الرئيسية دولي 30 طنًا من الكوكايين في عرض المتوسط : أين كانت وجهتها النهائية

30 طنًا من الكوكايين في عرض المتوسط : أين كانت وجهتها النهائية

0
1192

تحوّلت عملية اعتراض سفينة شحن في المحيط الأطلسي إلى واحدة من أخطر قضايا تهريب المخدرات التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة، بعدما أعلنت السلطات الإسبانية ضبط أكثر من 30 طنًا من الكوكايين على متن السفينة “أركونيان”، في عملية وُصفت بأنها الأكبر من نوعها على سفينة واحدة في تاريخ القارة الأوروبية.

لكن القضية لم تبقَ محصورة في السواحل الإسبانية، إذ امتدت تداعياتها سريعًا إلى شمال إفريقيا، بعد أن كشفت بيانات التتبع البحري أن الوجهة المعلنة للسفينة كانت مدينة بنغازي، ما أثار موجة واسعة من التساؤلات والتكهنات في الأوساط الإعلامية الليبية والدولية.

عملية “أبيسال”.. ضربة لشبكات “موكرو مافيا”

ووفق بيان صادر عن الحرس المدني الإسباني، فإن العملية الأمنية التي حملت اسم “أبيسال” جاءت ثمرة تحقيق قادته وحدة العمليات المركزية بشأن شبكة تهريب مرتبطة بتنظيم “موكرو مافيا”، أحد أخطر التنظيمات الإجرامية الناشطة في تجارة الكوكايين بين أمريكا اللاتينية وأوروبا.

وأوضح البيان أن السفينة “أركونيان” انطلقت من سواحل غرب إفريقيا باتجاه البحر المتوسط، قبل أن تتم مداهمتها في الأول من ماي جنوب جزر الكناري، بعد عملية تعقب دقيقة نفذتها وحدات الاستخبارات البحرية الإسبانية.

وخلال الاقتحام، عثرت القوات الإسبانية على 30 ألفًا و215 كيلوغرامًا من الكوكايين، موزعة على 1279 رزمة مخبأة داخل ممرات سرية في السفينة، فيما أكدت السلطات أن الكمية المضبوطة تمثل أكبر شحنة كوكايين يتم حجزها على متن سفينة واحدة في تاريخ مكافحة المخدرات بأوروبا.

أسلحة وحراس ووقود لقوارب التهريب

ولم تتوقف المفاجآت عند حجم الشحنة، إذ كشفت السلطات الإسبانية أن السفينة كانت تضم ستة مسلحين يحملون بنادق هجومية ومسدسات، يُشتبه في أنهم كانوا مكلفين بحراسة الشحنة ومنع أي محاولة استيلاء عليها من شبكات منافسة.

كما عُثر على أكثر من 42 ألف لتر من الوقود موزعة على آلاف العبوات، في مؤشر عزّز فرضية استخدام السفينة كنقطة إمداد عائمة لقوارب تهريب سريعة كانت ستتولى نقل الكوكايين في عرض البحر نحو السواحل الأوروبية.

وفي السياق ذاته، أفادت وثائق قضائية إسبانية بأن التحقيقات الأولية تشير إلى أن السفينة لم تكن تنوي الوصول إلى وجهتها المعلنة، بل كانت تستعد لتفريغ الشحنة تدريجيًا في البحر لصالح شبكات تهريب مرتبطة بالسوق الأوروبية.

هل كانت بنغازي الوجهة الحقيقية؟

ورغم ظهور اسم بنغازي في بيانات الملاحة البحرية باعتبارها الوجهة المعلنة للسفينة، فإن السلطات الإسبانية سارعت إلى التقليل من فرضية ارتباط العملية بالموانئ الليبية.

وقال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا إن التحقيقات أظهرت أن المسار المعلن للسفينة لم يكن سوى “غطاء تمويهي” لإخفاء المهمة الحقيقية، والمتمثلة في تزويد قوارب تهريب سريعة بالمخدرات في عرض البحر قبل إدخالها إلى البر الإسباني.

هذا التوضيح جاء متقاطعًا مع ما أعلنته السلطات الليبية لاحقًا، إذ أكد مدير عام مصلحة الجمارك المكلف موسى علي محمد أن الجانب الإسباني أبلغ طرابلس عبر قنوات الاتصال الرسمية بأن السفينة لم تكن متجهة فعليًا إلى بنغازي، وأن جنوب إسبانيا كان الوجهة النهائية الحقيقية للشحنة.

تحرك رسمي ليبي

وأمام الجدل الذي أثارته القضية، وجّه رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تعليمات بفتح تحقيق رسمي والتواصل مع السلطات الإسبانية عبر وزارة الخارجية ومصلحة الجمارك ومنظمة الشرطة الجنائية الدولية “الإنتربول”، بهدف التحقق من كافة المعطيات المرتبطة بالقضية.

ويأتي هذا التحرك في ظل حساسية ملف تهريب المخدرات والهجرة والجريمة المنظمة في منطقة المتوسط، خاصة مع تنامي استخدام المسارات البحرية الإفريقية في شبكات التهريب العابرة للحدود.

قضية تتجاوز ليبيا وإسبانيا

ويرى مراقبون أن قضية “أركونيان” تكشف تطور أساليب شبكات الجريمة المنظمة الدولية، التي باتت تعتمد على سفن ضخمة ومسارات بحرية معقدة وواجهات تجارية وهمية للتمويه على أنشطتها.

كما تعكس العملية حجم التحديات الأمنية التي تواجهها الدول الأوروبية ودول جنوب المتوسط في مكافحة تهريب المخدرات، خصوصًا مع توسع نشاط الشبكات الإجرامية في غرب إفريقيا والمحيط الأطلسي.

وبينما تتواصل التحقيقات الإسبانية مع أفراد طاقم السفينة الـ23 الموقوفين، تبقى العديد من الأسئلة مفتوحة بشأن الشبكات الدولية المتورطة، والمسارات البحرية التي كانت تُستخدم لنقل واحدة من أضخم شحنات الكوكايين في التاريخ الأوروبي الحديث.