Accueilالاولىكيف يموّل بعض السّياسيين حملاتهم وتَرَفَ عيشهم ؟…

كيف يموّل بعض السّياسيين حملاتهم وتَرَفَ عيشهم ؟…

تعيش تونس على وَقْعِ مفارقة غريبة وعجيبة وهي تكاد تكون استثناء تونسيا.
وتكمن المفارقة في أنّ كلّ مكوّنات المشهد السياسي والحزبي مُجْمِعة على أنّ الأخلاق يجب أن تكون حجر الزاوية في السلوك والعمل السياسيين ، والكلّ يطالب بضرورة إدخال جرعة هامّة من الأخلاق عَلَّ ذلك يُصْلِحُ ما فسد من علاقات بين المواطن والنخبة السياسية والحزبية، وفِي ذات الوقت الكلُّ يوجّه أصابع الإتّهام للكلِّ ، وبين أولئك وهؤلاء تاه المواطن في زحمة المعاني وتناقضاتها.

الكّلُّ مُتّهَمٌ بالفساد، فهذا فاسدٌ بالطَّبْعِ وذاك فاسدٌ بالتطبُّعِ وآخرٌ أفسدته السّلطة أو السّعي إليها والتمسّك المرضي بها،
والتّاريخ علّمنا أنّ مَنْ يُبالِغُ في الحديث عن الفساد قد يكون ذلك من أجل إخفاء بعض الفساد الذي عنده، والتاريخ علّمنا أيضا أنّهم كلّهم تقريبا فاسدون وآثمون حتّى إشعار آخر.
وبالطبع فإنّنا لو أردنا استخلاص الدرس أو النتيجة فإنّنا نقول على لسانهم بأنّ الكلّ يشكو من عاهة الفساد وهو ما يحُطّ من المستوى الأخلاقي للطيف السياسي عموما، ونضيف ـ وهذه من عندنا ـ بأنّه كُلّما ارتفع منسوب الحديث عن الفساد عند شخص أو طرف أو جهة فهو لإخفاء مظاهر جدّية من الفساد الذي فيه أو في مُحيطه القريب والواسع.
سؤالٌ محوري وجب طرحه إذن، من هو الفاسد حقّا وماذا يجب أن يترتّب عن هذا الفعل إذا ثبتت نسبته لشخص أو جهة أو أيّ طرف؟! وهل يجب علينا أن نتحدّث عن ظرف تشديد إذا كان هذا الفاسد المفترض شخصية سياسية أو مسؤولا سياسيا أو حكوميا؟
لسنا بالطبع من الذين يعتقدون في النقاوة المطلقة للعمل السياسي، إذْ أنّ السياسة تبقى دوما مرتبطة بالمصالح وبالنتائج المرجوّة، وبالتالي فإنّه يَحْدُثُ أن يتمّ استغلال فراغات قانونية أو اعتماد تأويلات معيّنة لقواعد العمل السياسي وذلك بهدف تطويعها لمصالح وأجندات شخصية أو حزبية أو أخرى وقد تكون هذه التوظيفات ـ رغم قانونيتها ـ في تضارب تامّ مع بعض المبادئ الأخلاقية.
الأخلاق هي إذن في قَلْبِ المعاني وهي لُبُّ المشكل، فأمّا نحن على خُلُقٍ وبالتالي فإنّ القواعد الأخلاقية يجب أن تكون الأساس في مسلكياتنا السياسية والحياتية عموما بما يعني أنّ الالتزام الأخلاقي هو قبل كلّ شيء نِبْرَاسُ المسلكية السياسية ودليلها وهو التزامٌ يعلو على الالتزامِ بالقانون إذا كان هذا الأخير فيه مسّ من الأخلاقيات لأنّ الحقوق التي يُبيحها لنا القانون ـ وهي في جوهرها متضاربة مع القواعد الأخلاقية للمواطنة ـ لا تُعْلِي من قَدْرِ صاحبها بل تحُطّ منه بالضرورة.
الفسادُ إذن صنفان، فسادٌ بمقتضى القانون وفسادٌ أخلاقي أساسه قِيَمُ المواطَنة ومبادئ الحريّة وحقوق الإنسان الأساسية،
ويبقى هذا الصنف الثاني من الفساد هو الأشدّ فَتْكًا بالدول والمجتمعات خصوصا إذا تمكّن من الذين انتصبوا لتسيير الشّأن العام.
وإنّ ما يُثار الآن من لغط حول المؤاخذات القانونية بخصوص بعض السّاسة وتحديدا ما يهمّ المترشّح لانتخابات الرئاسة السيد نبيل القروي يطرح أكثر من إشكال أخلاقي يُخشى معه أنّ المطلوب في الأوّل والأخير هو التأثير على نتائج الإنتخابات الرئاسية والتشريعية وليس كما يتمّ الترويج له تطبيق القانون على الجميع وادخال جرعة من الأخلاق على عالم السياسة .
وإنّنا نسأل والحالة هذه، لم تمّ تغييب الحديث عن مظاهر اخرى مهمّة ومُدَلِّلَةٍ على انتهاكات أخلاقية وقانونية فاضحة؟
نحن نسأل لماذا لَمْ يُسْأَل السيد قيس سعيّد عن كيفية تمويل الصفحات الداعمة له والتي تشتغل في سرّية مطلقة منذ سنوات وهل هو على عِلْمِ مسبق بها وماهو موقفه منها ومن الداعمين الآخرين له وماهو المقابل الذي خصّصه لداعميه في حالة الفوز ولماذا يتخفّى وراء الكلام وشِبْهِ الخطاب ومظاهر الصّدق والتعفّف ليمنع المواطن بِسَبْقِ إصرارٍ من معرفة حقيقة ما «يفكّر» فيه و«يخطّط» له هو ومن يقف معه ووراءه بالخصوص من جماعات وأحزاب وشخصيات قاسمها المشترك الحقد الدفين على تونس ونموذجها الحضاري باسم حالة «ثورجية» أعرف تماما أنّها ليست من «مآثر» الرجل الذي كان ظلّا للمرحوم عبد الفتّاح عمر والذي هو والفكر الثوري خطّان متوازيان لا يلتقيان أبدا حتّى بمشيئةٍ غيبية؟.
وما دُمْنا في القاموس القانوني والأخلاقي نحن نطرح أيضا أسئلة أخرى عن وضعيات من شأنها أن تُصيب الحسّ السليم بالشّلل: هل من تفسير مريح للكيفية التي يموّل بها بعض السياسيين نمط عيشهم الرغيد والخيالي في رفاهيته دون أن يُعرف لهم مصدر دَخْلٍ معلومٍ: الغنّوشي ومرزوق مثالا؟
نسأل ونلحّ في السؤال، من أين تأتي كلّ هذه الإمكانيات وهل يدفع هؤلاء ما يُحتّمه عليهم واجب الإنتماء لهذا الوطن من ضرائب ؟!
نحن نتساءل كذلك عن فائدة التصريح الإجباري بالدخل إذا كان هذا التصريح هو مجرّد التزام قانوني شكلي لِإخفاء حقيقة دَخْلٍ لبعض من السّاسة وغيرهم.
أسئلة كثيرة تُطرح بمناسبة هذه الإنتخابات الرئاسية والتشريعية وكلّها تُحيل على القاموس الأخلاقي حتّى وإن ارتبط بعضها بجوانب قانونية .
إنّ السياسة متى تمكّن منها الجهل المعرفي وبالتاريخ ومتى أصبحت هي الغاية في حدّ ذاتها كَفَت أن تكون فِعْلًا مواطنيا من شأنه أن يوسّع دائرة الخير حول البلاد والعباد لتصبح أداة طيّعة بين أيدي الحُثالة وسَقْطِ مَتَاعِ المجتمع و«الأمّة» و«البانديّة»، فتذهب الأخلاق وتنهار المجتمعات والدول ونسير بخطى ثابتة نحو الدمار الحضاري.

بقلم الهاشمي نويرة مدير تحرير جريدة الصحافة اليوم ***

مقالات ذات صلة

الأكثر شهرة