وسام حمدي* يكتب عن الجهاز السري الذي خرج للعلن

in A La Une/Analyses/Tunisie by

من قتل شكري بلعيد؟ ومن خطّط لاغتياله ومن ربح من ذلك؟ كلّها أسئلة لم تعد تنتظر إجابة ولم يعد لها أي معنى بالنسبة لعاقل تمشّى اليوم من نهج إلى نهج ومن شارع إلى آخر -وهو يلفظ أنفاسه- فقط ليسجّل حضوره في الذكرى الثامنة لرحيل شهيد خرج من الملكية الحصرية لليسار، ليكون رمزا وأيقونة ثورية تفتقدها تونس في زمن حكام صنعتهم إما الصدفة أو إماءة « شيخ » كان ولا يزال يريد حكم البلد بالنار والحديد. الذكرى الثامنة لاغتيال بلعيد بكل تفاصيلها وحيثياتها ومغامراتها، كانت مغايرة ولم تكن عادية مقارنة بما سلف. كانت ذكرى استثنائية أنذرت حتما وبلا شك بعودة « تونس الثورة » إلى الوراء أكثر مما كان الجميع يتصور. حيث بدأت الحكاية منذ ليلة 5 فيفري ووصولا إلى صبيحة 6 فيفري بعسكرة كل الطرق والأنهج المؤدية إلى تجمع المسيرة التي انطلقت من ساحة الشهيد شكري بلعيد بشارع محمد الخامس متجهة إلى الشارع الرئيسي بشارع الحبيب بورقيبة لتؤول في النهاية إلى حقيقة أشبه بثابتة وهي خروج الجهاز من السر إلى العلن. في الفصل الأهم من الحكاية، لا يهم كم كان عدد من حضر- والذين قدرتهم الداخلية بين 1000 و1500 محتج- بقدر ما كان المهم في هذه المناسبة والذكرى التي تتزامن مع أزمة سياسية خانقة يتصارع فيها -من نجح ممّن لم ننتخب- متعلقا بطبيعة وتصور وطموح من حظر؟ تكون العبرة عند الحديث عن قامة بحجم الشهيد بلعيد متعلقة لا محالة بالكيف وليس بالكم، فيكفي أن يحظر مئة باحث عن الحقيقة وهم يحملون رؤية ومشروعا تقدميا أفضل ألف مرة من أن يحظر الآلاف بلا معنى. الحضور في هذه الذكرى كان واجبا محتوما على كل حالم بوطن أجمل لا تخرج سياقات تفكيره عن معارضة حكام يتنافون قولا وفعلا وممارسة للفعل السياسي مع مبادىء الجمهورية الثانية والدولة المدنية. لكن للأسف، فقد كان مجرد النظر في أعين أعوان الأمن الذين حضروا كما لم يحضروا من قبل يوحي في طياته منذ البداية بتغيّر شيء ما وبشكل لافت في عقيدة « الأم الجمهوري » التي تثير أسئلة بالجملة وتعيد الجميع للبحث والاستفسار عن منجزات 10 سنوات بعد ثورة الحرية. كما كان النظر أيضا في أعين رفاق الشهيد من أمثال زياد لخضر أو حمة الهمامي أو عبد الناصر العويني أو بسمة بلعيد وعبيد البريكي أو حتى إطالة التمعن في تقاسيم وجوه الصحافيين يحيلان لأشياء أخرى تقول وتبوح بإجابات صامتة لكنها مغايرة تماما تحيلك بصفة تكاد تكون أتوماتيكية إلى الآتي : « لا تنتظر إجابة أيها السائل، الإجابة عندنا واضحة، جميعنا يعرف من خطّط ودبر لقتل الشهيد الأول وجميعنا يدرك في داخله أيضا من أعاد التخطيط نفسه وبالطريقة نفسها تقريبا مع الشهيد الثاني محمد البراهمي …إنها جريمة دولة تغض جميع الأجهزة النظر عنها ». رغم كل هذه اللوعة، نجح المحتجون في فرض سياسة الأمر الواقع بالتمرد على ما سطّرته الداخلية – التي دفعت لحصر احتجاجات شباب حالم في شارع محمد الخامس- بعدما نجح شباب الثورة في التوجه بكل ثقة وتحد إلى الشارع الرمز شارع الحبيب بورقيبة. كانت كل الأمور توحي بأن شيئا ما سيحصل، لكن الغريب في كل ما حدث مع التعاطي الأمني في مسيرة 6 فيفري كان حتما يتمثل في الانتقاء الأمني الذي بدا قصديا في تعنيف المحتجين، فكان الفصل الأكثر قُبحا في الرواية كلها كامنا في الاستهداف الذي بدا واضحا وممنهجا ليس فقط ضد جيل الثورة الذي يَكفر بمنظومة متهاوية، بل شمل من هم من المحامين وتحديدا أعضاء هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي. وهنا يحضر السؤال الأهم بشأن الهدف وغايته أمنيا وسياسيا. لا يمكن تصنيف تعنيف المحامين من أعضاء هيئة الدفاع عن الشهيد بلعيد وهم ياسين عزارة وعبد الناصر العويني ورحال جلالي في شارع بورقيبة والأنهج المجاورة أبدا في خانة الخطأ الأمني العابر وغير المبرمج -رغم كل الروايات التي تقدمها السلط الأمنية-، خاصة عندما يتعلق الأمر باعتداء مُريب نفذته عناصر أمنية بزي مدني على المذكورين وفق ما أكده عميد المحامين ابراهيم بودربالة. تقول أمي وهي الأمية وفي السابعة والستين من عمرها، « لن أعيش مرتين يا ولدي صاحب القلب اليساري..من قتل شكري هم الاخوان الذين دنّسوا قريتنا وجامعنا وعيدنا وهم من أخذوا زهرات شبابنا إلى باب الجحيم ». فيجبرني الواقع بعدما حصل اليوم من تعنيف للمحاماة التونسية أن أسألها وأعيد السؤال، هل لك يا أماه و أنت الحاضرة بالغياب عن المسيرة أن تخبريني عن الجهاز السري؟ فلا أجد إجابة واضحة ولا أجد فكرة تحدد لي زاوية للتفكير في كل ما حصل. خلاصة ما حصل في 6 فيفري 2021، تقص عليك أيها الباحث عن الجناة أيضا حقيقة أنه ليس عليك أن تكون حكيما أو عبقريا أو حاملا لذكاء مفرط لتطرح أسئلة بهذا الحجم والاستغراب. أسئلة تتوه في البحث عن استنتاجات خاصة عندما يحضر الادراك التام بأن هيئة الدفاع عن الشهيدين بلعيد والبراهمي وبمن في ذلك المحامين الذين تم تعنيفهم 6 فيفري الجاري هم طرحوا على الناس وعلى الجميع سلطة وقضاء ومجتمعا مدنيا ودوليا قضية الجهاز السري لحركة النهضة التي تدفع كل منظومة انتخابات 2019 برئاستها وبرلمانها وحكومتها لقبرها. ليبقى في كل هذا الزحام السؤال المطل على كل شرفات شارع بورقيبة وما جاوره من أنهج متفرعة، هل تحول هذا الجهاز فعلا بكل تشفيراته من السر إلى العلن؟…سؤال لا يمكن التمحص فيه وفي كل خباياه سوى عندما يجيبنا هشام المشيشي رئيس الحكومة المحصّن ووزير الداخلية بالنيابة عن رئيس البرلمان–والذي يستقبل في الصباح والمساء- نقابات أمنية وصفت باللفظ المنطوق المحتجين في الأسابيع بـ »الشيوعيين » وبـ »الملاحدة » و »المثليين » عن الرواية من بائها إلى يائها…

*** وسام حمدي صحفي ومحلل سياسي