وكالة رويتر تغوص في شخصية قيس سعيد

0
214

بأسلوبه المتفرد في الحديث بلغة عربية فصحى مسترسلة مثل الآلة، وبقليل من المال وكثير من التواضع والخجل، وبلا حزب سياسي يدعمه ولكن بالتزام قوي بشكل ديمقراطي مختلف وغامض.. يقترب أستاذ القانون المتقاعد قيس سعيد بثبات من تحقيق مفاجأة غير مألوفة في العالم العربي.

فهذا الوافد الجديد نسبيا على الساحة السياسية اقترب من كرسي الرئاسة في تونس مهد انتفاضات الربيع العربي حيث سيواجه منافسه قطب الإعلام في تونس نبيل القروي في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة الشهر المقبل.

واكتسح سعيد (61 عاما) في الجولة الأولى من الانتخابات المؤسسة السياسية التي ظلت سيطرتها على المشهد راسخة طويلا في البلاد مثيرا ذهولا كبيرا في أوساط النخب.

ووصف البعض تفوقه على رئيس الوزراء ورئيس البرلمان ووزير الدفاع ورؤساء حكومات سابقين بأنه زلزال انتخابي غير مسبوق في تونس.

يحظى سعيد بدعم إسلاميين ويساريين، وتميز بمواقف اجتماعية محافظة تارة وراديكالية تارة أخرى لم تكن تتناغم في أحيان كثيرة مع توقعات مؤيديه.

وترك سعيد مناصريه ومنتقديه على حد السواء يتلهفون لتحديد هويته.

وقال سعيد في مقابلة مع رويترز في مكتبه ”أنا مستقل وسأبقى كذلك. لا أتبع أي جهة. تونس اليوم تفتح صفحة تاريخية جديدة. أنا لم أقدم وعودا تقليدية ولا برامج تقليدية للناخبين، لقد قدمت لهم أفكارا وتصورات جديدة تترجم في شكل قانوني مطالبهم“.

ويمثل فوز سعيد في الدور الأول إعلانا واضحا برفض الناخبين للقوى السياسية الراسخة التي هيمنت على المشهد السياسي بعد ثورة عام 2011 والتي فشلت في معالجة مصاعب اقتصادية منها ارتفاع معدل البطالة والتضخم.

من بين المتطوعين في حملة سعيد المتواضعة طالب البيولوجيا بسام النفاتي الذي تحدث لرويترز قائلا ”لقد أقنعنا أن التغيير ممكن وفي أيدينا. كنا نحس أن كلامه صادق عكس كل السياسيين الآخرين. خاطب ذكاءنا ولم يسع للتودد مثلما يفعل البقية“.

ويضيف الشاب البالغ من العمر 22 عاما أنه قرر منذ أول اجتماع بسعيد في بن عروس قرب العاصمة الالتحاق كمتطوع بحملته وأصبح يعمل على طباعة الملصقات وتوزيعها وشراء بعض اللوازم البسيطة على نفقته إيمانا منه بهذا المرشح المختلف.

لحظة إعلان النتيجة وعند فوزه في الدور الأول، ظل سعيد متماسكا محافظا على هدوء غريب بينما كان أنصاره يحتفلون. واكتفى ببعض الكلمات المقتضبة قائلا ”ما حصل اليوم ثورة جديدة ونأمل أن نعوض الإحباط بالأمل“.

وعلى الرغم من تصدره استطلاعات الرأي في تونس في الأشهر الأخيرة، فإن عدم امتلاكه قاعدة سياسية كبرى وآلة إعلامية ضخمة جعل اسمه أقل تداولا من منافسه القروي المحتجز منذ أسابيع بشبهة تبييض أموال.

ويقف الرجلان على طرفي النقيض..

فالقروي ثري يملك قناة تلفزيونية، وهو شخصية مثيرة للجدل ورجل اتصال ومؤسس جمعية خيرية تركز على معاناة الفقراء، ويواجه في الوقت نفسه تهما بتبييض الأموال والتهرب الضريبي.

بينما يقول أنصار سعيد إن حملته الانتخابية متواضعة بتمويل ودعاية لا تكاد تذكر، ويتندرون بقول إن تكاليف حملته لا تتجاوز سعر قهوة وعلبة سجائر.

* تقشف

أسلوب قيس سعيد الصارم والمتقشف واضح من أول وهلة تطأ فيها قدماك مقر حملته في نهج ابن خلدون الشعبي بالعاصمة تونس.. نهج اكتظ بمطاعم شعبية وباعة يجرون عرباتهم.

الشقة صغيرة في مبنى قديم في الطابق الثالث دون مصعد وبنوافذ مهشمة وأبواب متهالكة وتلفزيون صغير وبعض الكراسي البلاستيكية البيضاء.

لكن الشقة المتواضعة كانت تنبض حياة، لقد اكتظت بالزائرين من طلبة قدامى جاؤوا للدعم ومدرسين يهنئون ومتطوعين.

سنية الشريطي، طالبة سعيد السابقة، كانت تتحرك هنا وهناك وتقوم بكل شيء.

قالت ”عرفته عن قرب مباشرة في الأيام الأولى التي تلت ثورة 2011 عند اعتصام القصبة آنذاك. لقد كان يصغي إلينا باهتمام. كان من قلة ممن فهموا مطالبنا“.

أستاذ القانون الدستوري جوهر بن مبارك، زميل قيس سعيد لسنوات طويلة، تحدث لرويترز محاولا فك ألغاز الرجل الجدي والغامض.

يقول إنه يتذكر جيدا كيف كانا يلتقيان المحتجين مباشرة بالقصبة في جانفي 2011 وكيف كانا يمشيان طويلا حاملين هموم البلاد ومشاكلها باحثين عما يمكن أن يقدماه من أفكار للمحتجين.

يضيف بن مبارك ”كنا نمشي طويلا في ساعات الفجر من القصبة عبر أزقة المدينة العتيقة إلى حدود شارع الحبيب بورقيبة. لقد كنا نتوقف كثيرا للحديث مع المحتجين الذين كان طلبهم الأول رحيل كل الحرس القديم قبل أن ندعم مطالبهم في الدفع إلى دستور جديد للبلاد“.

*** رويتر