الرئيسية آخر الأخبار ناشونال انترست: هل انتصر أحد في الحرب الإيرانية؟

ناشونال انترست: هل انتصر أحد في الحرب الإيرانية؟

0
499

لا يوجد فائز واضح في الحرب الإيرانية، ومع عجز أي من الطرفين عن فرض إرادته على الآخر، يدخل الشرق الأوسط حقبة من التوازن الهش. أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، لكنها لم تُسفر عن حل استراتيجي لأي من الأطراف المعنية.

أمريكا مُفرطة في التزامها تجاه الحرب الإيرانية

بعد شنّ هجومها الأولي في 28 فيفري، سعت واشنطن إلى احتواء التصعيد مع طهران وإدارة التوازن الإقليمي لمنع انهيار البيئة الأمنية، كل ذلك دون الانجرار إلى حرب مفتوحة طويلة الأمد. على الرغم من هذه الأهداف المحدودة نسبيًا، لم تكن الحرب رخيصة. وصرح مسؤول رفيع في البنتاغون أواخر أفريل بأن الحرب كلفت 25 مليار دولار خلال الشهرين الأولين. حققت الحرب مكاسب محدودة للولايات المتحدة، أبرزها تراجع التهديد العسكري الإيراني، والاستقرار النسبي للديناميكيات الإقليمية في الشرق الأوسط، وإعادة ترسيخ الوجود البحري الأمريكي في مضيق هرمز والبحر الأحمر. ومع ذلك، فإن فشل أمريكا في تحقيق نصر حاسم في الصراع كشف أيضًا عن تراجع قدرتها على فرض حل استراتيجي شامل كما كان الحال في العقود السابقة. لم تعد واشنطن تمتلك القوة أو الإرادة السياسية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط من أعلى الهرم، كما حاولت في عام 2003؛ بل بات عليها الآن إدارة أزمات مركبة متوازية متعددة، وهو تحول جوهري في طبيعة دورها في المنطقة.

إسرائيل لم تُفكك النفوذ الإيراني، رغم المكاسب خلال الفترة التي أعقبت أحداث 7 أكتوبر، تبنت إسرائيل نهجًا عدوانيًا للدفاع عن أمنها. يتمحور هذا النهج حول إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وإضعاف إيران من خلال استهداف البنية التحتية الموسعة لنفوذها بقوة. وشمل ذلك حروبًا منفصلة ضد وكلاء طهران في أنحاء المنطقة، بما في ذلك حزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، والفصائل الموالية لإيران مثل قوات الحشد الشعبي في العراق وسوريا. لم يكن الهدف إضعاف إيران نفسها فحسب، بل تفكيك شبكة وكلائها، ما يُضعف قدرتها على التحرك خارج حدودها بشكل كبير. حتى الآن، حققت إسرائيل مكاسب عسكرية تكتيكية ملحوظة. ومع ذلك، لم يُفضِ هذا النهج إلى حل نهائي. ولا يزال هيكل التهديد الإقليمي قائماً، وإن كان أكثر تقييداً وأقل مرونة.

إيران نجت من الحرب –

حتى الآن اعتمدت إيران، من جانبها، على استراتيجية البقاء ضمن « منطقة الضغط » الخاصة بها دون الانهيار. بدلاً من السعي لتحقيق نصر تقليدي على أمريكا – وهي نتيجة مستحيلة على الأرجح، نظراً للتفاوت الكبير في قوة البلدين – ركزت على الحفاظ على تماسك الدولة والحفاظ على الحد الأدنى من البنية الممكنة لنفوذها الإقليمي. لقد أظهرت قدرة ملحوظة على استيعاب الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية، مستخدمةً التفاوض والتصعيد المدروس بالتوازي. وبذلك، حرمت خصومها من النتيجة الحاسمة التي سعوا إليها.

أبرزت الحرب الإيرانية الغياب الاستراتيجي لأوروبا برزت أوروبا كفاعل ذي أهمية اقتصادية، لكنه هامشي استراتيجيًا في الصراع. لم يُترجم اعتمادها على الطاقة والممرات البحرية في الشرق الأوسط إلى مشاركة عسكرية أو سياسية فعّالة. لطالما تنازلت الدول الأوروبية عن هذه المنطقة للولايات المتحدة، وهي غير مستعدة لاستبدالها.

الصين تستفيد من انشغال الغرب في السياق الآسيوي

برزت الصين كأكبر المستفيدين من النزاع. صحيح أن بكين تكبدت تكاليف اقتصادية حقيقية جراء اضطرابات مضيق هرمز، إلا أن النزاع شكّل أيضاً اختباراً حقيقياً لاقتصادها، وهو اختبار اجتازته بنجاح باهر. تتمتع الصين باستعداد أفضل لمواجهة تقلبات أسعار النفط مقارنةً بمعظم الدول الآسيوية، وذلك بفضل احتياطياتها الاستراتيجية، وتنوع مصادر توريدها، وقدرتها المتنامية على توليد الطاقة المتجددة.وعلى نطاق أوسع، اكتسبت الصين ميزة استراتيجية نتيجةً لانشغال الغرب؛ فقد استهلك الصراع الإيراني كميات هائلة من الذخائر التي سيصعب على الولايات المتحدة تعويضها في المستقبل القريب، مما منح بكين حرية أكبر في التحرك في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وبالتالي، يعزز هذا الصراع تحوّل مركز الثقل العالمي شرقًا، حتى في ظل نظام دولي شبه فعال.

أدرك مجلس التعاون الخليجي قيمة الاعتماد على الذات في قلب هذا الصراع، يبرز الشرق الأوسط كساحة اختبار مهمة، لا سيما دول مجلس التعاون الخليجي، التي وجدت نفسها في موقف تهديد مباشر دون أن تكون أطرافًا رئيسية في الصراع. أظهرت دول مجلس التعاون الخليجي صمودًا وتحديًا ملحوظين خلال الحرب، وهو ما يُعد مكسبًا نسبيًا، لا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة اللتان طورتا بنية تحتية بديلة لخطوط الأنابيب، مما مكّن من تصدير النفط خارج مضيق هرمز، وقللتا إلى حد ما من تعرضهما لخطر إغلاقه. ورغم الهجمات الإيرانية على عواصم الخليج، تمكنت دول الخليج من تجنب الانجرار إلى حرب شاملة والحفاظ على استقرارها الاقتصادي النسبي. إلا أنها اكتشفت أيضًا حدود الاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية.

فقد أكدت الحرب أن الأمن في بيئة إقليمية شديدة التقلب لا يمكن استيراده، بل يتطلب بناء قدرات محلية أكثر قوة ومرونة، تشمل التصنيع الدفاعي، وأمن سلاسل التوريد، وتنويع الشراكات، وبناء أدوات ردع ذاتية قادرة على سد ثغرات الحماية التي تتسع كلما انشغلت القوى الكبرى بأولوياتها الخاصة. أدت الحرب مع إيران إلى توازن هش.

في نهاية المطاف، لا يوجد فائز حقيقي في هذه الحرب. لا يملك أي طرف القدرة على فرض إرادته على الآخرين بشكل كامل، ولا يمكن لأي طرف الخروج من دوامة الصراع دون أن يفقد ماء وجهه. أدارت الولايات المتحدة الصراع دون حله؛ وحققت إسرائيل تقدماً، لكنها تجد وضعها الاستراتيجي بالكاد أفضل مما كان عليه سابقاً؛ ونجت إيران، لكنها أصبحت أضعف؛ وحاولت أوروبا البقاء خارج الصراع، لكنها عانت من آثاره على أي حال؛ واستفادت الصين من التدخل الغربي ما ينتج عن هذا الصراع ليس نظامًا جديدًا، بل استنزاف النظام القديم، الذي يتماسك بفضل عجز جميع الأطراف عن تحمل تبعات انهياره.

تُعدّ الحرب الإيرانية بمثابة إعادة توزيع للخسائر ضمن نظام دولي ينجرف نحو مزيد من التعقيد، نهايةً لعصر النصر « النظيف » وبدايةً لعصر توازن هش. خرج كل طرف بمكاسب جزئية لا ترقى إلى مستوى النصر، وخسائر مؤجلة لا تصل إلى حد الهزيمة. ومع استمرار الوضع، فإن السؤال الذي يجب على جميع الأطراف طرحه ليس مقدار الميزة الاستراتيجية التي يمكنهم تحقيقها، بل مقدار الألم الاقتصادي الذي يمكنهم تحمله.

المصدر