الحبيب الفقيه* يكتب عن محاور التحوير والحوار

in A La Une/Analyses/Tunisie by

عادت ذكرى 14 جانفي، ليشتد فيها ألم الشعب التونسي  من فقدان الأمل، وليطغى معها شعور بالغضب ضد كل من تسبب في إنهيار البلاد وتلاشي ثروتها، على شعور الاعتزاز والافتخار بمكاسب ثورتها.

 في هذا المناخ الذي تفاقم فيه إحساس الخوف والإحباط ، أمام تراكم الكوارث الاقتصادية والمالية و الاجتماعية والسياسية و خاصة الصحية والتي أظهرت كلها عجز  المسؤولين على  استباق الأحداث وأخذ القرارات الصائبة، خرجت منظمات وطنية وأحزاب سياسية وكذلك الحكومة بمبادرات من شأنها إيجاد حلول لمشاكل البلاد لإخراجها من منطقة الخطر.
هناك مبادرات تنبثق من نية حسنة ولكنها، مع الأسف، لا تأخذ بعين الاعتبار حقيقة الميدان و تواصل منح من هم وراء الكوارث الحالية مسؤولية إخراج البلاد من الأزمة وهم غير قادرين على ذلك أو غير مستعدين لذلك.

وهناك مبادرات هي مجرد منورات لإبعاد أي تدخل صادق و ناجع لإنقاذ البلاد و الإبقاء على دار لقمان على حالها، لإنقاذ الأشخاص والأحزاب والمنظومة السياسية بأكملها من غضب الشعب والمحاسبة العادلة.
مبادرة الحوار الوطني هي، مبدئيا، مقبولة وتمثل آلية معقولة. لكن شكل الحوار وطريقة تنظيمه يجعلان حظوظ النجاح ضئيلة إذ لم نقل معدومة، وذلك لعدة أسباب:

-أولا: الشكل هو نفس شكل حوار 2013. هذا يعني مشاركة المسؤولين على الأزمة في إيجاد الحلول للخروج  من الأزمة، وهذا غير منطقي( لو أراد و إستطاع لما فعل). ثم ننتظر مفرزات الحوار لأخذ القرارات للشروع في الإنقاذ الفعلي( خلال الحوار تكون الحكومة،في شكلها الحالي و حسب مقتضيات القوانين التي تنظم عملها،في حالة انتظار). هذا يذكرنا بالمثل الشعبي »إستنى يا دجاجة حتى يجيك القمح من باجة ». عندما ينتهي الحوار بعد ستة او تسعة اشهر ستكون البلاد في حالة يرثى لها و سيكون الإنقاذ أصعب بكثير، إذا لم نقل مستحيل.

 -ثانيا: تسارعت عدة جهات  لوضع شروط لإقصاء أو لمشاركة بعض الأطراف.هذا يعقد الموقف و يطرح سؤال مبدئي : إذا ما سمح لمن كان سببا في الأزمات المشاركة في  الحوار، فهل يمكن إقصاء من  يمكن ان تكون له القدرة على إيجاد حلول لإخراج البلاد من الأزمات..هنا يكمن لب اللغز :من هو الراعي و المنسق الحقيقي للحوار؟

 -ثالثا: ليس هناك جدول أعمال للحوار يغطي كل النقاط التي يجب مناقشتها.بالعكس تسربت أو خرجت  على الساحة الإعلامية اقتراحات متضاربة لا تتماشى مع وضع وحاجيات البلاد. لم نر محاور نقاش تهم المشاغل الكبرى للشعب و الدولة.ولقد قامت عدة أصوات بالمطالبة بحوار وطني حقيقي، يجمع خبراء وكفاءات ومسؤولين من المجتمع المدني، بعيد كل البعد عن المحاصصات الحزبية والحسابات الجهوية والمطالب القطاعية.

 يقوم الفريق المكلف بالحوار بتقييم الأوضاع والمشاكل وتقديم حلول فعالة وواضحة في كل المحاور المطروحة للنقاش.
ويكون هذا الحوار موازي لعملية إنقاذ استعجالية، لأن البلاد لم تعد قادرة على الانتظار حتى و لو كان شهرا واحدا، لنتائج الحوار، للشروع في  الإنقاذ.بالطبع يكون هذا الحوار تحت إشراف رئاسة الجمهورية.
من ناحية أخرى، طالبت عدة أصوات بتكوين فريق إنقاذ فوري لإخراج البلاد من منطقة الخطر.ولكن طلع علينا رئيس الحكومة، بمساندة بعض الأطراف، بتحوير وزاري هدفه المعلن سد الثغرات وتحسين المردود.مع الأسف، و رغم ان سد الثغرات كان منتظرا، فإن الهدف الحقيقي هو ترجيح الكفة لفائدة رئيس الحكومة والحزام البرلماني الذي يسانده، على حساب رئاسة الجمهورية.

هناك عدة عوامل تؤكد هذه الفكرة، منها غياب برنامج عمل معلن عليه مع تحديد الأولويات و وانعدام الشفافية في عملية تقييم الوزراء المقالين. ولقد اكدت تصريحات الأحزاب المساندة للحكومة حقيقة الهدف وراء التحوير.و هنا يكمن الخطر. الوضع الحالي والذي هو كارثي، هو نتيجة تصرفات الحكومات التي توالت على تونس منذ الثورة والتي أعطت الأولوية لإرضاء الشرائح الموالية للأحزاب الحاكمة وللأحزاب نفسها قبل إرضاء الشعب بأكمله والوطن والدولة.الحكومة الحالية هي بنفسها مسؤولة على الوضع الحالي، و موضوع المردود يرجع أولا وبالذات إلى غياب رؤية مستقبلية وبرنامج عمل واضح، مع انعدام وجود عزيمة ثابتة لمواجهة التحديات، مهما كلف ذلك على مستوى المستقبل السياسي الشخصي للمسؤول.

هناك وزراء لهم كفاءات معترف بها، ولكنهم عاجزين على القيام بالإصلاحات اللازمة لغياب إرادة واضحة. خاصة وان ليس لهم حتى حرية تسيير قطاعاتهم لتعدد المتدخلين والتدخلات ..
أعتقد أن رئيس الحكومة حر في تغيير وزراء وقع فرضهم عليه فرضا من قبل رئاسة الجمهورية، ولكن إذا ما كان الهدف هو مجرد إرضاء نفسه، بتعيين أشخاصا من إختياره(أو من إختيار حزامه البرلماني)، سيكون ذلك خطأ، إذا ما لم يكن هناك برنامج إنقاذ كامل و متكامل وفريق قادر على القيام بالمهمة.

ومن أولويات متطلبات تركيبة الفريق هي وجود قبطان له الكفاءة والقدرة والعزيمة  والشجاعة  والكاريزما لتسيير الطاقم ومجابهة كل المشاكل والعوائق، بدون تردد وبدون حسابات، واضعا مصلحة تونس قبل كل شيئ.

يجب ان يكون محور التحوير إنقاذ البلاد بسرعة ٬ من الموت، من الفقر، من الجهل ، من الانهيار الاقتصادي، ٬من الإفلاس، من طغيان الكذب و المظاهر و من الإجرام المتفاقم.اذا كان رئيس الحكومة قادر على هذا،فليفعله في الحين و بدون تردد. ليضع برنامج واضح، ويحدد الآجال و يجمع رجالا ونساء لهم القدرة والكفاءة والعزيمة والشجاعة، لخوض معركة الإنقاذ، بدون حسابات شخصية أو حزبية أو قطاعية أو جهوية.عند ذلك سيجد المساندة من كل الأطراف.وإذا لم يكن قادرا على هذا، ليقر بذلك وينسحب بشهامة وشجاعة، وسيكون ذلك عمل وطني يعترف به أمام الشعب والتاريخ.

تعيش تونس، منذ سنوات عديدة، تحت سياسة الكذب والأوهام، والشعبوية والمجاملة، والمغالطة والمظاهر. وكل من حاول قول الحقيقة ومصارحة الشعب، شتم و نعت بالخائن و عدو الثورة والشعب. لهذا السبب إبتعد الكثير من العقلاء ومن ذوي القدرات و من أهل الذكر عن الساحة السياسية، لأن اللعبة خرجت عن نطاق  النزاهة ومناقشة الحقائق وإحترام الغير.  مرت هذه الموجة ولا تزال تمر عبر الكثير من البلدان في العالم، و رأينا عاقبتها في الولايات المتحدة. ولكن اذا ما استطاعت هذه الأخيرة البدء في التخلص من هذه الكارثة الحقيقية، بفضل قوة وعراقة ديمقراطيتها و بفضل إمكانياتها المالية، فسوف يصعب علينا فعل نفس الشيئ اذ رغم قوتها وإمكانياتها، كادت الولايات المتحدة أن تنزلق في دوامة التطرف والفوضى، بسبب السياسة التي طبقها ترامب والتي هي مبنية على الكذب المنهجي (لم يعترف في الأول بحقيقة الكوفيد) وعلى الشعبوية المفرطة و زرع الأوهام في عقول أتباعه( ترامب منقذ الإنسانية من  أهل الشر ، حسب أتباعهه؟؟؟؟)يجب ان نستخلص العبرة من التجربة الأمريكية ويراجع كل مسؤول نفسه و يحترم الشعب والدولة، إذاما أراد الحفاظ على الوطن الذي بدونه لا يبقى له دور يلعبه.الوقت يمر بسرعة صاروخية ولم يعد هناك مجال للانتظار .

الحبيب الفقيه هو  الرئيس السابق لمجمع أرباص في الشرق الأوسط وإفريقيا*

أسس الى جانب مجموعة من الشخصيات التونسية المرموقة في عدة مجالات مركز تفكير think-thank يدعى « تونس البدائل ».