تُعدّ الجالية التونسية من بين أكبر الجنسيات الأجنبية حضورًا داخل المؤسسات العقابية في إيطاليا، وفق معطيات منسوبة إلى وزارة العدل الإيطالية، وهو ما يسلّط الضوء مجددًا على ملف معقّد يتداخل فيه الاجتماعي بالقانوني والدبلوماسي، خاصة في ظل تسجيل حالات وفاة متكررة داخل السجون.
وفي هذا السياق، أعلن النائب السابق في البرلمان الإيطالي عن الجالية التونسية مجدي الكرباعي عن وفاة سجين تونسي يبلغ من العمر 45 عامًا داخل سجن في إقليم أومبريا، في حادثة أعادت إلى الواجهة أوضاع السجناء الأجانب داخل المنظومة العقابية الإيطالية.
وبحسب ما أورده الكرباعي، فإن عدد السجناء التونسيين في إيطاليا يُقدّر بنحو 2292 سجينًا و13 سجينة تونسية، ما يجعل التونسيين ضمن أكثر الجنسيات الأجنبية حضورًا داخل السجون الإيطالية، وفق ما يُنسب إلى معطيات وزارة العدل الإيطالية.
اكتظاظ وضغط نفسي وعزلة لغوية
ويشير تقييم الكرباعي إلى وجود جملة من الإشكاليات البنيوية داخل السجون الإيطالية، أبرزها الاكتظاظ ونقص الرعاية النفسية، إضافة إلى ضعف آليات الوساطة الثقافية داخل المؤسسات العقابية.
كما لفت إلى أن السجناء الأجانب، وخاصة التونسيين، يواجهون صعوبات مضاعفة تتعلق بالعزلة اللغوية والانقطاع العائلي، وهو ما ينعكس على وضعهم النفسي والاجتماعي داخل السجن، ويزيد من هشاشتهم في بيئة عقابية معقدة أصلًا.
وتُطرح في هذا السياق إشكالية إعادة الإدماج، حيث يرى متابعون أن البرامج المخصصة لإعادة التأهيل لا تراعي بالقدر الكافي الخصوصيات الثقافية واللغوية للسجناء الأجانب، ما يحدّ من فعاليتها في تقليص نسب العودة إلى الجريمة بعد الإفراج.
أزمة بنيوية داخل المنظومة السجنية
ويذهب الكرباعي في قراءته للوضع إلى اعتبار أن هذه المؤشرات تعكس أزمة بنيوية أعمق داخل المنظومة السجنية الإيطالية، تتجاوز الحالات الفردية إلى إشكالات تتعلق بالسياسات العامة في إدارة السجون والتعامل مع السجناء الأجانب.
كما يشير إلى أن تكرار مثل هذه الحالات يطرح أسئلة حول مدى نجاعة المقاربة العقابية الحالية، مقارنة بضرورة تعزيز المقاربة الإنسانية والاجتماعية داخل المؤسسات السجنية.
غياب “الدبلوماسية الاجتماعية” التونسية
وفي سياق متصل، وجّه الكرباعي انتقادات لما وصفه بغياب “الدبلوماسية الاجتماعية” التونسية في التعامل مع أوضاع الجالية في الخارج، خاصة في إيطاليا التي تحتضن واحدة من أكبر الجاليات التونسية في أوروبا.
وأشار إلى أن السفارة التونسية في روما تعمل في بعض الفترات دون سفير، وهو ما اعتبره عنصرًا إضافيًا يضعف القدرة على متابعة أوضاع التونسيين، سواء داخل السجون أو في وضعيات اجتماعية وقانونية هشّة.
ملف مفتوح على أكثر من مستوى
وتعيد هذه الحادثة الجديدة فتح ملف السجناء التونسيين في الخارج، ليس فقط من زاوية الأرقام، بل أيضًا من زاوية الحقوق والحماية القنصلية وآليات الدعم الاجتماعي.
وبينما تتواصل الدعوات إلى تحسين ظروف السجون الإيطالية بشكل عام، يظل ملف السجناء الأجانب، وخاصة التونسيين، أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، نظرًا لتداخل الأبعاد القانونية والإنسانية والدبلوماسية فيه، في انتظار مقاربات أكثر شمولًا وفعالية من الجانبين التونسي والإيطالي.





