أثار النقاش الدائر في البرلمان الفرنسي حول تنظيم تركيز الأطباء جدلا واسعا بعد طرح فكرة إخضاع انتقال الطبيب أو اختياره لمكان ممارسة المهنة إلى ترخيص من الوكالات الصحية الجهوية، في محاولة لمواجهة ظاهرة « الصحاري الطبية » التي تعاني منها بعض المناطق.
وقد حذرت أصوات من القطاع الطبي الفرنسي من أن تقييد حرية تنقل الأطباء لن يؤدي بالضرورة إلى خلق عرض صحي جديد، معتبرة أن الأزمة لا ترتبط فقط بسوء توزيع الأطباء، بل أيضا بنقص الموارد البشرية، وتراجع جاذبية بعض المناطق، وصعوبات ممارسة المهنة.
ويعيد هذا النقاش طرح سؤال مطروح أيضا في تونس: هل يكون إلزام الأطباء بالعمل في مناطق معينة حلا لنقص الخدمات الصحية في الجهات الداخلية، أم أن الحل الحقيقي يكمن في جعل هذه المناطق أكثر قدرة على جذب الأطباء؟
وتقضي المقترحات المطروحة بأن يصبح تركيز الطبيب مرتبطا بالحصول على ترخيص من الوكالة الجهوية للصحة (ARS)، حيث يكون الترخيص آليا في المناطق التي تعاني من نقص في الأطباء، بينما تصبح عملية الانتقال إلى المناطق المصنفة « مكتفية طبيا » مشروطة بمغادرة طبيب آخر من الاختصاص نفسه.
ويرى المدافعون عن هذا التوجه أنه يهدف إلى إعادة توزيع الأطباء وتحقيق قدر أكبر من العدالة بين الجهات، خاصة أن بعض المناطق تشهد كثافة مرتفعة في الأطباء مقابل مناطق أخرى تعاني من نقص حاد.

لكن منتقدي هذا النظام يعتبرون أن تقييد حرية اختيار الطبيب لمكان عمله لا يعالج جذور الأزمة، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، مؤكدين أن الطبيب الذي أمضى سنوات طويلة في الدراسة والتكوين وتحمل مسؤوليات مهنية كبيرة لا يمكن التعامل معه بمنطق « له الحق في العمل ولكن ليس في المكان الذي يختاره ».
ويشير المنتقدون إلى أن اختيار الطبيب لمكان الاستقرار لا يرتبط فقط بالخريطة الصحية، بل بعوامل شخصية ومهنية عديدة، مثل وجود العائلة، أو عمل الشريك، أو توفر تجهيزات طبية متطورة، أو وجود فريق عمل متكامل، إضافة إلى المدارس وجودة الحياة والأمان والبيئة المهنية.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن أزمة نقص الأطباء لا تعود فقط إلى سوء توزيعهم جغرافيا، بل ترتبط أيضا بعوامل أعمق، من بينها نقص عدد الأطباء المتخرجين خلال فترات طويلة بسبب سياسات تحديد أعداد المقبولين في كليات الطب، وضعف جاذبية العمل في القطاع الصحي، وتراجع ظروف ممارسة الطب، والضغط الإداري الكبير الذي يواجهه الأطباء.
كما يحذرون من أن منع طبيب من الاستقرار في منطقة معينة لا يعني بالضرورة أنه سيختار منطقة تعاني نقصا، بل قد يدفعه إلى خيارات أخرى مثل العمل المؤقت، أو الوظيفة في القطاع العمومي، أو الهجرة، أو تقليص نشاطه المهني.
وبالتالي، فإن النتيجة، حسب منتقدي القيود، قد لا تكون خلق عرض صحي جديد، بل مجرد إعادة توزيع للنقص الموجود.
ويطرح هذا النقاش أيضا تساؤلات بالنسبة إلى تونس، التي تواجه بدورها تحديات مرتبطة بالتفاوت في توزيع الأطباء بين المناطق، خاصة بين المدن الكبرى والجهات الداخلية.
ويرى مختصون أن معالجة النقص في بعض الجهات لا تمر فقط عبر إلزام الأطباء بالاستقرار فيها، وإنما عبر جعل تلك المناطق أكثر جاذبية، من خلال توفير تجهيزات صحية حديثة، وتحسين ظروف العمل، وتوفير مساعدين طبيين وهياكل إدارية داعمة، وتحفيزات مالية، إضافة إلى تحسين ظروف العيش بالنسبة للطبيب وعائلته.
فالمعضلة، وفق هذا الطرح، لا تتمثل فقط في مكان وجود الطبيب، وإنما في توفير بيئة تجعل الطبيب يرغب في العمل والاستقرار في المناطق التي تحتاج إليه.
وبينما يبقى تنظيم توزيع الموارد البشرية الصحية مطروحا كخيار للحد من الفوارق الجهوية، فإن التجارب المقارنة تشير إلى أن تنظيم التوزيع دون زيادة العرض وتحسين جاذبية المناطق قد يؤدي إلى إدارة الأزمة بدل حلها.


