الرئيسية آخر الأخبار هل أصبح السوار الإلكتروني ضرورة لتخفيف الاكتظاظ في السجون التونسية؟

هل أصبح السوار الإلكتروني ضرورة لتخفيف الاكتظاظ في السجون التونسية؟

0
2
blank

لم يعد الحديث عن الاكتظاظ داخل السجون التونسية يقتصر على التقارير الحقوقية أو المناسبات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، بل أصبح أحد أبرز الملفات التي تفرض نفسها على صناع القرار في ظل الارتفاع المتواصل لعدد المودعين مقابل محدودية طاقة الاستيعاب.

وقد أعادت المعطيات التي نشرتها جمعية « إنترسكشن للحقوق والحريات » النقاش إلى الواجهة، بعدما تحدثت عن وجود أكثر من 33 ألف سجين داخل مؤسسات لا تتجاوز طاقتها الرسمية 17 ألف سرير، وهو ما يعني أن عددا من السجون يعمل بأكثر من ضعف قدرته الاستيعابية.

وبغض النظر عن اختلاف الأرقام أو طرق احتسابها بين الجهات الرسمية والمنظمات المدنية، فإن واقع الاكتظاظ لا يكاد يكون محل خلاف، وهو ما يدفع إلى التساؤل: هل آن الأوان لاعتماد حلول جديدة، وفي مقدمتها السوار الإلكتروني، باعتباره أحد البدائل الحديثة للعقوبات السالبة للحرية؟

مشروع طُرح منذ سنوات

ليست فكرة السوار الإلكتروني جديدة في تونس، فقد تناولتها وزارة العدل منذ سنوات ضمن برامج تحديث المنظومة الجزائية وتنفيذ العقوبات، وجرى إدراجها في إطار النقاشات المتعلقة بإصلاح العدالة وتخفيف الضغط على المؤسسات السجنية.

وخلال الأعوام الماضية، نظمت الوزارة بالتعاون مع شركاء دوليين وخبراء في العدالة الجنائية ورشات عمل ودراسات تناولت آليات تطبيق المراقبة الإلكترونية، باعتبارها وسيلة معمول بها في العديد من الدول الأوروبية.

كما شهدت مناقشات إصلاح المجلة الجزائية ومجلة الإجراءات الجزائية حديثا متكررا عن ضرورة تنويع العقوبات، وعدم الاقتصار على السجن في جميع الحالات، خاصة بالنسبة إلى الجنح البسيطة والعقوبات القصيرة.

ورغم ذلك، لم يتحول المشروع إلى منظومة عملية شاملة، وبقي في إطار الدراسات والمقترحات، في انتظار استكمال الإطار التشريعي والتقني والمالي اللازم لتطبيقه.

لماذا عاد النقاش اليوم؟

هناك أربعة عوامل رئيسية أعادت السوار الإلكتروني إلى واجهة الاهتمام.

العامل الأول يتمثل في الارتفاع المستمر لعدد السجناء، وهو ما يفرض ضغوطا كبيرة على إدارة السجون والإصلاح، سواء من حيث الإيواء أو الرعاية الصحية أو التأطير أو الأمن.

أما العامل الثاني فيتعلق بارتفاع كلفة السجين على ميزانية الدولة، إذ لا تقتصر النفقات على الإعاشة، بل تشمل الحراسة والعلاج والصيانة والتجهيزات والموارد البشرية.

العامل الثالث يرتبط بتطور فلسفة العقوبة في العالم، حيث لم يعد السجن ينظر إليه باعتباره الحل الوحيد، بل أصبح أحد الخيارات ضمن منظومة أوسع تشمل العقوبات البديلة والعمل لفائدة المصلحة العامة والمراقبة الإلكترونية والإفراج المشروط.

أما العامل الرابع فهو الحاجة إلى تخصيص المؤسسات السجنية للأشخاص الذين يشكلون بالفعل خطرا على المجتمع، بدلا من استنزاف طاقتها في استيعاب محكوم عليهم بعقوبات قصيرة أو مرتكبي مخالفات لا تستوجب بالضرورة الإيداع بالسجن.

كيف يعمل السوار الإلكتروني؟

يقوم النظام على تثبيت جهاز إلكتروني صغير في معصم أو كاحل الشخص الخاضع للمراقبة.

ويرتبط الجهاز بمنصة مركزية تسمح للسلطات المختصة بمتابعة احترام الشروط التي يحددها القرار القضائي.

وقد تشمل هذه الشروط:

  • البقاء داخل المنزل خلال ساعات معينة.
  • عدم مغادرة منطقة جغرافية محددة.
  • الالتزام بمواعيد العمل أو الدراسة.
  • عدم الاقتراب من أماكن أو أشخاص معينين.
  • الحضور الدوري أمام الجهات المختصة.

وفي حال مخالفة هذه الالتزامات، يتم إشعار الجهات المختصة فورا لاتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، والتي قد تصل إلى إلغاء نظام المراقبة الإلكترونية وإعادة الشخص إلى السجن.

ليس إفلاتا من العقوبة

من أكثر المفاهيم الخاطئة انتشارا أن السوار الإلكتروني يمثل نوعا من الإفلات من العقاب.

غير أن الواقع مختلف تماما.

فالشخص يبقى خاضعا لرقابة قضائية مستمرة، وتفرض عليه التزامات دقيقة، ويكون معرضا للعقوبات إذا خالفها.

ولهذا يعتبر خبراء القانون أن المراقبة الإلكترونية ليست بديلا عن العقوبة، وإنما هي طريقة مختلفة لتنفيذها.

ماذا حققت الدول التي اعتمدته؟

بدأت فرنسا العمل بالمراقبة الإلكترونية منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، ثم توسع استخدامها تدريجيا لتشمل آلاف المحكوم عليهم، خاصة في العقوبات القصيرة وبعض حالات الإفراج المشروط.

أما بلجيكا، فقد اعتمدتها لتقليص الضغط على السجون، مع إخضاع المستفيدين لشروط صارمة.

وفي إيطاليا، استعمل السوار الإلكتروني في بعض الجرائم غير الخطيرة وفي إطار الإقامة الجبرية، قبل أن يتوسع استخدامه تدريجيا.

كما اعتمدت إسبانيا والبرتغال وهولندا والدنمارك هذه التقنية ضمن سياسات تحديث تنفيذ العقوبات.

وفي المنطقة العربية، بدأ المغرب خلال السنوات الأخيرة في إعداد الإطار القانوني للمراقبة الإلكترونية، باعتبارها إحدى وسائل تحديث السياسة الجنائية وتقليص اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية في بعض الحالات.

وتشير التجارب الدولية إلى أن نجاح السوار الإلكتروني لا يرتبط بالجهاز في حد ذاته، وإنما بوجود منظومة متكاملة تشمل القضاء والشرطة وإدارة السجون والخدمات الاجتماعية والرقابة التقنية.

هل يوفر أموالا للدولة؟

تشير العديد من الدراسات المقارنة إلى أن كلفة المراقبة الإلكترونية تقل عادة عن كلفة الإقامة داخل السجن، لأن الدولة لا تتحمل مصاريف الإيواء والإعاشة اليومية والرعاية الصحية بنفس المستوى.

لكن هذه الحلول لا تتحقق إلا إذا كانت المنظومة التقنية تعمل بكفاءة، وإذا كان عدد المستفيدين كافيا لتبرير الاستثمار في البنية التحتية.

من يمكن أن يستفيد منه؟

في أغلب التشريعات، لا يطبق السوار الإلكتروني على جميع المحكوم عليهم.

بل يقتصر عادة على:

  • المحكوم عليهم بعقوبات قصيرة.
  • مرتكبي الجنح غير العنيفة.
  • بعض حالات الإفراج الشرطي.
  • الأشخاص الذين يتمتعون بضمانات اجتماعية ومهنية.
  • من لا يمثلون خطرا على الأمن العام.

أما مرتكبو الجرائم الخطيرة أو المنظمة أو الإرهابية، فلا تشملهم هذه الآلية في أغلب الأنظمة القانونية.

ماذا يحتاج تطبيقه في تونس؟

يرى مختصون أن اعتماد السوار الإلكتروني يتطلب قبل كل شيء استكمال الإطار التشريعي، بحيث يحدد بوضوح:

  • الحالات التي يمكن تطبيقه فيها.
  • صلاحيات القاضي.
  • واجبات الشخص الخاضع للمراقبة.
  • العقوبات المترتبة عن مخالفة الشروط.
  • آليات الرقابة القضائية والإدارية.

كما يستوجب إنشاء مركز وطني للمراقبة الإلكترونية يعمل على مدار الساعة، وتكوين أعوان مختصين في متابعة تنفيذ الأحكام.

ولا يقل الجانب التقني أهمية عن الجانب القانوني، إذ يجب توفير تجهيزات حديثة قادرة على العمل بكفاءة عالية، مع ضمان حماية المعطيات الشخصية للمستفيدين.

السوار الإلكتروني ليس الحل الوحيد

يتفق أغلب المختصين على أن معالجة الاكتظاظ تتطلب إصلاحا أوسع يشمل مختلف مراحل العدالة الجزائية.

ومن بين المقترحات المتداولة:

  • التوسع في العقوبات البديلة.
  • مراجعة بعض العقوبات السجنية القصيرة.
  • تسريع الفصل في القضايا.
  • الحد من الإيقاف التحفظي عندما لا يكون ضروريا.
  • تطوير برامج إعادة الإدماج.
  • دعم الإفراج الشرطي وفق الضوابط القانونية.
  • تحسين البنية التحتية للمؤسسات السجنية.

ويرى خبراء أن الجمع بين هذه الآليات قد يكون أكثر فاعلية من الاعتماد على إجراء واحد فقط.

بين الأمن وحقوق الإنسان

لا يقتصر النقاش حول السوار الإلكتروني على الجوانب التقنية أو المالية، بل يمتد إلى فلسفة العقوبة نفسها.

فالمطلوب هو تحقيق توازن دقيق بين حماية المجتمع من الجريمة، وضمان تنفيذ الأحكام القضائية، واحترام كرامة الإنسان، ومنح المحكوم عليهم فرصة حقيقية لإعادة الاندماج في المجتمع.

ويؤكد قضاة وخبراء في علم الإجرام أن نجاح أي سياسة عقابية يقاس بقدرتها على الحد من العود إلى الجريمة، وليس فقط بعدد الأشخاص المودعين بالسجون.

فرصة لإعادة فتح النقاش

إعادة طرح ملف الاكتظاظ داخل السجون قد تمثل فرصة لإطلاق نقاش وطني هادئ حول مستقبل السياسة الجزائية في تونس، بعيدا عن المواقف المتشنجة أو الأحكام المسبقة.

فالسوار الإلكتروني لا ينبغي النظر إليه باعتباره بديلا مطلقا عن السجن، ولا باعتباره حلا سحريا لجميع الإشكاليات، وإنما كأحد الأدوات التي يمكن أن تساهم، إلى جانب إصلاحات تشريعية وإدارية ومؤسساتية أخرى، في بناء منظومة عدلية أكثر نجاعة وإنسانية.

وإذا كانت التجارب الدولية قد أثبتت أن العقوبات البديلة قادرة على تخفيف الضغط على المؤسسات السجنية وتحسين فرص إعادة الإدماج بالنسبة إلى فئات معينة من المحكوم عليهم، فإن نجاح هذه التجارب ظل دائما مرتبطا بوجود إطار قانوني واضح، ورقابة قضائية فعالة، وإدارة قادرة على حسن التنفيذ.

وفي تونس، حيث تتزايد الدعوات إلى تحديث السياسة الجزائية، قد يكون الوقت مناسبا لإعادة تقييم مختلف البدائل الممكنة، وعلى رأسها المراقبة الإلكترونية، ضمن رؤية شاملة توازن بين مقتضيات الأمن، وفعالية العدالة، واحترام حقوق الإنسان، وحسن توظيف الإمكانات المتاحة للدولة.