الرئيسية آخر الأخبار مستثمر أجنبي غادر تونس قبل أن يؤسس شركته… هل أصبحت البيروقراطية أكبر...

مستثمر أجنبي غادر تونس قبل أن يؤسس شركته… هل أصبحت البيروقراطية أكبر عدو للاستثمار؟

0
109
blank

في الوقت الذي تؤكد فيه الدولة التونسية في مختلف المناسبات أنها تعمل على تحسين مناخ الأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وجذب الاستثمارات الأجنبية، تكشف شهادات ميدانية لخبراء ومهنيين أن الواقع لا يزال مختلفا، وأن المستثمر قد يصطدم بسلسلة من العراقيل الإدارية قبل أن يضع أول دينار في مشروعه.

ومن بين هذه الشهادات، ما رواه الخبير المحاسب قيس فقيه، الذي أكد أنه، وبعد ما يقارب ثلاثين سنة من العمل في مجال تكوين الشركات ومرافقة المستثمرين، لم يعد يعتبر أن المشكلة تكمن في غياب الرقمنة، بل في استمرار العقلية الإدارية نفسها، قائلا إن البلاد « تتقدم خطوة إلى الأمام، لكنها تتراجع عشر خطوات إلى الوراء ».

رحلة تأسيس شركة تتحول إلى متاهة إدارية

يروي فقيه تفاصيل واقعة عاشها مع مستثمر أجنبي قدم إلى تونس حاملا مشروعا استثماريا مهما.

البداية كانت بعقد كراء أعده محام وفق الأصول القانونية. غير أن الموظف المكلف بالمصادقة على الإمضاءات في البلدية اعترض على أحد فصول العقد، وطلب تعديله رغم أن العقد ينظم علاقة بين طرفين راشدين وبصياغة محام مختص.

ولم تتوقف الصعوبات عند هذا الحد، إذ انتقل الملف إلى إدارة التسجيل، حيث طُلب تقديم نسخة من سند ملكية العقار، رغم أن الإجراء يتعلق فقط بتسجيل عقد كراء، وليس بإثبات ملكية العقار أو التثبت في تسلسل انتقال الملكية.

ويضيف الخبير المحاسب أن الإدارة طلبت أيضا إدراج فصل يتعلق بانجرار الملكية بالنسبة للمستثمر الأجنبي، إلى جانب مطالب أخرى من بينها التصريح بمداخيله في إنجلترا، وهي وثائق يرى أنها لا ترتبط مباشرة بإجراءات تسجيل عقد الكراء.

كما تحدث عن حالات أخرى وصفها بالمستغربة، من بينها مطالبة إحدى الإدارات بأن يكون عنوان المكتري الوارد في العقد هو عنوان العقار المكترى نفسه، وليس عنوان إقامته الحقيقي، وهو ما اعتبره مثالا على تعدد التأويلات الإدارية وغياب توحيد الإجراءات.

ويختم فقيه روايته بنتيجة مؤلمة: المستثمر، الذي جاء إلى تونس بعزم الاستثمار، غيّر رأيه في النهاية، حجز تذكرة سفر، وغادر البلاد قبل أن يؤسس شركته.

الرقمنة وحدها لا تكفي

تسلط هذه الحادثة الضوء على إشكال أعمق من مجرد تعقيد بعض الإجراءات، إذ يبدو أن رقمنة الخدمات لم تُحدث دائما التحول المنشود في طريقة عمل الإدارة.

ففي كثير من الحالات، انتقلت الإجراءات الورقية إلى منصات إلكترونية، بينما بقيت نفس الذهنية القائمة على تعدد الوثائق، وتضارب التأويلات، وغياب التنسيق بين الإدارات، وهو ما يجعل المستثمر ينتقل من إدارة إلى أخرى بحثا عن موافقة أو وثيقة إضافية.

ويرى مختصون أن نجاح الرقمنة لا يقاس بعدد الخدمات الإلكترونية، بل بقدرتها على تقليص عدد الوثائق المطلوبة، وتوحيد قواعد العمل بين مختلف الإدارات، واعتماد مبدأ الثقة في الوثائق القانونية الصادرة عن الجهات المختصة.

كلفة خفية على الاقتصاد

قد لا تظهر آثار هذه العراقيل في الإحصائيات الرسمية بشكل مباشر، لكنها تترك انعكاسات اقتصادية كبيرة.

فكل مستثمر يعدل عن مشروعه يعني خسارة محتملة لمواطن شغل جديدة، ولمداخيل جبائية، ولعملة صعبة، ولنشاط اقتصادي كان يمكن أن تستفيد منه مؤسسات ومزودون وعمال.

كما أن مثل هذه التجارب تنتقل بسرعة داخل أوساط المستثمرين الأجانب وشبكات الأعمال، لتتحول إلى عنصر مؤثر في صورة البلاد وفي قرارات الاستثمار المستقبلية.

بين الإصلاحات والنفاذ إلى الواقع

شهدت تونس خلال السنوات الأخيرة إصلاحات قانونية ورقمية متعددة لتبسيط إجراءات بعث المؤسسات، غير أن شهادات المهنيين تشير إلى أن نجاح هذه الإصلاحات يظل رهينا بتغيير الممارسات اليومية داخل الإدارات، وتوحيد تفسير النصوص القانونية، وتحميل كل إدارة مسؤولية احترام الآجال والإجراءات المحددة قانونا.

ويبقى السؤال المطروح: هل تكفي الرقمنة وحدها لتحسين مناخ الاستثمار، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في تغيير الثقافة الإدارية حتى لا تتحول الإجراءات إلى حاجز يدفع المستثمر إلى مغادرة البلاد قبل أن يبدأ مشروعه؟

blank
blank