«فورين بوليسي»: قروض صندوق النقد الدولي.. كأسٌ مقدسة أم مسمومة؟

0
128

بينما يُكافح الجزء الجنوبي من الكرة الأرضية من أجل مواجهة أزمة الديون، يُشكِّك بعض الخبراء في فعالية القروض المشروطة التي يقدِّمها صندوق النقد الدولي. وحول هذه المسألة نشرت مجلة «فورين بوليسي» مقالًا كتبته أنوشا راثي، صحافية متدربة لدى المجلة الأمريكية.

استهلت الكاتبة مقالها بالإشارة إلى التقرير الذي أصدره صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي عن آفاق الاقتصاد العالمي، والذي حذَّر من مستقبل اقتصادي قاتم وغير مستقر. وخلُص تقرير البنك الدولي إلى أنه من المتوقَّع أن يصل التضخم في الاقتصادات النامية إلى نسبة 9.5٪ وقد يستمر التضخم لفترة أطول. ويزداد عبء ديون العالم النامي سوءًا، الذي تفاقم بالفعل نتيجةً لجائحة كوفيد-19، بسبب الجهود التي تبذلها دول العالم الغني لكبح جماح التضخم عن طريق رفع أسعار الفائدة. وفي الوقت نفسه يواجه العالم عددًا من الأزمات المتعلقة بالطاقة والغذاء والمناخ.


وفي إحدى مقالاته كتب بيير أوليفييه جورينشاس، خبير اقتصادي في شؤون صندوق النقد الدولي، قائلًا: «ربما يترنح العالم قريبًا على حافة ركود عالمي. وسيكون التعاون المتعدد الأطراف أمرًا أساسيًّا في عدة مجالات، بدايةً من التحول المناخي والتأهب لمواجهة الجوائح، ووصولًا إلى الأمن الغذائي وضائقة الديون».

كبح جماح التضخم
يُوضَّح الكاتب أن دول العالم النامية، مثل سريلانكا والسلفادور وغانا، كانت قد بدأت للتو في التعافي من جائحة كوفيد-19 عندما تسبَّب غزو روسيا لأوكرانيا في ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة عالميًّا، وأسهم كذلك في تفاقم مشكلة ديون الجزء الجنوبي من العالم.
وأدَّت الزيادات الهائلة المتتالية في أسعار الفائدة التي أقرَّها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى تفاقم الأمور وازديادها سوءًا وتدهورًا، وهي خطوة ترمي إلى كبح جماح التضخم في الولايات المتحدة، ولكنها تعمل بالأساس وكأنها رهن عقاري سيئ متغيِّر السعر في حق الدول التي يتعين عليها سداد الديون بالدولار الذي لم يعُد بمقدورها تحمل الأعباء الناجمة عن ارتفاع قيمته.

وفي هذا الصدد قال ستيفن نيلسون، أستاذ مشارك في الاقتصاد السياسي الدولي والمقارن في جامعة نورث ويسترن: «البلدان التي كانت تاريخيًّا على هامش النظام المالي العالمي تعاني من نقاط ضعف هائلة؛ لأنها تعتمد على الحصول على عملات دول أخرى من أجل دفع فواتيرها. وهذا هو التفاوت الهيكلي، الذي يضرب بجذوره بعمق في النظام المالي الدولي». ومن الناحية النظرية يمكن لصندوق النقد الدولي أن يضطلع بدور المُسعِف للاقتصادات المتعثرة، لكن هذه الرحلة بسيارة إسعاف صندوق النقد الدولي ليست بالمجان في حقيقة الأمر.

كيف تعمل قروض صندوق النقد الدولي؟
تشير الكاتبة إلى أن صندوق النقد الدولي تأسس بجانب البنك الدولي خلال الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، وكان ذلك استجابةً للانهيار الاقتصادي والمالي الدولي الذي شهدته ثلاثينيات القرن الماضي، والذي كان عاملًا أساسيًّا في اندلاع الحرب. وأُنشِئ البنك الدولي بغرض تمويل الدول بمساعدات إنمائية متوسطة وطويلة الأجل، للعمل على تطوير البنية التحتية وتحسين كفاءة الطاقة، والصرف الصحي، وتوفير مياه نقيه، والتي تستهدف جميعها تحفيز التنمية.

ومن جهة أخرى يضطلع صندوق النقد الدولي بدور مراقب للنظام المالي الدولي. ويُزود الدول بتسهيلات ائتمانية قصيرة الأجل بأسعار فائدة أقل من السوق حتى تتمكن من الوفاء بالتزامات ديونها الحالية وتسديد ديونها للدائنين، وهي حافز مشجِّع يُشار إليها غالبًا باسم خطة الإنقاذ. ولكن لا يوجد ما يُسمى بقرض مجاني من صندوق النقد الدولي.

وتضيف الكاتبة أنه من أجل الحفاظ على القدرة على الوفاء بالالتزامات المالية وضمان سداد المدفوعات، يُوصي صندوق النقد الدولي بشدة الدول بتبني سياسات محددة لتحسين ميزانياتها العمومية المالية واستعادة إمكانية الوصول إلى أسواق رأس المال.

ويُطلَق على هذه السياسات المؤلمة في أغلب الأحيان تدابير التقشف، وفيها تُستَحث الحكومات، ويُطلب منها أحيانًا، وهي التي تحصل على التمويل والقروض، على اتخاذ قرارات مؤلمة، مثل تخفيض استحقاقات الرعاية الاجتماعية، أو التخلي عن دعم الوقود والغذاء لإنقاذ الحسابات العامة من التدهور، وهي إجراءات يحبها المحاسبون، ولكنها تُقابَل باستياء كبير من الجائعين في الشوارع.

التأثير العالمي لزيادة أسعار الفائدة
تلفت الكاتبة إلى أن هذا النوع من التقشف أصبح شديد القسوة حاليًا؛ إذ يواجه العالم أزمة اقتصادية متعددة الجوانب في كل مكان. وفي أواخر مايو (أيار)، طلب صندوق النقد الدولي من باكستان اتخاذ «إجراءات سياسية ملموسة»، مثل «إلغاء دعم الوقود والطاقة» لتحقيق أهداف برنامجه والحفاظ على استمرارية فتح خزائن أموال صندوق النقد الدولي أمامها.

وبحلول نهاية يونيو (حزيران) كانت باكستان، التي تعاني من ضائقة مالية، قد خفَّضت مجددًا دعم الوقود لتخفيف العجز المالي؛ مما أدَّى إلى زيادة هائلة بلغت نسبتها 17٪ في أسعار منتجات المستهلكين، ومن ثم اندلاع احتجاجات في جميع أنحاء البلاد. ونُفِّذت هذه الإجراءات على خلفية النقص المتزايد في الوقود وأزمة الطاقة التي تعاني منها البلاد.

وفي الكاميرون، التي تسعى حاليًا للحصول على تسهيلات ائتمانية ممتدة من صندوق النقد الدولي، وعلى الرغم من احتجاج سائقي سيارات الأجرة على نقص الوقود وتقلب الأسعار، بقيت توصيات صندوق النقد الدولي كما هي: تخفيض دعم الوقود. وتخطط تونس، المعرَّضة بشدة لأزمة الحبوب بحسب البنك الدولي، حاليًا لتقليص دعمها للمواد الغذائية تدريجيًّا مع تزايد الضغوط للتوصُّل إلى اتفاقية مع صندوق النقد الدولي. (وبالطبع يستفيد الأغنياء، وليس الفقراء، بكثير من دعم الوقود والغذاء في البلدان الأقل نموًا).

تجيب الكاتبة موضحةً أن صندوق النقد الدولي لا يتكيف حسب تلك الاحتياجات الاقتصادية على ما يبدو.  ويقول جيروم فيلبس، رئيس فريق الدفاع في مؤسسة «عدالة الديون»، وهي منظمة خيرية مقرها المملكة المتحدة تعالج قضايا الديون وعدم المساواة العالمية: إن «صندوق النقد الدولي يدَّعي أنه لم يعد يطلب تدابير التقشف، لكنني أرفض تجنب استخدام هذه الكلمة. إذ لا زال الإقراض الفعلي يتطلب شروطًا ارتدادية للغاية تؤثر على الفقراء أكثر من غيرهم في وقت كارثي يرجَّح فيه ارتفاع أسعار الغذاء والوقود».

هل قروض صندوق النقد الدولي هي الحل؟
يلفت التقرير إلى أن صندوق النقد الدولي قدَّم مساعداتٍ مالية، باعتبارها جزءًا من مساعدات الإغاثة أثناء جائحة كوفيد-19، إلى 90 دولة مستخدمًا «الصندوق الائتماني لاحتواء الكوارث وتخفيف أعباء الديون» التابع له، وقدَّم تسهيلات إقراض عديدة، بما فيها التسهيل الائتماني السريع والتسهيل الائتماني الممدد.

وكان الهدف من هذه البرامج هو تقديم إعانات لتخفيف الديون، وتقديم مساعدات مالية ميسَّرة للبلدان ذات الدخل المنخفض التي تضررت بشدة جرَّاء الجائحة. وفي بعض الدول الأفريقية، مثل سيراليون، والسنغال، ومدغشقر، وموريتانيا، وسيشيل، بدأ صندوق النقد الدولي في تضمين «الحد الأدنى» للإنفاق الاجتماعي في شروطه لضمان أن الدول التي تتلقى المساعدات ستقدم الدعم للميزانية الخاصة بالمجالات الاجتماعية والصحية والتعليمية، بما يعود بالفائدة على الفئات الضعيفة من سكانها. 

ونقل التقرير عن المتحدث باسم صندوق النقد الدولي قوله: «قدمنا تمويلًا طارئًا فور اندلاع الجائحة مع تركيز كبير على الدعم المالي الفوري. ولم يكن هناك شروط سابقة أو لاحقة للتمويل الطارئ. وكانت رسالتنا واضحة؛ وهي أن ننقذ ما يمكن إنقاذه من الأرواح وتوفير سُبل لكسب الرزق. وإلى جانب التمويل الطارئ، كانت كل البرامج التي يدعمها صندوق النقد الدولي، التي جرت الموافقة عليها أو تعزيزها، منذ مارس (آذار) 2020 تتضمن شروطًا تهدف إلى حماية الإنفاق الاجتماعي».

إلا أن تحليلًا أجرته منظمة أوكسفام كشف أن 84% من القروض التي قدمها صندوق النقد الدولي إبَّان جائحة كوفيد-19 شجَّعت الدول الفقيرة، التي تتعثر بالفعل في ظل الأزمة العالمية، على تبني المزيد من تدابير التقشف، بل تجاوز الأمر حدَّ التشجيع حتى وصل إلى المطالبة بتلك التدابير في بعض الأحيان.

ودعت أكثر من 500 منظمة وأكاديمي من 87 دولة، شاركوا في الحملة العالمية ضد التقشف، صندوق النقد الدولي والحكومات الوطنية وقف إجراءات التقشف ودعم السياسات التي تعزز العدالة بين الجنسين والأمن البيئي وتقلل من عدم المساواة في الدخل. ولكن الجزء الأصعب في الأمر، هو أنه في مرحلة ما سيحين وقت دفع الثمن، وأقصر الطرق لفعل ذلك هو فرض سياسات تزيد من جاذبية البلدان المَدِينة في أعين المستثمرين الأجانب، برفع أسعار الفائدة المحلية على سبيل المثال، وتشديد السياسات المالية، وليس لأي من هذه الإجراءات شعبية سياسية. 

وتلفت الكاتبة إلى أن الخبراء يشجعون صندوق النقد الدولي على فتح خزائن أمواله واستخدام «حقوق السحب الخاصة» أكثر لمساعدة البلدان المحتاجة. وكان صندوق النقد الدولي قد استخدم حقوق السحب الخاصة في خضم جائحة كوفيد-19 عام 2021، والتي أسهمت في ضخ السيولة المطلوبة للاقتصادات الهشة التي نَفَدت احتياطياتها. وفي حين أن صندوق النقد الدولي يقول إن حقوق السحب الخاصة ليست هي الدواء الشافي للصعوبات التي تواجهها البلدان النامية، إلا أنه تبين أنها حل جوهري للدول التي في أمس الحاجة لمثل هذه السيولة.

ماذا بعد؟
تقول الكاتبة إن النبأ السار هو أن صندوق النقد الدولي قد لا يكون الطريق الوحيد للخلاص أمام البلدان التي تعاني من ضائقة مالية؛ إذ بدأت أعداد متزايدة من الحكومات في عقد صفقات ثنائية مع دول أخرى، ومقرضين من القطاع الخاص لسداد ديونها السيادية. وتسعى سيريلانكا وحدها لتأمين 1.5 مليار دولار من داعميها الماليين الكبار؛ الهند، واليابان، والصين.

وقد تكون الصين، إحدى أكبر الدول الدائنة في العالم، هي الورقة الرابحة للجنوب العالمي. وفي هذا السياق قال بيتر روزندورف، أستاذ السياسة في جامعة نيويورك: إنه «على حد علمنا، الصين مستعدة لإعادة هيكلة الديون وتنظيمها وفقًا لشروط أكثر مرونة، وأسهل نسبيًّا من تلك الشروط الخاصة بصندوق النقد الدولي أو صفقات الإقراض الثنائية. ولكن هناك نقص في الشفافية يزيد من تعقيده حقيقة أن البلدان بهذه الصورة تقترض من مصادر متنوعة من الدائنين».

وما زاد الطين بلة، هو الارتفاع الأخير في أسعار الفائدة الذي فرضه نظام الاحتياطي الفيدرالي، والذي أدَّى إلى مفاقمة أزمة الديون في الجزء الجنوبي من العالم. وستؤدي ارتفاع أسعار الفائدة في الولايات المتحدة إلى إبعاد رأس المال عن أيدي الدول النامية والناشئة، ورفع القيمة النسبية للدولار الأمريكي، ما يُصعِّب على الدول خدمة ديونها السيادية التي تكون غالبًا مقوَّمة بالعملات الصعبة، وخاصة الدولار. 

وقالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، في بيان لها، إنه: «في ظل الأوضاع المالية المتأزمة وانخفاض أسعار صرف العملات، أصبحت خدمة الدين عبئًا كبيرًا على بعض البلدان، وعبئًا لا يطاق على بعضها الآخر». 

ووفقًا لصندوق النقد الدولي، هناك 60% من البلدان ذات الدخل المنخفض معرَّضة بشدة لأزمة ديون أو ترزح بالفعل تحت وطأة تلك الديون. ولن تكون الحلول المؤقتة والسطحية الحل المستدام لهذه المشكلة». 

وتختم الكاتبة مع فيلبس الذي يقول: «على مدى عدة عقود، كانت معظم قروض صندوق الدولي قليلة جدًّا ومتأخرة للغاية، وتتَّسم بهيكلة ضئيلة جدًّا للديون. ولذلك، تعود البلدان إلى أزمات الديون نفسها بعد عامين. وهذا هو سبب حاجتنا الآن إلى إعادة هيكلة ديون كافية، قبل أن ينتهي المطاف بمزيد من البلدان في وضع مزرٍ كما حدث مع سريلانكا».


المصدر/ ساسة بوست