عاد مشروع خط السكك الحديدية عالية الأداء الذي يربط شمال تونس بجنوبها إلى الواجهة، بعد الإعلان عن انطلاق مرحلة جديدة من الدراسات المتعلقة بمشروع يمتد من بنزرت إلى بنقردان، مرورا بعدد من المدن والمناطق الرئيسية.
لكن السؤال الذي يهم التونسيين قبل الحديث عن سرعة القطارات ومواعيد السفر هو سؤال الكلفة: كم يمكن أن تدفع تونس فعليا لإنجاز مثل هذا المشروع؟
حتى الآن لا توجد كلفة نهائية رسمية، لأن المشروع ما زال في مرحلة الدراسات الأولية ودراسات الجدوى والهندسة. ولذلك فإن أي رقم يتم تداوله حاليا يجب التعامل معه باعتباره تقديرا وليس ميزانية نهائية.
500 كيلومتر… ولكن بأي كلفة؟
التقديرات المتداولة تضع طول المحور المقترح في حدود 500 كيلومتر.
وهذه المسافة تجعل المشروع واحدا من أكبر مشاريع البنية التحتية التي يمكن أن تعرفها تونس خلال العقود المقبلة.
لكن كلفة الخط لا تحددها المسافة وحدها.
فهناك فرق كبير بين إنشاء خط جديد على أرض مفتوحة وبين إنشاء خط يمر داخل مناطق حضرية مكتظة أو يتطلب أنفاقا وجسورا ومنشآت هندسية ضخمة.
كما أن هناك فرقا بين «خط حديدي عالي الأداء» يسمح بسرعات مرتفعة نسبيا، وبين خط قطار فائق السرعة بالمعايير الأوروبية الكاملة.
وهذه النقطة ستكون حاسمة في تحديد الفاتورة النهائية.
المغرب ومصر… أقرب المقارنات
عند محاولة تقدير الكلفة المحتملة، تبدو التجارب المغاربية والإفريقية أكثر فائدة من المقارنات مع بعض المشاريع الأوروبية شديدة التعقيد.
في المغرب، تبلغ كلفة مشروع القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش، الذي يمتد لنحو 430 كيلومترا، نحو 53 مليار درهم، أي ما يقارب 5.7 مليارات دولار.
وهذا يعادل في حدود 13 مليون دولار للكيلومتر.
أما في مصر، فتبلغ شبكة القطارات فائقة السرعة المخطط لها نحو 2000 كيلومتر، مع استثمارات تقدر بحوالي 23 مليار دولار، أي في حدود 11.5 مليون دولار للكيلومتر.
هذه الأرقام لا يمكن إسقاطها آليا على تونس، لكنها تقدم مؤشرا مهما عن كلفة مشاريع بهذا الحجم في دول ذات ظروف اقتصادية وجغرافية أقرب إلى الحالة التونسية.
ماذا يحدث إذا احتسبنا كل شيء؟
القطار ليس مجرد قضبان.
عند احتساب الكلفة الحقيقية يجب إدراج إنشاء المسار، والجسور، والأنفاق، والمحطات، والكهرباء، والإشارات والتحكم، والاتصالات، ومراكز الصيانة، وشراء القطارات، ونزع الملكية، والدراسات، وربط الخط بشبكات النقل الأخرى.
كما يجب احتساب احتياطي لمواجهة ارتفاع أسعار مواد البناء والطاقة والحديد والإسمنت وتكاليف اليد العاملة والتمويل.
ولهذا فإن الاعتماد على متوسط كلفة مغربي أو مصري لا يعطي وحده الكلفة النهائية للمشروع التونسي.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
إذا افترضنا خطا بطول 500 كيلومتر، يمكن بناء ثلاثة سيناريوهات تقريبية.
السيناريو الأول: كلفة منخفضة
إذا تمكنت تونس من تنفيذ المشروع بكلفة تقترب من 15 مليون دولار للكيلومتر، فإن الكلفة الأساسية ستكون في حدود:
7.5 مليارات دولار.
ومع إضافة التجهيزات والمحطات والاحتياطيات، قد تقترب الفاتورة الإجمالية من 9 إلى 10 مليارات دولار.
هذا السيناريو يفترض ظروفا ملائمة ومسارا لا يحتاج إلى عدد كبير من الأنفاق والمنشآت المعقدة.
السيناريو الثاني: كلفة متوسطة
إذا ارتفعت الكلفة إلى 25 مليون دولار للكيلومتر، فإن إنشاء الخط سيكلف نحو:
12.5 مليار دولار.
وبإضافة التجهيزات والمنشآت والاحتياطيات يمكن أن تتراوح الكلفة النهائية في حدود 15 إلى 18 مليار دولار.
وهذا يبدو، في تقديري، أحد السيناريوهات الأكثر قابلية للنقاش في الوقت الحالي.
السيناريو الثالث: كلفة مرتفعة
أما إذا فرضت طبيعة المسار إنشاء جسور كثيرة، وأنفاق، ومحطات جديدة، وأعمالا كبيرة لنزع الملكية وإعادة تهيئة البنية التحتية، فقد تصل الكلفة إلى 40 مليون دولار للكيلومتر أو أكثر.
عندها نتحدث عن:
20 مليار دولار ككلفة أساسية
وقد ترتفع الفاتورة الإجمالية إلى 25 مليار دولار أو أكثر.
لكن هذا السيناريو يحتاج إلى إثباته من خلال الدراسات الهندسية، ولا يمكن اعتماده حاليا باعتباره الكلفة المرجحة.
التقدير الأقرب في الوقت الحالي
بناء على المقارنة مع مشاريع المغرب ومصر، وعلى طبيعة المشروع التونسي، فإن تقديرا أوليا معقولا يمكن أن يضع الكلفة الإجمالية في نطاق:
10 إلى 20 مليار دولار.
وقد ترتفع إلى حدود 25 مليار دولار أو أكثر إذا كشفت الدراسات عن احتياجات هندسية وتمويلية كبيرة.
لكن لا توجد في الوقت الحالي دراسة منشورة تسمح بتحديد رقم نهائي.
وهنا يجب التفريق بين أمرين: كلفة بناء الخط والكلفة الكاملة للمشروع على مدى سنوات التمويل والتشغيل.
فإذا تم تمويل المشروع بقروض طويلة الأجل، فإن فوائد التمويل وخدمة الدين يمكن أن تضيف مليارات أخرى إلى ما ستدفعه الدولة فعليا على مدى عقود.
المشروع أكبر من مجرد قطار
إذا تم إنجاز المشروع فعلا، فإنه لن يكون مجرد وسيلة نقل أسرع بين المدن.
فالخط يمكن أن يشكل محورا لوجستيا يربط الموانئ والمناطق الصناعية ومراكز الإنتاج، ويعزز الربط بين الشمال والوسط والجنوب، ويفتح المجال أمام ربط تونس مستقبلا بالشبكات الجزائرية والليبية.
وهنا يمكن أن يصبح المشروع اقتصاديا أكثر من كونه مشروعا للنقل.
لكن ذلك يتوقف على سؤال أساسي: هل سيكون عدد المسافرين وحجم البضائع كافيين لتبرير هذه الاستثمارات الضخمة؟
السؤال الأصعب: من سيدفع؟
الكلفة، مهما كانت، ليست سوى نصف المشكلة.
النصف الآخر هو التمويل.
فتونس التي تواجه احتياجات تمويلية وضغوطا على المالية العمومية لن تستطيع، على الأرجح، تحمل مشروع بهذا الحجم بالكامل من ميزانية الدولة.
لذلك ستكون هناك حاجة إلى نموذج تمويل واضح، سواء من خلال مؤسسات مالية دولية، أو قروض ميسرة، أو شراكات استثمارية، أو تمويلات مرتبطة بمشاريع البنية التحتية والنقل، أو مزيج من هذه الآليات.
وهنا تحديدا ستظهر جدية المشروع.
فالإعلان عن الدراسات شيء، وتأمين مليارات الدولارات لتنفيذ المشروع شيء آخر تماما.
قبل الحديث عن السرعة… يجب الحديث عن الجدوى
المرحلة الحالية تفرض على تونس الإجابة أولا عن الأسئلة الاقتصادية والهندسية.
كم ستكون سرعة القطارات؟
كم عدد الرحلات اليومية؟
كم عدد المسافرين المتوقع؟
هل سيحمل الخط البضائع أيضا؟
كم ستكون أسعار التذاكر؟
ما هي المدن التي ستتوقف فيها القطارات؟
كم ستستغرق الأشغال؟
وما حجم العائد الاقتصادي المباشر وغير المباشر؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد ما إذا كان المشروع استثمارا استراتيجيا قادرا على تغيير خريطة النقل في تونس، أم مشروعا ضخما ستكون كلفته أكبر من مردوده.
في الوقت الراهن، يمكن القول إن مشروع بنزرت–بنقردان مشروع حقيقي مطروح للدراسة، لكن كلفته لم تحسم بعد. والتقدير الأكثر تحفظا، استنادا إلى المقارنات الدولية، يضع الفاتورة المحتملة في حدود 10 إلى 20 مليار دولار، مع إمكانية ارتفاعها إذا كشفت الدراسات عن احتياجات هندسية وتمويلية استثنائية.
أما الرقم النهائي، فلن تحدده التصريحات السياسية ولا التقديرات الإعلامية، وإنما دراسة الجدوى التي ستكشف لأول مرة كم سيكلف هذا الحلم الحديدي تونس فعليا.
