الرئيسية آخر الأخبار رسوم ترامب الجديدة تدخل حيّز التنفيذ… هل تواجه تونس تداعيات حرب جمركية...

رسوم ترامب الجديدة تدخل حيّز التنفيذ… هل تواجه تونس تداعيات حرب جمركية أمريكية جديدة؟

0
1
blank

مع دخول الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة حيّز التنفيذ،اليوم الجمعة يجد الاقتصاد العالمي نفسه أمام مرحلة جديدة من التوترات التجارية التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت تتجه فيه واشنطن إلى فرض تعريفات جمركية جديدة من رقمين على عشرات الشركاء التجاريين، في خطوة قد تعيد رسم خريطة التجارة الدولية وتفرض تحديات جديدة على الاقتصادات المفتوحة على الخارج، ومن بينها تونس.

وتأتي هذه الإجراءات بعد انتهاء العمل بالرسوم الجمركية المؤقتة التي فرضتها الإدارة الأمريكية بنسبة 10% على وارداتها، إثر قرار المحكمة العليا الأمريكية الذي حدّ من قدرة الرئيس على فرض رسوم واسعة النطاق استنادا إلى بعض الصلاحيات التجارية الاستثنائية.

ووفق المعطيات المتداولة، ستشمل الإجراءات الجديدة نحو 60 دولة، تمثل حوالي 99% من الواردات الأمريكية، مع فرض رسوم تتراوح بين 10% و12.5%، بدعوى عدم اتخاذ هذه الدول إجراءات كافية لمنع دخول منتجات مرتبطة بالعمل القسري إلى السوق الأمريكية.

ورغم أن تونس ليست ضمن الدول الأكثر استهدافا بهذه الإجراءات، فإن تداعيات القرار قد تصل إليها بطريقة غير مباشرة، بالنظر إلى طبيعة ارتباط الاقتصاد التونسي بالأسواق الأوروبية والعالمية.

تونس خارج دائرة الاستهداف المباشر… لكن التأثير غير المباشر قائم

لا تعتبر الولايات المتحدة الشريك التجاري الأول لتونس، إذ يظل الاتحاد الأوروبي الوجهة الأساسية للصادرات التونسية، حيث تستحوذ السوق الأوروبية على الجزء الأكبر من المبادلات الخارجية للبلاد.

وتوجه تونس إلى الولايات المتحدة جزءا محدودا من صادراتها مقارنة بأوروبا، وتشمل أساسا بعض المنتجات الصناعية، والمكونات الميكانيكية والكهربائية، وبعض المنتجات الغذائية.

لكن طبيعة الاقتصاد التونسي، القائم على الاندماج في سلاسل الإنتاج العالمية، تجعل أي اضطراب في التجارة الدولية قابلا للانتقال إلى الداخل، خاصة عبر الشريك الأوروبي.

الخطر الأكبر يمر عبر أوروبا

تكمن المخاوف الأساسية بالنسبة لتونس في انعكاسات الرسوم الأمريكية على الاقتصاد الأوروبي.

فالكثير من المؤسسات الصناعية التونسية لا تصدر مباشرة إلى الولايات المتحدة، بل تعمل ضمن منظومات إنتاج مرتبطة بشركات أوروبية تصدر بدورها إلى السوق الأمريكية.

ويبرز ذلك خصوصا في قطاعات:

  • مكونات السيارات،
  • الصناعات الكهربائية والإلكترونية،
  • الصناعات الميكانيكية،
  • النسيج والملابس الجاهزة.

وفي حال ارتفاع كلفة الصادرات الأوروبية نحو الولايات المتحدة، قد تعيد بعض الشركات حساباتها بشأن الإنتاج والاستثمار، وهو ما قد يؤثر على حجم الطلب على المصانع التونسية التي تعتمد على التصدير لفائدة مجموعات أوروبية كبرى.

هل يمكن أن تتحول الأزمة إلى فرصة لتونس؟

رغم المخاطر، قد تفتح الحرب الجمركية الأمريكية فرصا أمام بعض الدول التي تتمتع بموقع جغرافي قريب من الأسواق الكبرى، وتونس من بينها.

فالشركات العالمية أصبحت تبحث منذ سنوات عن تقليل اعتمادها على مناطق إنتاج محددة، خاصة في آسيا، وتنويع مواقع التصنيع لتجنب المخاطر السياسية والجمركية.

وفي هذا السياق، يمكن لتونس أن تستفيد إذا نجحت في تعزيز موقعها كمنصة صناعية قريبة من أوروبا، خصوصا في مجالات:

  • مكونات السيارات،
  • الصناعات ذات القيمة المضافة،
  • الطاقات المتجددة المرتبطة بالصناعة،
  • الصناعات الغذائية.

غير أن الاستفادة من هذه التحولات تتطلب تحسين مناخ الاستثمار، وتسريع الإجراءات الإدارية، وتوفير بيئة أكثر تنافسية للمؤسسات.

الولايات المتحدة تعيد رسم قواعد التجارة العالمية

لا يتعلق القرار الأمريكي الجديد فقط بنسبة الرسوم الجمركية، بل يعكس توجها أوسع لدى إدارة ترامب يقوم على استخدام التجارة كأداة ضغط سياسي واقتصادي.

فبعد سنوات من الحديث عن العولمة وتحرير التجارة، عادت الولايات المتحدة إلى سياسة الحماية التجارية، معتبرة أن الرسوم الجمركية وسيلة لحماية الصناعة الأمريكية وتقليص العجز التجاري.

لكن هذه السياسة تواجه انتقادات من اقتصاديين يخشون أن تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، واضطراب سلاسل الإمداد، واندلاع ردود مماثلة من الدول المتضررة.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد التونسي؟

بالنسبة لتونس، فإن التأثيرات المحتملة يمكن تلخيصها في ثلاثة مستويات:

1- مستوى الصادرات

قد تتأثر بعض المؤسسات التونسية إذا تراجعت طلبات الشركاء الأوروبيين أو العالميين، خصوصا في القطاعات الصناعية الموجهة للتصدير.

2- مستوى الاستثمار

قد تكون تونس أمام فرصة لجذب استثمارات تبحث عن مواقع إنتاج جديدة خارج الدول التي تواجه رسوما أمريكية مرتفعة.

3- مستوى الأسعار

أي اضطراب في التجارة العالمية قد يؤدي إلى ارتفاع كلفة بعض المواد الأولية ومصاريف النقل، وهو ما قد ينعكس على التضخم في تونس.

تونس أمام اختبار القدرة على اقتناص الفرص

في نهاية المطاف، فإن الرسوم الأمريكية الجديدة لا تمثل تهديدا مباشرا وفوريا للاقتصاد التونسي، لكنها تأتي في ظرف دولي حساس تتزايد فيه المنافسة على جذب الاستثمارات.

وقد تجد تونس نفسها أمام فرصة لإعادة تقديم موقعها كوجهة صناعية قريبة من أوروبا، لكن ذلك يتطلب الانتقال من مجرد متابعة التحولات العالمية إلى بناء استراتيجية واضحة للاستفادة منها.

ففي عالم تتحكم فيه الرسوم الجمركية والتوترات التجارية في قرارات الشركات، لن تكون الدول التي تنجو هي فقط الأقل تضررا، بل تلك التي تعرف كيف تحول الأزمات العالمية إلى فرص اقتصادية.