لم يكن آلاف الطلبة الذين سجلوا أسماءهم في مؤسسات التعليم العالي الخاصة يتوقعون أن يجدوا أنفسهم، في غضون أيام قليلة، في قلب جدل قانوني ومؤسساتي يتجاوز أسوار الجامعات وقاعات الدرس ليصل إلى الرأي العام، ويطرح أسئلة عميقة حول حدود اختصاص كل من الدولة والهيئات المهنية.
فمع إعلان عمادة المهندسين التونسيين قائمة بالمؤسسات التي اعتبرتها مستوفية للشروط المتعلقة بالترسيم في جدول المهندسين، والإعلان في المقابل عن مواصلة دراسة ملفات مؤسسات أخرى مقابل معلوم يناهز عشرة آلاف دينار، تحولت القضية من نقاش أكاديمي إلى ملف يمس مستقبل آلاف الطلبة، واستثمارات بملايين الدنانير، وصورة قطاع أصبح خلال السنوات الأخيرة أحد مكونات منظومة التعليم العالي في تونس.
وبين من يرى أن العمادة تمارس دورها الطبيعي في حماية مهنة ترتبط مباشرة بسلامة المواطنين، ومن يعتبر أن ما حدث يمثل توسعًا في الاختصاصات القانونية قد يخلق سلطة موازية لسلطة الدولة، يبقى الطالب الحلقة الأكثر تأثرًا بهذا الجدل.
فهو لم يختر الدخول في نزاع قانوني بين مؤسسات، ولم يسجل في جامعة غير مرخص لها، بل التحق بمؤسسة حصلت على ترخيص رسمي من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وافترض، بحسن نية، أن هذا الترخيص كافٍ لضمان سلامة مساره الأكاديمي والمهني.
اليوم، يجد هذا الطالب نفسه أمام تساؤلات لم تكن مطروحة عند تسجيله: هل تكفي الشهادة التي سيحصل عليها؟ وهل سيواجه عراقيل عند طلب الترسيم بجدول المهندسين؟ وهل يمكن أن يصبح اختلاف في تفسير الصلاحيات سببًا في إرباك مستقبله المهني؟
هذه الأسئلة لا تخص الطلبة وحدهم، بل تمتد إلى أوليائهم، وإلى المستثمرين في قطاع التعليم العالي الخاص، وإلى المؤسسات العمومية نفسها، لأنها تمس إحدى القواعد الأساسية في دولة القانون، وهي وضوح الاختصاصات وعدم تداخلها.
ماذا يقول القانون؟
لفهم جوهر الخلاف، لا بد من العودة إلى النصوص القانونية التي تنظم قطاع التعليم العالي الخاص.
القانون عدد 73 لسنة 2000 المؤرخ في 25 جويلية 2000 والمتعلق بالتعليم العالي الخاص رسم بوضوح الإطار القانوني لإحداث مؤسسات التعليم العالي الخاصة وتنظيم نشاطها.
وبموجب هذا القانون، تتولى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي إسناد التراخيص للمؤسسات الخاصة، والتثبت من احترامها لكراسات الشروط، ومراقبة جودة التكوين، واعتماد البرامج وفق المنظومة الوطنية، والاعتراف بالشهادات الوطنية التي تمنحها تلك المؤسسات في إطار التشريع الجاري به العمل.
وبعبارة أخرى، فإن الدولة هي صاحبة الاختصاص الأصيل في تنظيم مؤسسات التعليم العالي، وهي التي تتحمل مسؤولية الترخيص لها ومراقبتها وسحب الترخيص منها عند الاقتضاء.
وعند قراءة هذا القانون، لا يجد المتابع نصًا يمنح عمادة المهندسين صلاحية الترخيص للمؤسسات الجامعية، أو اعتمادها، أو تصنيفها، أو نشر قوائم بالمؤسسات المقبولة وغير المقبولة، أو فرض رسوم مقابل دراسة ملفاتها.
وهنا يبدأ الإشكال القانوني الذي أصبح محور النقاش.
ماذا تقول عمادة المهندسين؟
في المقابل، تؤكد عمادة المهندسين أن الجدل انطلق من فهم غير دقيق لدورها القانوني.
فالعمادة لا تقول إنها تمنح تراخيص للجامعات، ولا تدعي أنها تحل محل وزارة التعليم العالي، وإنما تعتبر أنها تمارس صلاحية مختلفة تمامًا تتمثل في تنظيم ممارسة مهنة الهندسة، والبت في مطالب الترسيم بجدول المهندسين.
وبحسب العميد المهندس محسن الغرسي، فإن الترخيص لمؤسسة تعليمية شيء، والحق في ممارسة مهنة منظمة بقانون شيء آخر.
ويشدد على أن العمادة لا تعتمد الجامعات، وإنما تتثبت من أن خريجيها استوفوا الشروط المهنية التي تسمح لهم بحمل صفة « مهندس ».
ويرى أن هذا الاختصاص لا يمثل توسعًا في صلاحيات العمادة، بل تطبيقًا للقانون المنظم للمهنة.
حين يصبح المهندس مسؤولًا عن حياة الناس
في رسالته إلى الرأي العام، اختار عميد المهندسين أن ينطلق من طبيعة المهنة نفسها.
فالمهندس، بحسب قوله، لا يشغل وظيفة إدارية عادية، بل يصمم الجسور والسدود والأنفاق ومحطات الكهرباء والمستشفيات وشبكات المياه والطرقات والمنشآت الصناعية.
وأي خلل في التكوين أو نقص في الكفاءة قد لا يؤدي فقط إلى خسارة فرصة عمل، وإنما قد تكون نتائجه كارثية على الأرواح والممتلكات.
ومن هذا المنطلق، يرفع الغرسي شعارًا واضحًا: « حين يصبح المهندس مسؤولًا عن حياة الناس، لا يكفي أن يحمل شهادة. »
وتستند العمادة إلى هذه الفلسفة لتبرير تشددها في التثبت من شروط الولوج إلى المهنة، معتبرة أن حماية المجتمع تبدأ من ضمان جودة التكوين الهندسي.
هل الهندسة تختلف عن بقية المهن؟
وتطرح العمادة مقارنة مع بقية المهن المنظمة قانونًا.
فالطبيب، رغم حصوله على شهادة جامعية، لا يستطيع مباشرة المهنة قبل استكمال الإجراءات القانونية المطلوبة.
والمحامي، بدوره، لا يمارس المهنة بمجرد حصوله على شهادة الحقوق، بل يخضع لشروط التسجيل بالهيئة المختصة.
وينطبق الأمر ذاته على الصيادلة والخبراء المحاسبين وعدول الإشهاد وغيرهم.
وبناءً على ذلك، ترى العمادة أن الهندسة ليست استثناءً، وأن من الطبيعي أن توجد هيئة مهنية تتثبت من شروط ممارسة المهنة.
غير أن منتقدي هذا الطرح يردون بأن المقارنة ينبغي أن تتم بحذر، لأن الإشكال الحالي لا يتعلق بحق العمادة في الترسيم، وإنما بطريقة تعاملها مع المؤسسات الجامعية نفسها، وما إذا كانت القوائم التي نشرتها تنتج، من الناحية العملية، أثرًا قريبًا من الاعتماد أو عدمه.
أين يقف الطالب؟
ورغم أهمية النقاش القانوني، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا هو: من يحمي الطالب؟
فالطالب لا يختار النصوص القانونية، ولا يحدد حدود اختصاص المؤسسات.
وهو عندما يسجل في جامعة خاصة، يفعل ذلك اعتمادًا على ترخيص رسمي صادر عن الدولة، وغالبًا بعد أن تستثمر أسرته مبالغ مالية كبيرة في تعليمه.
ومن ثم، فإن أي خلاف بين الهياكل يجب ألا يتحول إلى مصدر قلق للطلبة أو سبب في إرباك مساراتهم الأكاديمية.
ويرى عدد من المختصين أن حماية الطالب تقتضي أولًا وضوحًا تشريعيًا، بحيث يعرف منذ اليوم الأول للدراسة جميع الآثار القانونية المترتبة عن اختياره للمؤسسة التي سيلتحق بها، دون أن يفاجأ لاحقًا بتفسيرات مختلفة للنصوص.
الجامعات الخاصة… شريك في المنظومة
وخلال العقدين الأخيرين، لم يعد التعليم العالي الخاص ظاهرة هامشية في تونس، بل أصبح جزءًا من المنظومة الجامعية الوطنية.
فقد استثمر أصحاب هذه المؤسسات مبالغ كبيرة في البنية التحتية والتجهيزات والموارد البشرية، كما وفرت آلاف مواطن الشغل بين أساتذة وإداريين وتقنيين.
ولم يعد نشاط هذه الجامعات يقتصر على الطلبة التونسيين، بل أصبحت تستقطب أعدادًا متزايدة من الطلبة الأجانب، ولا سيما من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما جعلها تساهم في إدخال العملة الصعبة إلى البلاد، فضلاً عن تنشيط قطاعات السكن والخدمات والنقل والاستهلاك.
ويرى مختصون أن هذا البعد الاقتصادي ينبغي أن يكون حاضرًا في أي نقاش يتعلق بمستقبل القطاع، لأن استقرار الإطار القانوني يمثل عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على جاذبية تونس كوجهة جامعية إقليمية.
غير أن هذا الدور الاقتصادي لا يعفي المؤسسات الخاصة، في المقابل، من مواصلة الاستثمار في الجودة والشفافية، باعتبار أن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة تعليمية.
عشرة آلاف دينار… الرسوم التي فجرت الجدل
إذا كانت القوائم التي نشرتها عمادة المهندسين قد أثارت نقاشًا واسعًا، فإن الإعلان عن مواصلة دراسة ملفات بعض مؤسسات التعليم العالي الخاصة مقابل معلوم يقارب عشرة آلاف دينار فتح بابًا آخر من الأسئلة، هذه المرة حول الطبيعة القانونية لهذا المبلغ.
فالمسألة لم تعد تقتصر على قيمة مالية مرتفعة بالنسبة لبعض المؤسسات، وإنما أصبحت تتعلق بالسند القانوني الذي يسمح باستخلاص هذا المعلوم.
هل يمثل هذا المبلغ معلومًا قانونيًا أقره نص تشريعي أو ترتيبي؟
أم أنه مقابل خدمة اختيارية يمكن للمؤسسات أن تقبلها أو ترفضها؟
وهل يجوز أصلًا لهيئة مهنية أن تفرض رسومًا مرتبطة بدراسة ملفات مؤسسات تعليمية، في حين أن القانون المنظم للتعليم العالي الخاص لم يسند إليها أصلًا مهمة اعتماد الجامعات أو تقييمها؟
هذه الأسئلة لم تجد إلى حد الآن إجابات قانونية حاسمة، وهو ما ساهم في توسيع دائرة الجدل.
مقارنة تطرح أكثر من علامة استفهام
ولعل أكثر ما لفت انتباه المتابعين هو المقارنة بين هذا المبلغ وبين الرسوم المعمول بها في هياكل مهنية أخرى.
فعلى سبيل المثال، لا يتجاوز معلوم الانخراط السنوي بعمادة المحامين التونسيين 49 دينارًا، وهو مبلغ رمزي مقارنة بعشرة آلاف دينار المطلوبة لدراسة ملف مؤسسة جامعية.
صحيح أن طبيعة الخدمتين مختلفة، وأن المقارنة ليست حسابية بالضرورة، إلا أن الفارق الكبير في القيمة دفع كثيرين إلى التساؤل عن الأسس التي تم اعتمادها في تحديد هذا المعلوم، وعن كيفية احتسابه، وما إذا كان يعكس كلفة فعلية لإجراءات فنية، أم أنه يمثل آلية جديدة لم ينظمها القانون بصورة صريحة.
وفي غياب توضيحات مفصلة، بقي هذا الجانب أحد أكثر عناصر الملف إثارة للنقاش.
العمادة: لسنا ضد التعليم الخاص
في خضم الانتقادات، حرص عميد المهندسين المهندس محسن الغرسي على توجيه رسالة مباشرة إلى الرأي العام، أكد فيها أن العمادة ليست في مواجهة التعليم العالي الخاص، بل تعتبره شريكًا أساسيًا في تطوير المنظومة الجامعية إذا احترم معايير الجودة والشفافية.
ويقول الغرسي إنه شخصيًا لا يعارض التعليم الخاص، بل يرى أنه عنصر مهم في تطوير التعليم العالي وتخفيف الضغط عن الجامعات العمومية، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن قوة أي منظومة تعليمية لا تقاس بعدد المؤسسات، وإنما بقدرتها على تخريج كفاءات تستجيب لمتطلبات المهنة.
ويضيف أن العمادة لا تدافع عن امتيازات لفئة معينة، وإنما عن قيمة شهادة المهندس التونسي، سواء كان خريج جامعة عمومية أو خاصة.
« لسنا في صراع مع الوزارة »
ومن بين أبرز النقاط التي حرص العميد على توضيحها، نفي وجود أي صراع مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
فالوزارة، بحسب قوله، تمارس اختصاصها في الترخيص للمؤسسات التعليمية والإشراف على نشاطها الأكاديمي، بينما تمارس العمادة اختصاصًا آخر يتعلق بالترسيم بجدول المهندسين ومنح الحق في حمل الصفة المهنية.
ويعتبر الغرسي أن المؤسستين تؤديان وظيفتين مختلفتين ولكنهما متكاملتان، وأن الخلط بينهما هو الذي ولد الانطباع بوجود تعارض في الصلاحيات.
لماذا تطلب العمادة ملفات الجامعات؟
يبرر عميد المهندسين مطالبة المؤسسات الخاصة بتقديم ملفاتها بأن العمادة مسؤولة عن التثبت من عناصر يعتبرها أساسية قبل قبول خريجي أي مؤسسة في جدول المهندسين.
ومن بين هذه العناصر، يشير إلى البرامج البيداغوجية، ومستوى التأطير، وعدد الأساتذة، والتربصات، والمخابر، ومخرجات التكوين، وغيرها من المؤشرات التي يرى أنها ضرورية لضمان جودة التعليم الهندسي.
وبحسب العمادة، فإن هذه الإجراءات لا تستهدف الجامعات في حد ذاتها، وإنما تهدف إلى حماية المهنة وحماية المجتمع.
لكن… هل تكفي النوايا؟
رغم وجاهة الاعتبارات المتعلقة بجودة التكوين، يرى عدد من رجال القانون أن حسن النية وحده لا يكفي لتوسيع الاختصاصات.
ففي دولة القانون، لا تمارس أي سلطة إلا بناءً على نص قانوني صريح.
وإذا كانت الدولة قد منحت ترخيصًا لمؤسسة جامعية بعد استكمالها جميع الإجراءات القانونية، فإن أي إجراء قد يؤثر عمليًا في وضعها أو في مستقبل خريجيها ينبغي أن يستند بدوره إلى أساس قانوني واضح.
وهنا يكمن جوهر النقاش: هل يتعلق الأمر بمجرد تنظيم للولوج إلى المهنة، أم أننا أمام منظومة موازية للتقييم قد تنتج آثارًا مشابهة للاعتماد الأكاديمي؟
كيف تعالج الدول الأخرى هذه المسألة؟
عند مقارنة التجربة التونسية بعدد من النماذج الدولية، يتبين أن أغلب الدول حرصت على الفصل بين اعتماد المؤسسات الجامعية وتنظيم ممارسة المهنة.
في فرنسا، تتولى هيئة مستقلة أحدثها القانون مهمة اعتماد المدارس الهندسية، بينما لا تقوم الهيئات المهنية بهذا الدور.
وفي كندا، يعتمد مجلس متخصص البرامج الهندسية، في حين تمنح الهيئات المهنية تراخيص ممارسة المهنة بعد استكمال الشروط المطلوبة.
أما في المملكة المتحدة، فتخضع عملية اعتماد البرامج الهندسية لمنظومة قانونية واضحة يشرف عليها مجلس الهندسة بالتعاون مع المؤسسات المهنية المعترف بها، دون أن تتحول أي هيئة مهنية إلى جهة تمنح أو تحجب الاعتراف بالمؤسسات من تلقاء نفسها.
ويستخلص عدد من المختصين من هذه التجارب أن حماية المهنة لا تتعارض مع وضوح توزيع الصلاحيات، بل إن الفصل بين الجانبين يمثل أحد عوامل استقرار المنظومة.
هل تحتاج تونس إلى هيئة مستقلة؟
ويطرح هذا الواقع سؤالًا آخر أصبح يتردد في الأوساط الجامعية: هل آن الأوان لإحداث هيئة وطنية مستقلة لاعتماد برامج التكوين الهندسي، على غرار ما هو معمول به في عدد من الدول؟
فوجود هيئة قانونية مستقلة قد يخفف من التداخل بين وزارة التعليم العالي والهيئات المهنية، ويمنح الجامعات إطارًا واضحًا، ويطمئن الطلبة، ويجنب البلاد مثل هذه الخلافات التي تتكرر كلما برز اختلاف في تفسير النصوص.
غير أن هذا الخيار يبقى، في نهاية المطاف، قرارًا تشريعيًا وسياسيًا يتطلب مراجعة شاملة للمنظومة القانونية المنظمة للتعليم العالي والمهن الهندسية.
قضية تتجاوز الجامعات الخاصة
ورغم أن الجدل انطلق من قائمة تضم عددًا من المؤسسات الخاصة، فإن القضية في حقيقتها أوسع من ذلك بكثير.
فهي تمس مبدأ الأمن القانوني، الذي يقتضي أن تكون القواعد واضحة ومستقرة وقابلة للتوقع.
وهي تمس أيضًا ثقة المستثمرين في قطاع التعليم، وثقة الطلبة في المؤسسات التي يختارونها، وثقة سوق الشغل في الشهادات الجامعية.
كما أنها تطرح سؤالًا حول كيفية تحقيق التوازن بين حق الدولة في تنظيم التعليم، وحق الهيئات المهنية في حماية المهنة، وحق الجامعات الخاصة في العمل ضمن إطار قانوني مستقر، وحق الطلبة في مستقبل لا تحيط به الشكوك.
الجامعات الخاصة… قطاع اقتصادي لا يقتصر على التعليم
قد يختزل البعض دور الجامعات الخاصة في كونها مؤسسات تقدم خدمات تعليمية بمقابل، غير أن الواقع الاقتصادي الذي تشكل خلال العقدين الأخيرين يجعل الصورة أكثر تعقيدًا.
فهذا القطاع تحول تدريجيًا إلى أحد مكونات الاقتصاد الوطني، إذ استثمرت فيه رؤوس أموال مهمة، وأصبح يوفر آلاف مواطن الشغل بين أساتذة جامعيين، وباحثين، وإطارات إدارية، وتقنيين، وعمال، فضلاً عن مساهمته في تنشيط قطاعات أخرى مرتبطة به، مثل السكن الجامعي، والنقل، والمطاعم، والخدمات الرقمية، والاتصالات.
وخلال السنوات الأخيرة، راهنت تونس على التعليم العالي بوصفه أحد المجالات القادرة على تعزيز إشعاعها الإقليمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وكفاءة جزء مهم من أساتذتها، وانخفاض كلفة الدراسة مقارنة بعدد من الدول الأوروبية.
ولذلك أصبحت العديد من الجامعات الخاصة تستقبل أعدادًا متزايدة من الطلبة الأجانب، ولا سيما من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما يجعلها مصدرًا مهمًا للعملة الصعبة، ومساهمًا في دعم الاقتصاد الوطني، تمامًا كما تفعل قطاعات أخرى قائمة على تصدير الخدمات.
ويؤكد مختصون في اقتصاد التعليم أن الطالب الأجنبي لا يقتصر إنفاقه على معلوم التسجيل، بل يمتد إلى السكن، والنقل، والتأمين، والخدمات الصحية، والاستهلاك اليومي، وهو ما ينعكس إيجابًا على الدورة الاقتصادية المحلية.
ومن ثم، فإن أي اهتزاز في صورة قطاع التعليم العالي الخاص لا ينعكس على الجامعات وحدها، وإنما قد يؤثر أيضًا في قدرة تونس على استقطاب الطلبة الدوليين، في وقت أصبحت فيه المنافسة الإقليمية والدولية شديدة بين الدول الساعية إلى تحويل التعليم إلى قطاع تصديري.
لكن الثقة تُبنى بالشفافية
وفي المقابل، فإن الدفاع عن استقرار الجامعات الخاصة لا يعني إعفاءها من مسؤولية ترسيخ ثقافة الشفافية.
بل إن الجدل الحالي قد يمثل فرصة لهذه المؤسسات لإبراز نقاط قوتها بصورة أكثر وضوحًا.
ففي العديد من الجامعات المرموقة عبر العالم، تنشر المؤسسات بشكل دوري بيانات تفصيلية عن مواردها البشرية والعلمية، وعدد الأساتذة القارين، ونسبة الحاصلين منهم على الدكتوراه، وعدد الباحثين، والمخابر العلمية، والمنصات التكنولوجية، وبراءات الاختراع، والشراكات الدولية، ونسب إدماج الخريجين في سوق الشغل.
ولا يتعلق الأمر بالدعاية، وإنما بحق الطالب في الحصول على المعلومة قبل أن يختار المؤسسة التي سيقضي فيها سنوات من عمره.
ومن هذا المنطلق، قد يكون من المفيد أن تعتمد الجامعات الخاصة في تونس سياسة أكثر انفتاحًا، عبر نشر مؤشرات دقيقة وقابلة للتحقق، من بينها:
- عدد الأساتذة القارين والمتعاقدين.
- عدد الحاصلين على شهادة الدكتوراه والرتب العلمية التي يشغلونها.
- عدد المخابر العلمية، ومكوناتها، وتجهيزاتها.
- الاتفاقيات الدولية المفعلة، وليس الموقعة فقط.
- نسب نجاح الطلبة.
- نسب إدماج الخريجين في سوق الشغل.
- المشاريع البحثية المنجزة.
- الاعتمادات أو شهادات الجودة التي حصلت عليها المؤسسة، إن وجدت.
إن نشر هذه المعطيات لن يخدم الجامعات فحسب، بل سيعزز ثقة الطلبة وأوليائهم، ويمنح الرأي العام أدوات موضوعية للحكم بعيدًا عن الانطباعات.
الوقائع قبل الأحكام
ومن النقاط التي يثيرها المدافعون عن الجامعات الخاصة أن النقاش ينبغي أن يستند إلى الوقائع الموثقة لا إلى الافتراضات.
فإلى حدود اليوم، لم يبرز في المجال العام ما يفيد بوقوع كارثة هندسية معروفة نُسبت رسميًا إلى خلل في تكوين مهندس تخرج من إحدى الجامعات الخاصة التونسية.
وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن منظومة التكوين بلغت درجة الكمال، ولا أن التقييم أو المراجعة غير ضروريين، فالجودة تبقى هدفًا دائمًا، سواء تعلق الأمر بالجامعات العمومية أو الخاصة.
لكن في المقابل، فإن إصدار أحكام عامة على جميع المؤسسات الخاصة، أو التشكيك في كفاءة خريجيها بصورة جماعية، يحتاج إلى معطيات موضوعية ودراسات علمية وإحصاءات دقيقة، لأن سمعة مؤسسة تعليمية قد تتأثر لسنوات طويلة بسبب انطباعات لا تستند إلى أدلة.
كما أن آلاف المهندسين الذين تخرجوا من هذه المؤسسات ويعملون اليوم داخل تونس وخارجها، من حقهم أيضًا ألا توضع كفاءتهم موضع شك بسبب خلاف قانوني بين مؤسسات.
الجودة مسؤولية مشتركة
وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن ما تطرحه عمادة المهندسين بشأن جودة التكوين يستحق النقاش.
فالهندسة ليست تخصصًا أكاديميًا فحسب، بل مهنة ترتبط ارتباطًا مباشرًا بسلامة المنشآت والأشخاص والبيئة.
ولهذا، فإن المجتمع من حقه أن يطمئن إلى أن كل من يحمل صفة « مهندس » يمتلك الحد الأدنى من الكفاءة العلمية والمهنية.
غير أن تحقيق هذا الهدف لا يقتضي بالضرورة خلق انطباع بوجود منظومتين متوازيتين، إحداهما تمنح الترخيص للمؤسسات، والأخرى تمنحها، بصورة غير مباشرة، شهادة ثقة أو عدم ثقة.
بل إن الأجدى هو بناء منظومة متكاملة تقوم على التعاون بين وزارة التعليم العالي، والهيئات المهنية، والجامعات، وخبراء الجودة، بحيث تكون المعايير معلنة، والإجراءات موحدة، والاختصاصات محددة بدقة.
حماية الطالب أولًا
في نهاية المطاف، يبقى الطالب هو الطرف الذي يجب أن تدور حوله جميع السياسات.
فهو لا يملك سلطة تعديل القوانين، ولا تفسير النصوص، ولا الفصل في النزاعات بين المؤسسات.
كل ما ينتظره هو أن يدرس في مؤسسة مرخص لها، وأن يحصل على تكوين جيد، وأن يجد أمامه طريقًا واضحًا نحو سوق الشغل.
ومن غير المقبول أن يتحمل الطالب تبعات اختلاف في قراءة النصوص القانونية، أو أن يكتشف بعد سنوات من الدراسة أن هناك خلافًا حول الجهة التي تملك صلاحية تقييم المؤسسة التي تخرج منها.
ولهذا، فإن أي إصلاح مستقبلي يجب أن ينطلق من مصلحة الطالب، باعتبارها المعيار الأول لأي سياسة تعليمية.
دولة القانون… تعني وضوح الاختصاصات
لقد أعاد هذا الجدل إلى الواجهة مبدأ أساسيًا في بناء المؤسسات، وهو أن كل سلطة يجب أن تستند إلى نص قانوني واضح، وأن تكون حدود اختصاصها معروفة سلفًا.
فوزارة التعليم العالي لا يمكن أن تتخلى عن دورها في تنظيم المؤسسات الجامعية، كما أن عمادة المهندسين لا يمكن تجاهل دورها في تنظيم مهنة ترتبط بالمصلحة العامة.
لكن التداخل بين الوظيفتين قد يخلق حالة من الضبابية، لا يستفيد منها أحد.
فالجامعات الخاصة تحتاج إلى استقرار تشريعي حتى تواصل الاستثمار والتطوير واستقطاب الطلبة من داخل تونس وخارجها.
والعمادة تحتاج إلى إطار قانوني واضح يحدد بدقة وسائل ممارستها لمهامها في حماية المهنة.
والدولة مطالبة بضمان انسجام المنظومة القانونية حتى لا تتحول الاختلافات في التأويل إلى مصدر لعدم اليقين.
خاتمة
القضية المطروحة اليوم ليست معركة بين التعليم العمومي والتعليم الخاص، وليست مواجهة بين وزارة التعليم العالي وعمادة المهندسين، كما أنها لا ينبغي أن تتحول إلى صراع بين مؤسسات يفقد فيه الطالب الثقة في المنظومة بأكملها.
إنها مناسبة لإعادة التفكير في كيفية تنظيم العلاقة بين الجامعة والمهنة، وبين سلطة الدولة وسلطة الهيئات المهنية، وبين ضرورة حماية جودة التكوين وضرورة حماية الاستثمار المشروع في التعليم.
فالجامعات الخاصة مطالبة بمزيد من الشفافية والانفتاح على الرأي العام، ونشر كل المؤشرات التي تعزز الثقة في جودة تكوينها.
وعمادة المهندسين مدعوة إلى مواصلة الدفاع عن جودة المهنة في إطار اختصاصاتها القانونية الواضحة، وبأقصى درجات الشفافية في إجراءاتها ومعاييرها.
أما الدولة، فهي الجهة المطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بحسم هذا الجدل، سواء عبر تفسير قانوني رسمي، أو من خلال مراجعة الإطار التشريعي، بما يزيل كل لبس في توزيع الصلاحيات.
ففي النهاية، لا يمكن لتونس أن تربح رهان الجودة إذا فقدت الثقة، ولا يمكنها أن تحافظ على ثقة المستثمرين والطلبة إذا بقيت الاختصاصات محل تأويل.
وإذا كان الجميع يتفق على أن المهندس يحمل مسؤولية كبيرة تجاه المجتمع، فإن الجميع يجب أن يتفق أيضًا على أن وضوح القانون، واستقرار المؤسسات، وشفافية المعايير، هي بدورها ركائز لا تقل أهمية في بناء منظومة تعليم عالٍ قادرة على المنافسة، وعلى خدمة التنمية الوطنية، وصون قيمة شهادة المهندس التونسي، أياً كانت المؤسسة التي تخرج منها، ما دامت تستجيب للمعايير التي يحددها القانون.



