كورونا غفران حسايني يكتب عن الفيروس وقلق الحضارة *

in A La Une/Analyses/Culture by

لم يتأخّر فيروس كورونا كثيرا ، ليضع الهوس المعاصر  بالتطور العلمي للإنسانيّة في زاوية الإرتباك والعجز حدّ اللحظة . وقد تحوّل العلم منذ القرن الماضي إلى معبد للإلحاد المعاصر لقصف كل الإيمانيات بوجود إله واستبدال ذلك بوهم قدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة والمخلوقات والكون والتسيّد على العالم.

لقد اعادنا الفيروس إلى أسئلتنا الاولى فوق ركام من الإكتشافات والتطور العلمي نعم، ولكن هذا التطوّر لم يقدّم لنا إيجابات حاسمة كانت تطرحها الفلسفة والدين منذ القديم حول حقيقة الحياة والوجود والموت والغيب ضمن الأسئلة الثلاث الكبرى القديمة: من أين ؟ وإلى أين ؟ وكيف ؟ والذي حولته الفلسفة الإسلاميّة إلى ثلاث مباحث أساسيّة في قضية المبدأ والمعاد والطريق …

فما يحصل اليوم في العالم أعاد الإنسان إلى سلوكه الغرائزي الأوّل، الى عصر ما قبل الحداثة وصرخة الفيلسوف الالماني نيتشه  » لقد مات الله » إلى عصر ما قبل العولمة وأننا » قرية صغيرة وقريبة من بعضها البعض  » إلى عصر ما قبل « فتوحات العلم التقنيّة » وأننا قادرون على ترويض الكون، لقد عدنا إلى سلوك الهروب من فيروس قاتل وهاجس الإنسان من الموت ، عدنا إلى اختباء فطري من الطبيعة وهرب الإنسان من الأعاصير إلى مغارة ، عدنا إلى أنانيّة مفرطة في حبّ البقاء في تجلياتها البدائيّة الاولى وهي الاستحواذ على الغذاء …

فيروس لا متناهي في الصغر، دخل على البشرية المتعالية في أحلامها ومشاريعها العلميّة بغزو الفضاء وإعمار عالم ما فوق القمر,واعادها إلى تحت بكثير بكل تواضع …إلى عوالم أصغر بكثير من أن ترى بالعين المجرّدة … كأنه يسألنا: لماذا تنظرون إلى فوق بتعال وتنتظرون كوكبا او مذنبا للقضاء عليكم ؟ ها أنا تحت أهاجمكم وأوقف كل غروركم .. طائراتاكم وسفنكم ، وجوازات سفركم وقصوركم وعساكركم واستكباركم .. انا أحاصركم ..فماذا انتم فاعلون ؟

ما يحصل يغيّر وجهة العالم المعاصر فلسفيا ومعرفيا وربما « كرورنا » قد يخرجنا من حقبة معرفيّة راهنة، حقبة إنسان الجروح الأربعة الغائرة في الذات البشرية ما بعد ( الثورة الكوبرنيكية وما بعد اكتشاف اللاوعي الفرويدي وما بعد المعطي الطبقي الاجتماعي الماركسي وما بعد موت الله عند نيتشه) ..إلى حقبة ما بعد الحداثة من أوسع أبوابها، دون تردد حقبة يزداد فيها الإنسان تواضعا أمام الكون .. أو امام الله إن صحّ التعبير ..

ما بعد « كورونا » قد يكون منعطفا ابستمولوجيا شديدا في الحضارة الإنسانيّة وقد أثخنت بالأنانيّة والهيمنة والماديّة المجحفة ، بدأت تجليات منعطف تتشكل في محنة الأزمةوتلوح في اللأفق.. لقد خفتت أصوات الغوغاء في المحطات التلفزيّة، ونسي العالم كرة القدم التي لم تعد لعبة الفقراء، احترقت كل النجوم الزائفة وتهاوى المشاهير في بورصة الإهتمام الإنساني .. وارتبكت منظومة المؤسسات التي اختلقها الإنسان ما بعد العقد الاجتماعي لجون جاك روسو والهوس بالدولة عند هوبز, ارتبكت جميعها بتواضع الحكومات والدول العظمى أمام كائن أصغر من أن يرى بالعين المجرّدة … انهارت السياجات المغلقة للإثنيات بتضامن إنساني غير مسبوق يكسر جدران الحدود الإثنيّة والدينيّة والجندريّة وأصبحت الصور المتناقلة للمرضى والأطباء يواجهون الوباء أقوى من اللغات .. وتحوّلت علامات الفايسبوك التي يضعها البشر على تلك الصور تضامنا وتعاطفا وحزنا أو فرحا إلى لغة إنسانيّة واحدة تعبّر عن وحدة الإنسان ومصيره المشترك.

لقد أعاد الفيروس حضارة الإنسان المعاصر إلى الخوف الأوّل ، إلى سلوكنا البدائي وولعنا بالحياة .. أعادنا إلى الحزن والدموع واعادنا إلى الدعاء لكائن مفارق متعال أعتقد أسلافنا الغابرون منذ القديم أنّه الإله، فترى أقوى دولة في العالم تضرب موعدا وطنيا مع الدعاء ، أسأل فقط كيف أمكن لهذا الفيروس أن يحجّ بنا مرتين ؟ مرة إلى حقيقة الإنسان بدون مساحيق العولمة وتكبّر العلم على العالم وحجّ بنا مرّة أخرى إلى السؤال الأوّل لأسلافنا الحكماء الغابرين   » من أين ؟ وإلى أين ؟ وكيف ؟

* غفران حسايني إعلامي وباحث دكتوراه في الحضارة