث في كلّ شيء.

لكن بالمقابل انظر حولك إلى حرّاس الأخلاق باسم الدين تر الفتاوى البذيئة التي يقدّمها « فقهاء الظلام » في كتب يصدرونها عن مؤسّسات دينيّة تصف نفسها بـ »المعتدلة »، أو جهات متطرّفة تقطر كبتا وانحباسا جنسيّا ومعاداةً للمرأة وذكوريّةً حقيرة. أمّا الرواية فمقصدها آخر: أن نتعلّم النسبيّة وأن نتدرّب على فهم تعقّد المجتمع والنفس الإنسانيّة بعيدا عن المثاليّات الزائفة والأوهام.

احتلت الحركة الطلابية حيزا مهما من رواية « الطالياني »، و »مرآة الخاسر » احتضنت إفرازاتها، لكنها تبقى حبيسة النوستالجيا على الدوام. عديد الوجوه السياسية البارزة، خصوصا في صفوف اليسار، تسترجعها ببطولة، لكن واقع الحال الآن يحكي صورة مغايرة عما كانت عليه أحلام الشباب، ما الذي جرى ليعم كل هذا اليأس في المنطقة؟.

في سؤالك جانب من الأسئلة التي أسعى إلى التعمّق فيها روائيّا.. ما الذي وقع لتنهار كلّ هذه الأحلام الجميلة؟ ما الذي حدث لنكون على هذا القدر من التقهقر واليأس والإحباط؟ لا أملك الجواب لكنني أحاول أن أفهم تفكّك الحلم ونشأة الكوابيس. أما البطولات، إن وجدت بالمعنى الذي ذكرته في سؤالك، فهي عندي من باب اندفاع الشباب الرائع وحماسته الفيّاضة.

هذا الشباب حين تتهاوى ورقة التوت الإيديولوجيّة، ويندمج في الواقع المعقّد، يجد نفسه في العراء أمام مصيره الفرديّ، في فلاة عليه أن يضرب فيها ليجد طريقا ما لخلاص موهوم أو لمزيد الغرق في الحيرة والقلق. في الحالات جميعا هذه مادّة جيّدة للرواية.

عودة إلى رواية « باغندا »، أنت من بين القلائل الذين كتبوا حول الفساد الرياضي بالمنطقة. الكتابة الروائية حول كرة القدم تعيدنا على الدوام إلى عمل إدواردو غاليانو، « كرة القدم بين الشمس والظل »، هل أثر فيك الكاتب الأوروجواياني خلال فترة شبابك؟.

للأسف لم أقرأ له قبل كتابة الرواية.. تعرّفت عليه بعد ذلك.. ربّما أكون قد خسرت بعض الشاعريّة التي كان سيلهمني إيّاها عند كتابة « باغندا » لكنني لست نادما. فطبيعة اشتغالي على التحوّلات في المجتمع التونسيّة جعلتني أرى كرة القدم استعارة عن لعبة أكبر في المجتمع التونسي وهيمنة رأس المال على الرياضة واللعبة والنفوس والبشر.

سؤال أخير. نلامس في كل كتاباتك الروائية إحساسا عارما بالهزيمة تجاه ما تعيشه تونس.. هل كانت بضع سنوات عن « الربيع الديمقراطي » كافية « المسافة الزمنية » ليحسم شكري موقفه بشأن ما جرى ويجري في تونس؟.

لست متشائما ممّا يحدث ولم أحسم أمري بشأن ما يدور في بلدي. أنا بالأحرى قلق أراوح مثل الكثيرين بين التفاؤل والتشاؤم، فأتأمّل هذه التحوّلات التي تجري أمام أعيننا. لي ثقة لا أدري من أين استمدّها بأنّ هذا القوس سيغلق يوما قد يكون بعيدا وأراه قريبا. إنّ ما عشناه قبل الثورة في ظلّ نظام حكم غبيّ بذيء حقير، أغلق أمام الناس كلّ منافذ الأمل والحلم وأخفى المفاتيح في جيب سترته الداخليّة، يكاد يعادل ما نراه اليوم من غباء وبذاءة وحقارة لدى جلّ الفاعلين السياسيّين عندنا. لكنّنا اليوم نستطيع على الأقلّ أن نواجه ونندّد ونكشف ونفضح ونصارع من أجل تونس أخرى ممكنة، فمصيرنا مفتوح على جميع الاحتمالات.