أكدت المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك في بيان لها اليوم على الوضعية الحرجة التي يشهدها قطاع الصحة في تونس، والتي باتت ترهق المواطنين وتثقل كاهل المضمونين الاجتماعيين، في انتهاك واضح للحق الدستوري في الصحة المنصوص عليه بالفصل 38 من الدستور التونسي.
وأشارت المنظمة إلى أن طول أجال استرجاع مصاريف العلاج وارتفاع كلفتها يجبر آلاف الأسر على الانتظار لمدد تصل في بعض الحالات إلى خمسة أشهر، مما يزيد الضغط المالي ويجبر البعض على تأجيل العلاج أو اللجوء إلى الدفع بالتقسيط أو التداين، وهو ما يؤدي إلى تدهور القدرة الشرائية للمواطنين. وأكدت أن المستهلك يتحمل مباشرة ما بين 38 و40% من النفقات الصحية، في حين توصي منظمة الصحة العالمية بعدم تجاوز هذه النسبة 25%.
كما نبهت المنظمة إلى عدة مشكلات جوهرية في المنظومة الصحية:
- تأخير غير مبرر في استرجاع المصاريف: رغم مساهمة المضمون الاجتماعي في تمويل الصندوق الوطني للتأمين على المرض، تتجاوز أجال معالجة الملفات خمسة أشهر، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على المضمونين الاجتماعيين.
- مراجعة قائمة الأمراض الثقيلة والمزمنة: القائمة الحالية لم تعد تتوافق مع تطور الأمراض والوضع الصحي.
- سقف سنوي غير ملائم: السقف المحدد للتغطية الصحية لا يواكب ارتفاع أسعار الأدوية والخدمات الطبية، ما يجبر المنخرطين على تحمل أعباء إضافية.
- غياب الإلزام بالوصفة الطبية العلمية: يستمر تطبيق الوصفة التجارية التي ترفع كلفة العلاج على المضمون الاجتماعي.
- غياب الشفافية في تسعيرة الخدمات الصحية: العديد من المصحات والعيادات الخاصة لا تنشر أسعارها، مع وجود تجاوزات في هوامش الربح تصل أحياناً إلى 300%.
- بطاقة “لاباس” الإلكترونية: لم تُفعّل بعد بصفة شاملة منذ إطلاقها في أفريل 2019، مما يحد من كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين.
وطالبت المنظمة بإصلاح عاجل يتضمن تحديد أجال قصوى لمعالجة الملفات لا تتجاوز 15 يومًا، ومراجعة دورية للسقف السنوي للتغطية وربطه بالأجر الأدنى والقدرة الشرائية، بالإضافة إلى فرض الإلزام القانوني بالوصفة الطبية العلمية ونشر أسعار الخدمات الصحية بشكل شامل، مع تفعيل الأجهزة الرقابية للحد من التجاوزات.
وأشارت المنظمة إلى ضرورة استثمار موارد الصندوق الوطني للتأمين على المرض في دعم المرفق الصحي العمومي بدلاً من دفع المواطن نحو القطاع الخاص، بما يضمن العدالة الاجتماعية ويكرس الحق الدستوري في الصحة.
وأكدت المنظمة أن القدرة الشرائية للمواطن التونسي لم تعد تتحمل المزيد من الأعباء الصحية، وأن ترك قطاع الصحة تحت منطق السوق والربح يعد إخلالًا جسيماً بالدستور وبالقوانين المنظمة للصندوق الوطني للتأمين على المرض، داعية إلى إصلاح تشريعي وهيكلي عاجل يعيد الاعتبار للمنظومة الصحية العمومية ويحول الحق في الصحة إلى واقع ملموس.

