مافيا الصحة في تونس : أيام قبل الكارثة

0
214

يمر قطاع الصحة العمومية في تونس منذ سنوات حالة من التخبط والفوضى في ظل غياب اية رؤية واضحة والأمر أصبح يشبه سرطان خبيث يصعب علاجه وما زاد الأمر سوءا الاستنزاف المتواصل للطاقات التونسية بمختلف رتبها واختصاصاتها التي هجرت القطاع العام واتجهت اما للقطاع الخاص او نحو دول أوروبية وأمريكية أو خليجية.

وخلال هذا الاسبوع كشفت احصائيات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ان عدد المهاجرين من الكفاءات العلمية او ما يعبر عنه “بهجرة الادمغة” بلغ 94 الف كفاءة اي ما يمثل 8.9 بالمائة من مجموع السكان التونسين المقيمين بالخارج.

و كشفت دراسة نقلتها وكالة تونس افريقيا للانباء ان التركيبة السكانية للتونسيين المقيمين بالخارج يغلب عليها كثرة الشبان المتعلمين والمتحصلين على شهائد جامعية شاملة لعدة اختصاصات فضلا على ان هذه التحولات رافقها ارتفاع في عدد رجال الاعمال والباحثين والكفاءات العلمية .

وحسب نفس المصدر فانه تم تسجيل تحولات نوعية وكمية لتوجه المهاجرين التونسيين في السنوات الاخيرة وذلك من اوروبا التقليدية التي كانت تستاثر بنحو 84 بالمائة من نسبة المهاجرين التونسيين، الى دول الخليج العربي وكندا والولايات المتحدة الامريكية.

ولعل آخر توصيفة للحالة المربكة للقطاع الصحي تلك التي أطلقها أمس الأمين العام المساعد للاتحاد العام التونسي للشغل سمير الشفي الذي قال ان قطاع الصحة في بلادنا « يشهد حالة أزمة شاملة مسّت دور المرفق العمومي نتيجة العجز على توفير أدوات العمل والتجهيزات الطبية»،

ولا احد ينكر اليوم أن عديد المستشفيات الجامعية والجهوية تنتظر منذ اشهر تعيين مديرين عامين كما أن اغلب المستشفيات تكاد تغلق ابوابها وتطرد مرضاها لعدم توفر الأدوية واعتماد التجهيزات البدائية كما أن الصيدلية المركزية مفلسة وتشكو من انعدام خلاص ديون متخلدة بذمة المستشفيات والكنام بأكثر من 500 مليار، ونحن على أبواب كارثة دوائية.

وفي ظل هذه الأوضاع وجد عدد من مافيات الصحة في تونس طريقا للاثراء غير المشروع بتواطئ غير معلن من وزارة الصحة ولعل اكبر دليل على ذلك تراجع الوزارة عن برتوكول صحي يتعلق باللوالب القلبية ليصبح الباب مفتوحا لاستيرادها من سوق الخردة بعيدا عن الاسواق التقليدية لهذه المواد الخطرة

وحسب النائب وطبيب القلب الصحبي بن فرج « تباع وتُزرع في تونس لوالب قلبية مستوردة من الهند والصين بدون أي دليل على جدواها وسلامتها كما ان هذه اللوالب يتم استيرادها بأسعار منخفضة (من100 الى 200 يورو) ولكن الكنام تتكفل بخلاصها في حدود ال2200 دينار للولب الواحد مما يعني أعباء مالية كبيرة وزائدة على الكنام تُقدر بالمليارات كان من الأفضل توجيهها الى المستشفيات العمومية التي شارفت على الغلق او الى الصيدلية المركزية التي لم تعد قادرة على توفير الدواء نتيجة انعدام الموارد المتأتية من الكنام ووزارة الصحة. ولا يخفى على أحد ان هامش الربح الكبير (تقريبا 1500 دينار) تستفيد منه شبكة من الوسطاء والأطباء والمزودين والمصحات في شكل عمولات ورشاوى طائلة : هذه الشبكة عفّنت القطاع الطبي وأعني ما أقول».

وحسب بن فرج فقد تم التوصل الى اتفاق بين الكنام والجمعية العلمية لأمراض القلب حول وثيقة تضع حدا لهذا العبث والتبذير(guide de bonne pratique ) تتعهد الكنام بمقتضاها بعدم التكفل بأي لولب خارج قائمة محددة من الماركات والنوعيات المعترف بها عالميا (مواصفات الـFDA و HAS) تم تحويل الاتفاق الى وزارة الصحة للموافقة منذ ديسمبر الفارط وبقي الملف على رفوف الوزارة الى حدود شهر جويلية وأمام الضغط وافقت الوزارة على الإمضاء وارسلت الى جميع الأطراف تطلب منهم التوقيع على الوثيقة.

في هذه الأثناء كان اللوبي الطبي/التجاري المستفيد من مليارات اللوالب الرخيصة يتحرك بقوة على جميع الواجهات، لنفاجأ اليوم بتراجع وزيرة الصحة عن تعهداتها وتعلم جمعية أمراض القلب بأنها لا تقبل بنص الوثيقة (بعد تسعة اشهر).

ويعاني صندوق التأمين على المرض منذ سنوات من ازمة مالية متفاقمة ناجمة اساسا عن نقص السيولة المالية الناجمة بدورها عن تأخر تحويل الصناديق الاجتماعية(CNSS وCNRPS) لمساهمات المنخرطين من نشطين ومتقاعدين إلى صندوق التأمين على المرض في آجال معقولة.. والبالغة نحو 1700 مليون دينار..

وتسبب تأخر تحويل المساهمات في تراكم ديون «الكنام» لدى المتعاملين في مجال الخدمات الصحية من صيدليات ومصحات خاصة ومستشفيات وأطباء خواص..

وأثرت وضعية الصندوق على نسق تزود الصيدليات بالأدوية بسبب اضطرابات داخل سلك توزيع الأدوية في تونس. وشملت الأزمة الصيدلية المركزية التي تعاني من وضع مالي صعب ناتج عن ديون غير مستخلصة من مصحات وصيدليات ومخابر تتعامل بدورها مع «الكنام» ولم تتحصل على مستحقاتها والتي وصلت لـ140 مليون دينار.