دخلت أزمة منظومة بيض الاستهلاك في تونس شهرها الخامس وسط استمرار تراجع أسعار البيع في مواقع الإنتاج وتراكم الخسائر التي يتكبدها المنتجون، في وقت تحذّر فيه الكنفدرالية التونسية للفلاحين والتعاونيين من تداعيات الأزمة على المؤسسات الصغرى والمتوسطة وعلى استدامة القطاع ككل.
وأعربت الكنفدرالية، في بيان لها، عن «بالغ انشغالها» إزاء استمرار ما وصفته بـالأزمة الهيكلية التي تضرب منظومة بيض الاستهلاك، معتبرة أن المنتجين، وخاصة صغار ومتوسطي المربين، أصبحوا الحلقة الأضعف والأقل قدرة على تحمل الخسائر المتواصلة.
الحر والكهرباء يضاعفان خسائر المربين
ولم تقتصر الضغوط على تراجع أسعار البيع، إذ تزامنت الأزمة مع موجة الحر الشديدة والانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، ما اضطر عددًا من المنتجين، وفق الكنفدرالية، إلى تشغيل المولدات الكهربائية لساعات طويلة وتحمل تكاليف إضافية مرتبطة بالمحروقات والصيانة والتشغيل.
كما أدت درجات الحرارة المرتفعة إلى تراجع مردودية الإنتاج نتيجة الإجهاد الحراري الذي يصيب القطيع، في حين تم تسجيل حالات نفوق لدى عدد من المربين، بحسب البيان، بسبب تزامن انقطاع الكهرباء مع أعطال في تجهيزات التبريد والتهوئة.
وترى الكنفدرالية أن هذه العوامل عمّقت الخسائر التي يواجهها المنتجون، ووضعت المؤسسات الصغرى والمتوسطة أمام ضغوط إضافية تهدد قدرتها على مواصلة النشاط.
الأعلاف المستوردة تزيد الفجوة بين الكلفة وسعر البيع
وتواجه المنظومة، وفق المصدر ذاته، ضغوطًا أخرى ناجمة عن ارتفاع كلفة الإنتاج، خاصة الأعلاف التي تعتمد بدرجة كبيرة على مواد أولية موردة.
وتقول الكنفدرالية إن التقلبات الجيوسياسية الدولية واضطرابات سلاسل التوريد وارتفاع تكاليف الشحن البحري وتقلب أسعار المواد الأولية، كلها عوامل ساهمت في زيادة كلفة الإنتاج، في وقت تواصل فيه أسعار البيع في مواقع الإنتاج تراجعها.
وتحذّر من أن اتساع الفجوة بين كلفة الإنتاج وسعر البيع يهدد بتعميق هشاشة القطاع، خصوصًا بالنسبة إلى المنتجين الصغار والمتوسطين.
«الأزمة ليست ظرفية».. فائض هيكلي يضغط على القطاع
وترى الكنفدرالية أن ما يحدث لا يمكن اختزاله في عوامل ظرفية، معتبرة أن الأزمة تعكس اختلالات هيكلية في حوكمة القطاع وتنظيم الإنتاج أدت إلى فائض مستمر واختلال في التوازن بين العرض والطلب.
وتشير إلى أن إنتاج بيض الاستهلاك يعتمد أساسًا على مدخلات إنتاج موردة تستوجب تعبئة موارد هامة من العملة الصعبة، معتبرة أن استمرار الاختلالات الحالية يمثل، وفق تقديرها، استنزافًا للاقتصاد الوطني.
الخزن التعديلي تحت المجهر
وأثارت الكنفدرالية أيضًا تساؤلات حول نجاعة آلية الخزن التعديلي التي استوجبت، وفق البيان، تعبئة موارد عمومية، معتبرة أنها لم تنجح في إعادة التوازن بين العرض والطلب حتى بصورة ظرفية.
كما أشارت إلى تصدير جزء من الفائض الهيكلي الناتج عن إنتاج خارج إطار البرمجة الرسمية بأسعار تقل عن كلفة الإنتاج، إلى جانب تراجع إنتاجية القطيع نتيجة موجة الحر والإجهاد الحراري.
وترى الكنفدرالية أن محدودية تأثير هذه التدخلات تطرح تساؤلات حول مدى نجاعة المعالجة الحالية لأزمة تعتبرها ذات طبيعة هيكلية، وكذلك حول حسن توظيف المال العام في عمليات الخزن التعديلي وتأثير عمليات التصدير على مردودية القطاع وعلى رصيد الدولة من العملة الأجنبية.
لماذا لم تبدأ الإصلاحات بعد؟
وفي لهجة تحذيرية، تساءلت الكنفدرالية عن أسباب اكتفاء الهياكل المشرفة على القطاع بمتابعة تطورات الأزمة، في وقت لم تنطلق فيه، وفق تقديرها، الإصلاحات الهيكلية الضرورية لمعالجة أسبابها، رغم استمرار خسائر المنتجين للشهر الخامس على التوالي.
كما عبّرت عن انشغالها بمستقبل الدور الذي أُحدث من أجله الديوان الوطني للأعلاف، باعتباره آلية تهدف إلى الحد من الاختلالات في منظومة الأعلاف وتقليص فوارق الكلفة بين المنتجين، وخاصة صغار ومتوسطي المربين.
وحذّرت من أن استمرار تدهور أوضاع هذه الفئة قد يعيدها إلى التبعية الاقتصادية للشركات التي تستأثر بتوريد المواد الأولية الأساسية لصناعة الأعلاف المركبة، وهو ما قد يحد، بحسبها، من نجاعة الدور الموكول إلى الديوان ويقوض الأهداف التي أُحدث من أجلها.
دعوة إلى إنقاذ المنتجين قبل اتساع دائرة الأزمة
ودعت الكنفدرالية التونسية للفلاحين والتعاونيين وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري إلى الإسراع بإطلاق إصلاح هيكلي شامل لمنظومة بيض الاستهلاك، يقوم على مراجعة منظومة الحوكمة وتعزيز آليات الرقابة والمتابعة وضمان التطبيق الفعلي للضوابط المنظمة للقطاع.
كما طالبت بوضع برنامج عاجل للإحاطة بالمنتجين المتضررين من موجة الحر الأخيرة ومن تداعيات الأزمة، بما يساعدهم على الصمود ومواصلة نشاطهم والحفاظ على النسيج الإنتاجي، مع إعطاء أولوية للمؤسسات الصغرى والمتوسطة.
وأكدت الكنفدرالية أن استمرار التعويل على الحلول الظرفية لن يؤدي، في تقديرها، إلا إلى إطالة أمد الأزمة، مشددة على أن إنقاذ منظومة بيض الاستهلاك يتطلب إصلاحات هيكلية عاجلة تعالج أسباب الاختلالات، وتحافظ على استدامة الإنتاج، وتضمن المنافسة العادلة، وتحسن توظيف الموارد الوطنية، بما يخدم المنتج والمستهلك والاقتصاد الوطني.



