الصين وديبلوماسية فخ الديون

0
735

دبلوماسية فخ الديون هي مصطلح يستخدم كانتقادات للسياسة الخارجية للحكومة الصينية. 

يزعم النقد أن الصين تعمد تقديم ائتمان مفرط إلى بلد آخر بنية مزعومة لاستخراج تنازلات اقتصادية أو سياسية من الدولة المُدينة عندما تصبح غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بالديون (في كثير من الأحيان الإقراض القائم على الأصول، مع الأصول بما في ذلك البنية التحتية).

غالبًا ما لا يتم الإعلان عن شروط القروض، وعادةً ما يتم استخدام الأموال المقترضة لدفع المقاولين من الدولة الدائنة.

على الرغم من الانتقادات التي وجهتها الولايات المتحدة ودول أخرى، فإن رواية «دبلوماسية فخ الديون» قد تم فضحها من قبل عدد متزايد من العلماء والمحللين.

لكن هذه الاتهامات تُقابلُ برفض من الصين، التي تتهم بدورها البعض في الغرب بترويج هذه الرواية لتشويه صورتها.

وتقول: “لا توجد دولة واحدة وقعت فيما يسمى “مصيدة الدين” نتيجة للاقتراض من الصين.

ولكن حسبب المتخصصين في المجال تُعتبر الصين واحدة من أكبر الدول الدائنة في العالم.

فقد زادت قروضها للدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط ثلاثة أضعاف خلال العقد المنصرم، لتصل إلى 170 مليار دولار بحلول نهاية 2020.

لكن التزامات الإقراض الإجمالية الصينية قد تكون أكبر بكثير مما تشير إليه هذه الأرقام.

وقد وجدت دراسة أجرتها “إيد داتا”، وهي هيئة تنموية دولية في جامعة وليام أند ماري في الولايات المتحدة، أن نصف القروض التي تُقدمها الصين للدول النامية لا يتم الإبلاغ عنها في الإحصائيات الرسمية الخاصة بالديون.

ويتم في الغالب إبقائها خارج الميزانيات العمومية الحكومية، وتوجيهها إلى الشركات و البنوك المملوكة من الدولة أو المشاريع المشتركة أو مؤسسات القطاع الخاص، بدلاً من أن تتم بشكل مباشر من حكومة لأخرى.

وهناك الآن أكثر من 40 دولة من ذوات الدخل المنخفض والمتوسط، بحسب “إيد داتا”، التي تبلغ نسبة انكشافها المتعلق بالديون للمقرضين الصينيين أكثر من 10 في المائة من حجم الناتج المحلي الإجمالي السنوي نتيجة لهذا “الدين المخفي”.

وتبلغ ديون جيبوتي ولاوس وزامبيا وقيرغيزستان للصين ما يعادل 20 في المائة على الأقل من ناتجها المحلي الإجمالي السنوي.

ويتعلق جزء كبير من الديون المستحقة للصين بمشاريع كبيرة للبنية التحتية مثل الشوارع وسكك الحديد والموانئ، وكذلك بصناعة التعدين والطاقة، بموجب مبادرة الرئيس شي جينبينغ المعروفة باسم مبادرة الحزام والطريق.

ما هي “مصائد الديون” وما هو الدليل على وجودها؟

قال ريتشارد مور، رئيس وكالة الاستخبارات الخارجية البريطانية “إم آي6″، في مقابلة مع بي بي سي، إن الصين تستخدم ما أسماه “مصائد الديون” للحصول على نفوذ على دول أخرى.

ويفيد هذا الادعاء بأن الصين تقرض المال لدول أخرى، ينتهي بها المطاف إلى أن تتنازل عن سيطرتها على أصول أساسية إذا لم تتمكن من تسديد ديونها- وهو اتهام ترفضه بكين منذ أمد بعيد.

أحد الأمثلة التي غالباً ما يستشهد بها منتقدو الصين هو سيريلانكا، التي بدأت قبل سنوات في مشروع إنشاء ميناء ضخم في هامبانتوتا باستثمارات من الصين.

لكن مشروع المليار دولار الذي يستخدم قروضاً ومقاولين من الصين أصبح موضوع جدل كبير، وصارع من أجل إثبات قابليته للتطبيق، وهو ما ترك سيريلانكا مثقلة بديون متزايدة.

وأخيراً، وافقت سيريلانكا في 2017 على منح شركة “تشاينا ميرتشانتس” المملوكة للدولة حصة مسيطرة بنسبة 70 في المائة في الميناء في عقد إيجار لمدة 99 سنة مقابل استثمارات صينية إضافية.

وتساءل تحليل لمشروع الميناء من جانب المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” عما إذا كانت الرواية المتعلقة بـ “مصيدة الدين” تنطبق بشكل صارم هنا، بالنظر إلى أن الاتفاق كان مدفوعاً باعتبارات سياسية محلية، وأن الصين لم تأخذ قط ملكية رسمية في الميناء.

ويشير التحليل إلى أن جزءاً كبيراً من الدين الإجمالي لسيريلانكا يعود إلى مقرضين غير صينيين، وأنه لا يوجد دليل على أن الصين استغلت وضعها للحصول على ميزة عسكرية استراتيجية من الميناء.

وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا مجال للشك بأن التدخل الاقتصادي الصيني في سيريلانكا نما خلال العقد المنصرم، وهناك مخاوف من أن هذا قد يستخدم لدفع طموحاتها السياسية في المنطقة.

وهناك مناطق أخرى في العالم أثبت فيها الإقراض الصيني أنه مثير للجدل، في ظل وجود عقود قد تمنح شروطها الصين نفوذاً على أصول مهمة.

لكن لا توجد أي حالة، بين مئات الترتيبات الخاصة بالقروض التي درستها “إيد داتا” وبعض الباحثين الآخرين، لقيام جهات إقراض صينية مملوكة للدولة بالاستيلاء على أصول كبيرة في حالة العجز عن تسديد القرض.

كيف يقارن الإقراض الصيني بأساليب الإقراض لدى الدول الأخرى؟

لا تنشر الصين سجلات تتعلق بقروضها الخارجية، وتضم الغالبية العظمى من عقودها بنوداً بعدم الإفصاح تمنع المقترضين من كشف مضامين تلك العقود.

وتذهب الصين إلى القول إن مثل هذه السرية هي ممارسة شائعة بالنسبة لعقود القروض الدولية.

ويقول البروفيسور لي جونز من جامعة كوين ماري في لندن إن “اتفاقيات السرية شائعة جداً في القروض التجارية الدولية. ومعظم التمويل التنموي الصيني هو في الأساس عملية تجارية”.

وتشارك معظم الدول الصناعية الكبرى معلومات حول نشاطاتها الإقراضية من خلال العضوية فيما يعرف باسم “نادي باريس”.

وقد اختارت الصين عدم الانضمام للنادي، لكن باستخدام البيانات المتاحة من البنك الدولي، يمكن بوضوح ملاحظة النمو السريع في الأقراض الصيني المبلغ عنه مقارنة مع مقرضين آخرين.

هل تعتبر القروض الصينية أصعب في السداد؟

تميل الصين إلى الإقراض بنسب فائدة أعلى من الحكومات الغربية.

وتقترب هذه القروض بأسعار فائدة تبلغ حوالي 4 في المائة من أسعار السوق التجارية وتزيد بحوالي أربع مرات عن أسعار فائدة قرض نموذجي من البنك الدولي أو دولة واحدة مثل فرنسا أو ألمانيا.

كما أن فترة السداد المطلوبة لقرض صيني تعتبر أقصر بوجه عام- أقل من 10 سنوات، مقارنة بـ 28 عاماً للقروض الميسرة من مقرضين آخرين إلى الدول النامية.

وتطلب الجهات الصينية المقرضة المملوكة للدولة من المقترضين أيضاً الإبقاء على حد أدنى من رصيد السيولة النقدية في حساب مصرفي خارجي تملك الجهة المقرضة إمكانية الوصول إليه.

ويقول براد باركس، المدير التنفيذي لهيئة “إيد داتا” إنه “إذا فشل المقترض في سداد دينه، فإن بإمكان الصين ببساطة أن تسحب الأموال من هذا الحساب المصرفي بدون الحاجة إلى تحصيل الديون المعدومة من خلال الإجراءات القضائية”.

وهذا النهج نادراً ما نراه في القروض الصادرة عن المقرضين الغربيين.

هناك مبادرة حالياً من قبل مجموعة العشرين- وهي تلك الدول التي تملك أكبر الاقتصادات وأسرعها نمواً- بتخفيف عبء الديون عن كاهل الدول الفقيرة لمساعدتها على مواجهة تأثيرات جائحة فيروس كورونا.

وانضمت الصين إلى هذه المبادرة وقالت إنها ساهمت “بأعلى مبلغ من سداد الديون” من أي دولة تشارك في الخطة.

ويقول البنك الدولي إنه منذ ماي 2020، قُدم مبلغ إجمالي يزيد عن 10.3 مليار دولار على شكل تخفيف للديون من قبل دول مجموعة العشرين بموجب هذه الخطة.

وأدت الديون إلى أزمة سداد، مع امتلاك الصين حوالى 72 في المئة من ديون كينيا الخارجية التي تبلغ 50 مليار دولار. وعلى مدى السنوات القليلة المقبلة، من المتوقع أن تدفع كينيا 60 مليار دولار لبنك الصين، “إكسيم” وحده، بحسب مصادر مطلعة، ويمكن أن يُفقد ميناء مومباسا، إذا تخلفت كينيا عن سداد القرض، وفقاً لمراجع الحسابات العام في كينيا.

وكان 28 أكتوبر الماضي، يوماً سيئاً لوزير المالية الأوغندي ماتيا كاسايجا الذي نُقل إلى البرلمان واستجوابه بشأن شروط قرض صيني بقيمة 200 مليون دولار لتوسيع مطار عنتيبي الذي يخدم العاصمة كمبالا، واعتذر للمشرعين المجتمعين قائلاً، “ما كان يجب أن نقبل بعض البنود”، “لكنهم قالوا لك، إما أن تأخذه أو تتركه”.

وبحسب “فايننشال تايمز”، تشكل البنوك الصينية الآن حوالى خمس إجمالي الإقراض لأفريقيا، ويتركز في عدد قليل من البلدان الاستراتيجية أو الغنية بالموارد بما في ذلك أنغولا وجيبوتي وإثيوبيا وكينيا وزامبيا، وبلغ الإقراض السنوي ذروته عند 29.5 مليار دولار في عام 2016، وفقاً لأرقام مبادرة الأبحاث الصينية الأفريقية في جامعة جونز هوبكنز، وعلى الرغم من تراجعه في عام 2019 إلى 7.6 مليار دولار، فإن الأرقام لا تزال كبيرة.

وبعد الغوص في أفقر قارات العالم، أصبح المقرضون الصينيون أكثر حذراً إذ وصلت بعض الدول إلى الحد الأقصى لقدرتها على الاقتراض واحتمال التخلف عن السداد يلوح في الأفق. ويسرد صندوق النقد الدولي أكثر من 20 دولة أفريقية على أنها تواجه ضائقة ديون أو معرضة لخطر كبير، ورداً على ذلك، تبنى المقرضون، بما في ذلك “تشاينا إكسيم بنك” و”بنك التنمية الصيني”، وهما بنكان سياسيان رئيسان في البلاد، شروط إقراض متشددة بشكل متزايد. وقد بدأت تلك الظروف، التي يختلف بعضها اختلافاً ملحوظاً عن الدائنين الرسميين الآخرين، في الاختبار، إذ تفرض المصاعب الاقتصادية المرتبطة بالوباء عبئاً على البلدان الأفريقية المثقلة بالديون.