أعربت لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس (CRLDHT)، في بيان صادر بتاريخ 4 مارس 2026، عن “بالغ انشغالها” على خلفية الحكم الصادر يوم 2 مارس 2026 عن الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس، التابعة للقطب القضائي الاقتصادي والمالي، في ما يُعرف بقضية “أورنج”، والمتعلقة بقرار اتُّخذ خلال مجلس وزاري مضيق انعقد في 18 جانفي 2018 بخصوص ملف رجل الأعمال مروان المبروك ومسألة رفع التجميد الأوروبي عن أمواله.
وبحسب المعطيات التي تم تداولها، شملت الأحكام الصادرة كلاً من رئيس الحكومة الأسبق يوسف الشاهد، ومبروك كرشيد الوزير الأسبق لأملاك الدولة والشؤون العقارية، ومحمد أنور معروف وزير تكنولوجيات الاتصال والاقتصاد الرقمي الأسبق، ولطفي بن ساسي المستشار السابق المكلف بالاستثمار لدى رئيس الحكومة، ومهدي بن غربية الوزير الأسبق للعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان، ومحمد رضا شلغوم وزير المالية الأسبق، وخميّس الجهيناوي وزير الشؤون الخارجية الأسبق، إلى جانب عادل قرار المدير العام السابق لشركة “الكرامة”.
وقضت المحكمة بسجن كل واحد منهم لمدة ست سنوات، مع خطية مالية فردية قدرها 800 مليار مليم (حوالي 235 مليون يورو)، إضافة إلى خطية تضامنية بنفس القيمة لفائدة الدولة، مع الحرمان من مباشرة أي وظيفة عمومية. وتُقدّر القيمة الجملية النظرية للمبالغ المحكوم بها على كل مدان بنحو 1600 مليار مليم.
كما ذكّرت اللجنة بأن مروان المبروك كان قد صدر في حقه، في اليوم ذاته، حكم في قضية أولى منفصلة تتعلق بإحدى شركاته، قضى بسجنه 14 سنة مع خطايا مالية ثقيلة ومصادرة أملاك، قبل أن تضاف إليها ست سنوات أخرى في قضية رفع التجميد، ليبلغ مجموع العقوبات السجنية 20 سنة.
خلفية القرار موضوع التتبع
ويعود أصل القضية إلى قرار تم اتخاذه في إطار مجلس وزاري مضيق في جانفي 2018، كان يهدف إلى دعم طلب رفع اسم مروان المبروك من قائمة التجميد الأوروبية، بما يسمح بإتمام عملية تفويت في أسهم، مقابل تقديم ضمان بنكي تونسي عند أول طلب لفائدة الدولة بقيمة 32 مليون دينار.
وأشارت المعطيات إلى أن هذا المبلغ حُدّد استنادًا إلى تقييم صادر عن وزارة العدل قدّر قيمة الأموال المعنية بالخارج بحوالي 7 ملايين يورو، مع التنصيص على إمكانية تنفيذ الضمان فور صدور حكم باتّ يثبت عدم قانونية تلك الأموال.
وأكدت اللجنة أن القرار كان جماعيًا وصدر في إطار حكومي رسمي، واعتُبر حينها تحكيمًا اقتصاديًا سياديًا في سياق مفاوضات دبلوماسية بين تونس وفرنسا. غير أنها لاحظت أن بعض الوزراء الذين شاركوا في المجلس ذاته لم تشملهم الأحكام، رغم أن النقاشات، وفق ما تم تداوله، عكست وجود اتجاهين: أحدهما يدعو إلى رفع التجميد دون شروط، وآخر يطالب برفعه مقابل ضمانات مالية، ليتم في النهاية اعتماد صيغة توافقية تقوم على الرفع مقابل ضمان.
تساؤلات حول المسؤولية والتناسب
وأثارت اللجنة تساؤلات بشأن المعايير القانونية التي تم اعتمادها في إسناد المسؤولية الجزائية بشكل فردي في إطار قرار حكومي جماعي، مشددة على أن مبادئ المساواة أمام القانون وشخصية المسؤولية الجزائية تقتضي تعليلاً دقيقًا ومفصلاً لكل إدانة.
كما تساءلت عن الأساس القانوني لإدانة مروان المبروك في هذه القضية، معتبرة أن مجرد كونه مستفيدًا من القرار لا يكفي، في حد ذاته، لإسناد مسؤولية جزائية ما لم تثبت أفعال غير قانونية أو دور فعلي في التأثير على القرار.
وانتقدت اللجنة ما اعتبرته “عدم تناسب” بين قيمة الخطايا المسلطة وحجم المبالغ موضوع النزاع، مشيرة إلى أن العقوبات المالية المحكوم بها تفوق بكثير قيمة الأموال المقدرة أو مبلغ الضمان البنكي الذي كان مقررًا.
دعوة لاحترام ضمانات المحاكمة العادلة
وشددت لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان على أن مكافحة الفساد تظل ضرورة أساسية، لكنها لا يمكن أن تتم على حساب الضمانات الدستورية والإجرائية، مؤكدة ضرورة احترام قرينة البراءة، والحق في محاكمة عادلة كما يكرسه الدستور التونسي والاتفاقيات الدولية المصادق عليها، وخاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
ودعت اللجنة إلى ضمان احترام الضمانات القانونية خلال مراحل الطعن، والتقيد بمبادئ المساواة أمام القانون وتناسب العقوبات، معتبرة أن أي إخلال بهذه الأسس من شأنه أن يضعف مصداقية العدالة ويمسّ بأسس دولة القانون.

