المضامين الاقتصادية في الحوار الاخير لرئيس الحكومة

in A La Une/Economie/Tunisie by

كان الحوار الذي خص به رئيس الحكومة يوسف الشاهد قناة تلفزية خاصة يوم الجمعة الماضي 21 ديسمبر 2018 مناسبة لمزيد فك رموز السياسة الاقتصادية والاجتماعية لحكومة تحصلت يوم الاثنين 10 ديسمبر 2018 على مصادقة مجلس نواب الشعب على مشروع قانون المالية لسنة 2019 الذي كان محل جدل وانتقادات جدية وعميقة على خلفية المغالطات والاخلالات التي بني عليها اعداد مشروعي ميزانية الدولة وقانون المالية لسنة 2019.

وقد اتضح من خلال هذا الحوار الباهت وسيّئ الاخراج والكاستينغ والسيناريو، ان الانتقادات التي وجهت لخيارات حكومة الشاهد التي جسدها قانون المالية لسنة 2019 غذت لدى رئيس الحكومة الاصرار على مواصلة سياسة الهرولة الى الأمام والقفز على الحاضر للإيهام ببداية انفراج الوضع الاقتصادي والمالي في سنة 2020. سياسة، يتبعها الفاشلون من السياسيين للايهام بقدراتهم العنترية على الانقاذ طالما وأن المستقبل القريب هو في حكم المجهول والغيب.

هذه السياسة أو منهجية التعاطي، كما كشف الشاهد في حواره الأخير، تقوم على التنصل من المسؤولية وتحميل الفشل الى من سبقوه في الحكم بعنوان «التراكمات» وهي كلمة استعملها الشاهد عديد المرات ليوضح للرأي العام أنه جاء على رأس الحكومة بعد ان التزمت حكومة الحبيب الصيد، التي كان بها عضوا، ببرنامج الاصلاحات الكبرى لصندوق النقد الدولي بما لم يترك أمامه من خيار للتفاوض او المراجعة. كما جاء الشاهد في ظرف يتسم بارتفاع عجز ميزانية الدولة وما يحمله ذلك من تبعات على الدين العمومي وعلى التضخم ليروج لانتصاره على العجز بالضغط عليه والتراجع به الى ٪3.9 من الناتج المحلي الاجمالي في سنة 2019 دون الكشف عن الكلفة الاجتماعية لما اعتبره نجاحا فائقا على الصعوبات التي تواجهها المالية العمومية، ودون الكشف عن معايير هذا النجاح حيث لا يخفى على احد ان هذه الرسالة لم تكن موجهة للشعب التونسي بقدر ما كانت موجهة لصندوق النقد الدولي الذي ربط تسريح القسط الخامس من قرض «تسهيل الصندوق الممدّد» بشرط الضغط على عجز ميزانية الدولة لسنة 2019.

الشاهد عبر عن تذمره من ارتفاع كتلة الأجور والتي تقف، حسب رأيه، وراء تدهور وضعية المالية العمومية، دون ان ينسى التذكير مرة اخرى بان هذا الارتفاع في كلتلة الأجور يعود الى «تراكمات» الماضي القريب وانه من غير المعقول السكوت عن هذا الوضع الذي نجح في معالجته بالتقليص من كتلة الاجور في الناتج المحلي الاجمالي ودون التعرض مرة اخرى الى الكلفة الاجتماعية وتداعيات ذلك على المقدرة الشرائية وعلى الطلب الداخلي الذي يعتبر احد محركات النمو الثلاثة الى جانب التصدير والاستثمار.

وعند تعرضه لملفي التضخم وعجز الميزان التجاري، ضرب رئيس الحكومة كل النظريات الاقتصادية وسياسات المالية العمومية والنقدية والتجارية وأحكام المنظمة العالمية للتجارة ليقدم مقاربة تستبطن استبلاه الرأي العام والامعان في الحفاظ على مصالح اللوبيات الداخلية والخارجية على حساب اولويات التنمية.

ففي هذا الحوار اكد الشاهد على اصرار حكومته… عفوا على اصراره باعتبار تضخم الأنا في هذا الحوار الاخير، على مكافحة التضخم، الا أنه عوض الاستناد الى آليات السياسة النقدية وسياسة المالية العمومية في مقاومة التضخم، اعتبر أنه بتسليط العقوبات على المحتكرين وتكثيف المراقبة الاقتصادية سيتمكن من محاربة التضخم… ليقف التحليل عند هذا الطرح.

أما على مستوى معالجة عجز الميزان التجاري، فعلى الخبراء الاقتصاديين ان ينكبوا على مقاربة الشاهد التي تقوم على الانتاج والتصدير حيث يعتبر ان هذا العجز يعود الى تقاعس التونسي عن العمل وعن الانتاج، والى ضعف الانتاجية في محاولة لطمس الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ما اعتبره تقاعسا وضعفا متعمدا تجاهل دور التوريد ومسؤولية لوبيات التوريد في تفاقم العجز التجاري.

لقد تبنى الشاهد في هذه المقاربة طرح صندوق النقد الدولي الذي دفع نحو تخفيض قيمة الدينار على خلفية تحسين القدرة التنافسية للصادرات التونسية بما يساهم في تقليص عجز الميزان التجاري دون العمل على ايقاف نزيف التوريد.

ولئن يعتبر التصدير حلا لايقاف نزيف عجز الميزان التجاري بما يقلص الفجوة بين الصادرات والواردات، الا ان هيكلة الصادرات التونسية المحكومة بالشلل بسبب سياسة تصديرية تقوم على الشركات غير المقيمة والناشطة في مجال المناولة من جهة، وبسبب غياب سياسة قطاعية وطنية وسياسة نقدية محفزة للاستثمار من جهة أخرى، فان التعويل على التصدير لمعالجة العجز التجاري يبقى من باب المغالطة الممنهجة خاصة بعد تدمير منظومة الانتاج في المجالات الثلاثة الفلاحة والصناعة والخدمات.

وفي غياب ارادة سياسية حقيقية لتحفيز التصدير خاصة في ظل الاعتماد اللامتناهي على توريد مدخلات الانتاج بدينار منهار بلغ يوم أمس 3،5 دنانير مقابل الاورو الواحد، يدعو الواجب الوطني التحرك ضد التوريد واقرار اجراءات حقيقية منصوص عليها في اتفاقيات الشراكة والتبادل الحر الثنائية ومتعددة الاطراف بناء على احكام وقواعد المنظمة العالمية للتجارة والمتمثلة في اجراءات الحماية الظرفية (les clauses de sauvegarde) والتي تجنب الشاهد التعرض إليها باعتبارها خطا أحمر وضعه الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لتونس حتى لا نمسّ بمصالح شركات السيارات والعلامات التجارية للفضاءات والمساحات الكبرى المنتصبة في تونس، ومصالح لوبيات التوريد النافذة والتي دفعت محافظ البنك المركزي الاسبوع الماضي الى الغاء قرار تمويل توريد المنتوجات التي لا تشكل أولوية رغم محدودية نجاعته ودوره في تقليص التوريد.

لقد شكّل الحوار الاخير للشاهد مناسبة اضافية لطمأنة لوبيات الداخل والخارج على توفير كل شروط الحفاظ على مصالحها في الداخل من جهة، وطمأنة الشعب التونسي على مزيد تدمير مقدرته الشرائية ومزيد تعميق عجز الميزان التجاري ومزيد تدمير الدينار التونسي من جهة ثانية بما يجعل سنة 2019 سنة القفز في المجهول.

بقلم: جنات بن عبد الله