اختارت المملكة المغربية التعامل بحذر مع المقترح الصيني الرامي إلى إبرام اتفاقية للتبادل الحر، مفضلة إجراء دراسات تقنية معمقة قد تستغرق سنوات قبل الانتقال إلى مرحلة التفاوض. ويثير هذا الموقف تساؤلات في تونس، التي تواجه بدورها اختلالا كبيرا في الميزان التجاري مع الصين، ما يجعل أي خطوة نحو مزيد من الانفتاح التجاري تستوجب تقييما دقيقا للمكاسب والمخاطر.
وأكد وزير الصناعة والتجارة المغربي، رياض مزور، أن بكين تقدمت رسميا بطلب لإبرام اتفاقية للتبادل الحر في ديسمبر الماضي، إلا أن الرباط قررت عدم التسرع، معتبرة أن تقييم آثار مثل هذه الاتفاقية على الاقتصاد الوطني والقطاع الصناعي والشركاء التجاريين يمثل أولوية.
وأوضح مزور أن الدراسات الجارية ستحدد المنتجات التي يمكن للمغرب أن يستفيد من تصديرها إلى السوق الصينية، والقطاعات التي ينبغي حمايتها من المنافسة، إضافة إلى مدى تأثير الاتفاق المحتمل على الالتزامات التجارية للمغرب مع شركائه الآخرين، مشيرا إلى أن هذه العملية قد تستغرق سنوات قبل اتخاذ أي قرار.
الحذر المغربي… رسالة لتونس؟
ويكتسب هذا الموقف أهمية خاصة بالنسبة لتونس، التي ترتبط بعلاقات تجارية متنامية مع الصين، لكنها تعاني في المقابل من عجز تجاري كبير لصالح بكين، نتيجة ارتفاع الواردات مقابل محدودية الصادرات التونسية إلى السوق الصينية.
ويحذر خبراء الاقتصاد من أن أي اتفاق للتبادل الحر مع الصين، في غياب قاعدة تصديرية قوية ومتنوعة، قد يؤدي إلى تعميق الاختلال التجاري بدل معالجته، وهو ما يفسر حرص المغرب على إجراء تقييم شامل قبل الإقدام على أي التزام.
تونس تبحث عن حلول
وتعمل تونس منذ سنوات على الحد من آثار هذا الاختلال عبر البحث عن آليات مالية وتجارية جديدة. ومن أبرز هذه المبادرات توقيع اتفاق بين البنك المركزي التونسي والبنك المركزي الصيني يسمح باستخدام الدينار التونسي واليوان الصيني في المبادلات التجارية والعمليات المالية الثنائية، بهدف تقليص الاعتماد على الدولار والحد من مخاطر تقلبات أسعار الصرف وتكاليف التحويل.
إلا أن هذه الخطوة، رغم أهميتها المالية، لا تعالج جوهر المشكلة، إذ يبقى التحدي الأساسي متمثلا في ضعف الصادرات التونسية نحو السوق الصينية مقارنة بحجم الواردات.
الإعفاءات الجمركية ليست كافية
كما أن قرار الصين منح امتيازات جمركية وتسهيلات لعدد من الدول الإفريقية، من بينها تونس، لا يضمن تلقائيا تقليص العجز التجاري، لأن الاستفادة من هذه التسهيلات تظل مرتبطة بقدرة الاقتصاد التونسي على إنتاج سلع تنافسية تلبي متطلبات السوق الصينية من حيث الجودة والكميات والأسعار.
وبعبارة أخرى، فإن فتح السوق الصينية أمام المنتجات التونسية لا يحقق نتائج ملموسة ما لم تتوفر قاعدة إنتاجية قادرة على استغلال هذه الفرصة.
الدرس المغربي
ويبرز الموقف المغربي أن اتفاقيات التبادل الحر لم تعد مجرد قرارات دبلوماسية أو سياسية، بل أصبحت أدوات اقتصادية تستند إلى دراسات دقيقة لقياس أثرها على الصناعة الوطنية والميزان التجاري وفرص الاستثمار.
وفي ظل العجز التجاري المزمن الذي تعاني منه تونس مع الصين، يرى متابعون أن الأولوية ينبغي أن تتركز على تنويع الصادرات، ورفع القيمة المضافة للمنتجات التونسية، وتحسين تنافسية المؤسسات المصدرة، قبل التفكير في توسيع الانفتاح التجاري.
فنجاح أي امتيازات تمنحها بكين، سواء عبر الإعفاءات الجمركية أو تسهيل المبادلات باليوان، سيظل رهينا بقدرة تونس على زيادة صادراتها إلى السوق الصينية، وإلا فإن الميزان التجاري سيواصل الميل لصالح ثاني أكبر اقتصاد في العالم.



