الرئيسية آخر الأخبار من يصنع طريق الهجرة إلى تونس؟

من يصنع طريق الهجرة إلى تونس؟

0
683
الهجرة
الهجرة

عندما يصل المهاجر إلى السواحل التونسية أو إلى المناطق الحدودية، يبدو المشهد وكأنه بداية الأزمة. لكن الحقيقة أن تلك اللحظة ليست سوى النهاية الظاهرة لمسار طويل بدأ قبل ذلك بآلاف الكيلومترات.

فطريق الهجرة نحو تونس لم يعد طريقًا مجهولًا أو تحركًا فرديًا يقوم به أشخاص يبحثون عن فرصة. المعطيات المتوفرة تكشف وجود منظومة معقدة تجمع بين شبكات تهريب عابرة للحدود، ومسارات صحراوية معروفة، ونقاط عبور إقليمية، وأزمات اقتصادية وأمنية تدفع آلاف الشباب إلى خوض رحلة محفوفة بالمخاطر.

93 بالمائة لم يصلوا وحدهم.. من يدير الرحلة؟

الرقم الأكثر دلالة في هذا الملف هو أن حوالي 93 بالمائة من المهاجرين أفادوا بأنهم استعانوا بخدمات شبكات تهريب للوصول إلى تونس.

هذا يعني أن الطريق لا يُصنع في لحظة الرحيل فقط، بل يتم تنظيمه مسبقًا عبر حلقات متصلة: أشخاص يتولون التجميع، وآخرون يتكفلون بالنقل عبر الحدود، ووسطاء ينسقون الانتقال بين دولة وأخرى، وصولًا إلى نقطة العبور نحو تونس.

هذه الشبكات لا تتحكم فقط في حركة الأشخاص، بل تتحكم أيضًا في المعلومات التي تصل إليهم، إذ تقدم وعودًا بالوصول إلى أوروبا، بينما تخفي غالبًا حجم المخاطر التي تنتظرهم خلال الطريق.

من نيجيريا وإثيوبيا.. مساران نحو تونس

تكشف المعطيات أن الطريق إلى تونس أصبح يستقبل جنسيات مختلفة، لكن النسبة الأكبر تأتي من مسارين رئيسيين.

القادمون من نيجيريا يمثلون حوالي 34 بالمائة من إجمالي المهاجرين، وهي النسبة الأعلى ضمن البيانات المتوفرة، يليهم القادمون من إثيوبيا بنسبة تقارب 28 بالمائة.

لكن خلف الرقمين توجد قصتان مختلفتان.

المهاجر الإثيوبي غالبًا ما يسلك طريقًا طويلًا يبدأ من إثيوبيا مرورًا بالسودان ثم ليبيا قبل الوصول إلى تونس. وتشير البيانات إلى أن حوالي 85 بالمائة من الإثيوبيين يعتمدون على شبكات تهريب خلال الرحلة.

أما المسار النيجيري، فيبدو أكثر ارتباطًا بشبكات منظمة تتولى مراحل متعددة من الرحلة، من التنقل إلى التنسيق بين مختلف نقاط العبور.

blank

الصحراء ليست فراغًا.. إنها جزء من خريطة العمل

أحد أبرز التحولات في ملف الهجرة هو أن الصحراء لم تعد مجرد مساحة جغرافية تفصل بين البلدان، بل أصبحت جزءًا من اقتصاد العبور.

فهناك طرق معروفة، ونقاط تجمع، ووسطاء، ومهربون يعرفون كيفية نقل الأشخاص عبر مناطق يصعب مراقبتها.

وخلال هذه الرحلة، يتحول المهاجر من شخص يبحث عن فرصة إلى شخص يعتمد بالكامل على الشبكة التي نقلته، وهو ما يزيد من تعرضه للاستغلال والانتهاكات.

قبل الوصول إلى تونس.. فاتورة إنسانية ثقيلة

تكشف المعطيات أن الطريق إلى تونس يحمل تكلفة إنسانية كبيرة.

فحوالي 80 بالمائة من المهاجرين تعرضوا للعنف الجسدي، وترتفع النسبة إلى 87 بالمائة لدى الإثيوبيين.

كما واجه 71 بالمائة عمليات سرقة أو سطو تحت التهديد بالسلاح خلال الطريق.

أما الاختطاف مقابل الفدية، فكان من أبرز المخاطر التي واجهها المهاجرون الإثيوبيون، حيث تشير البيانات إلى أن 64 بالمائة منهم تعرضوا للاختطاف أو الاحتجاز خلال مراحل العبور.

والأكثر صدمة أن 37 بالمائة من المهاجرين أكدوا أنهم شاهدوا جثث مهاجرين آخرين خلال الرحلة، وترتفع هذه النسبة إلى 48 بالمائة لدى الإثيوبيين.

الجزائر وليبيا.. بوابتان تصبان في تونس

لا يصل الجميع إلى تونس من الطريق نفسه. فالمعطيات تشير إلى أن الحدود الجزائرية والليبية تمثلان البوابتين الرئيسيتين.

حوالي 54 بالمائة من المهاجرين عبروا من الحدود الجزائرية، والنسبة نفسها تقريبًا عبرت من الحدود الليبية، مع وجود حالات مرت عبر المسارين معًا.

لكن نظرة المهاجر إلى الطريق تختلف حسب الجنسية.

بالنسبة للإثيوبيين، تبقى ليبيا مصدر الخطر الأكبر بنسبة 83 بالمائة، تليها السودان بنسبة 61 بالمائة.

أما النيجيريون، فيرون أن مناطق الخطر تشمل الجزائر بنسبة 54 بالمائة وتونس بنسبة 40 بالمائة.

ورغم ذلك، فإن أغلبهم لا يتراجعون. فحوالي 77 بالمائة رفضوا تغيير خطتهم، وترتفع النسبة إلى 84 بالمائة لدى النيجيريين.

تونس لا تستقبل الرحلة.. تونس تستقبل نتائجها

المعادلة الأساسية التي تكشفها هذه الأرقام هي أن تونس لا تواجه قرار مهاجر واحد بالعبور، بل تواجه نتائج منظومة بدأت خارج حدودها.

فالمهاجر الذي يصل إلى تونس يكون غالبًا قد أمضى أشهرًا طويلة في الطريق؛ إذ تشير البيانات إلى أن 70 بالمائة من المهاجرين احتاجوا أكثر من سنة للوصول، وترتفع النسبة إلى 95 بالمائة لدى الإثيوبيين.

لذلك فإن السؤال لم يعد فقط: كم عدد المهاجرين الذين يصلون إلى تونس؟
بل أصبح: من يصنع الطريق الذي أوصلهم؟ ومن يدير الشبكات التي تستفيد من أزمات قارة كاملة؟

فطالما بقيت هذه الشبكات تعمل من المنبع، ستظل الحدود التونسية تستقبل نهاية قصة بدأت بعيدًا عنها.