عماد بن حليمة يكتب عن الإشكاليات القانونية ذات العلاقة بالانتخابات الرئاسية

0
242

تأتي الانتخابات الرئاسية المنتظرة في الثلث الاخير من هذه السنة بعد ان شهدت البلاد تحولات تشريعية مهمة وهي وضع دستور جديد للبلاد و تغيير التنظيم السياسي و الاداري و خلق غرفة ثانية تسمى بمجلس الاقاليم و الجهات و مجالس محلية مع سبق اتخاذ قرار بحل المجالس البلدية و عدم الدعوة لتنظيم انتخابات جديدة وهو ما عساه يطرح عديد الاشكاليات القانونية المنتظرة في علاقة بالتوفيق بين النصوص القانونية المتناثرة من ناحية و اتضاح الرؤية في تمشي السلطة نحو اقصاء اغلب الخصوم السياسيين من الانتخابات الرئاسية .

من المرجح ان تكون النية كانت متجهة لتعديل القانون الانتخابي بغاية مزيد التضييق لكن يبدو ان هناك ضغوطا خارجية دفعت نحو امرين اولهما الاعلان عن موعد الانتخابات الرئاسية و ثانيهما انه لن يتم تنقيح القانون الانتخابي و هذا ما صرح به وزير الخارجية اخيرا في ملتقى اممي لبعث رسالة طمانة للشركاء و لمقدمي الاعانات و على راسهم الاتحاد الاوروبي و ما صرح به كذلك رئيس الجمهورية اخيرا لكن هذا الكلام يؤخذ على محملين فهل ان السلطة صادقة في احترام الميثاق الانتخابي ام انه سيقع توظيف هيئة الانتخابات التابعة هيكليا لرئيس الجمهورية لاصدار قرارات ترتيبية تتضمن تنقيحا مقنعا للقانون الانتخابي في اتجاه التضييق على المترشحين و هذا امر وارد جدا خاصة و اننا شهدنا في ما سبق اخطر من هذا التمشي و الكل يتذكر انه بعد ان تم السهو عن التنصيص في باب الاحكام الانتقالية للدستور الجديد بان الباب المتعلق بتنظيم مجلس الاقاليم و الجهات يدخل حيز التنفيذ بعد اجراء الانتخابات الخاصة به و ترسيته و امام المشكل القانوني الذي طرح بخصوص ضرورة مصادقة ذلك المجلس على البعض من القوانين و خاصة قانون المالية لسنة 2023 و الحال انه غير موجود تولى مجلس نواب الشعب عند سن نظامه الداخلي التنصيص على ان المجلس التشريعي يمارس اختصاصات مجلس الاقاليم و الجهات الى حين انتخاب هذا الاخير و بذلك تم تنقيح الدستور بشكل غير مباشر بالنظام الداخلي للمجلس و هذا لعمري من العشوائيات القانونية المثيرة للاشمئزاز.

من اهم الاشكاليات القانونية ذات العلاقة بالانتخابات الرئاسية المقبلة هي الشروط المتعلقة بالسن الدنيا للترشح و التزكيات المطلوبة و نقاوة السوابق العدلية .

في ما يتعلق بمسالة السن الدنيا للترشح فالملاحظ ان الدستور الجديد و لئن حافظ على نفس تلك السن في ما يخص الانتخابات التشريعية وهي ثلاثة و عشرون سنة فانه قام بمراجعتها بخصوص الترشح لمنصب رئيس الجمهورية بان رفع فيها من 35 الى 40 سنة يوم تقديم الترشح وهو ما نتج عنه تنافر بين النص الدستوري الجديد وهو الفصل 89 من الدستور و النص التشريعي الجاري العمل به وهو الفصل 40 من القانون الاساسي عدد 16 لسنة 2014 المؤرخ في 26/05/2014 المتعلق بتنظيم الانتخابات و الذي كان متطابقا مع احكام دستور 2014 بخصوص السن الدنيا للترشح و لم يشهد تعديلا بعد دخول الدستور الجديد حيز التطبيق .

شهد القانون الانتخابي المذكور تنقيحا بعد بداية العمل بدستور 2022 و كان ذك بموجب المرسوم عدد 55 لسنة 2022 المؤرخ في 15/09/2022 و شمل تنقيح بعض الاحكام و اضافة احكام جديدة خاصة بالمجالس المحلية و بمجلس الاقاليم و الجهات الا انه وقع السهو عن تنقيح الفصل 40 منه بخصوص السن الدنيا للترشح لمنصب رئيس الجمهورية و بالتالي فان الفصل 40 المذكور هو الذي يحظى اليوم بالتطبيق و لا يجوز لهيئة الانتخابات الاحتكام الى الدستور الجديد لضبط السن القانونية الدنيا للترشح باربعين سنة لان الوثيقة الدستورية هي مجموعة من المبادىء و الشروط التي يجب تكريسها في القوانين بطريق تعديلها و لا يجوز لقرار ترتيبي يصدر عن هيئة الانتخابات ان ينقح نصا تشريعيا حتى يصبح متطابقا مع احكام الدستور و ذلك احتراما لمقتضيات مبادىء الشرعية و العلوية .

اما بخصوص شرط نقاوة السوابق العدلية فلئن تم التنصيص عليه بالفصلين 19 و 21 من القانون الانتخابي المذكور بعد تنقيحه بموجب المرسوم عدد 55 لسنة 2022 المؤرخ في 15/09/2022 فان الفصل 40 و ما بعد من نفس القانون و بالباب المنظم لشروط الترشح لرئاسة الجمهورية لا يضع نقاوة السوابق شرطا لقبول الترشح و عليه فان المحكوم عليه بالسجن او بالخطية من اجل جريمة قصدية و كل شخص يجري ضده تتبع جزائي و لو كان موقوفا له الحق في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية و الملفت للانتباه ان الاستاذ قيس سعيد لم يدخل تنقيحا على القانون الانتخابي في هذا الصدد بموجب المرسوم عدد 55 لسنة 2022 مما يبقي الباب مفتوحا للجميع.

يبدو ان الرئيس تفطن لهذا الامر و تحدث في احدى لقاءاته الاخيرة عن امكانية تواجد مترشحا للانتخابات الرئاسية محكوما غيابيا من اجل جريمة ارهابية و يبدو ان ذلك كان من باب التحضير لتنقيح القانون الانتخابي ليشمل منع الترشح ليس فقط على ذوي السوابق العدلية و لكن ايضا على من لهم تتبعات جزائية جارية ضدهم و لم تصدر بشانها احكام باتة و المتمتعين مبدئيا بقرينة البراءة لكن يبدو انه تم العدول عن الفكرة نتيجة ضغوطات اجنبية و على وجه التحديد من الاتحاد الاوروبي.

ان ما صرح به رئيس الجمهورية مؤخرا من ان القانون الاتخابي لن يشهد تنقيحا اعاد الى ذهني امكانية الاستعاضة عن مجلس النواب بهيئة الانتخابات لتصدر قرار ترتيبيا يمنع ذوي السوابق العدلية او من تجري ضدهم تتبعات جزائية من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية و في ذلك اعتداء صارخ على الشرعية و عدم احترام لمبدا تدرج النصوص القانونية اذ ان من غير المستساغ ان يتولى النص الموجود في ادنى السلم ان تنقيح نصا تشريعيا لا لبس فيه و لا نقص يعتريه .

الخاطرة القانونية الثالثة التي اردت التعريج عليها هي تلك المتعلقة بالتزكيات .

جاء بالفصل 41 من القانون الانتخابي ان المترشح لرئاسة الجمهورية مطلوب منه احضار عشر تزكيات من مجلس نواب الشعب او اربعين تزكية من رؤساء مجالس الجماعات العمومية المحلية او تزكيات من عشرة الاف ناخب مرسمين بالقوائم الانتخابية و ينتمون الى عشرة دوائر انتخابية على الاقل على ان لا يقل عدد الناخبين المزكين عن خمسمائة بالنسبة لكل دائرة من الدوائر العشر .

جاء بالفصل 56 من الدستور الجديد ان الشعب صاحب السيادة يفوض الوظيفة التشريعية لمجلس اول وهو مجلس نواب الشعب و لمجلس ثان وهو مجلس الجهات و الاقاليم و عليه فان ما يمكن ان يتبادر للذهن اليوم هو البحث عن مدى امكانية القول بجواز سحب منح التزكية للمترشح للانتخابات الرئاسية من طرف مجلس الاقاليم و الجهات بعد ان تم بدء العمل بنظام الغرفتين و انا لا استبعد صدور فتوى عن هيئة بوعسكر في هذا الاتجاه .

ما يثير الانتباه و التساؤل ايضا هو مسالة الحصول على التزكيات من رؤساء الجماعات العمومية المحلية و المقصود بذلك البلديات فبعد ان تم حل المجالس البلدية اصبح المترشح للانتخابات الرئاسية محروما من الانتفاع بهذا النوع من التزكيات في ظل عدم تجديد هذه الهياكل و اجراء انتخابات جديدة و التركيز فقط على ترسية الهياكل التي احدثها الدستور الجديد.

قد تصدر هيئة الانتخابات فتوى قانونية تستعيض فيها عن الجماعات العمومية المحلية بالمجالس المحلية التي افرزتها الانتخابات الاخيرة و تصبح مؤهلة لتقديم التزكيات .

شخصيا لم اعد استغرب شيئا و الاكيد ان المناخ الانتخابي ملوث تشريعيا و سياسيا و قضائيا.

الاستاذ عماد بن حليمة 16 مارس 2024