أصدرت الإدارة الوطنية للتحكيم، مساء أمس، بيانًا توضيحيًا بخصوص الأعطاب الفنية الطارئة التي شهدتها تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR) في كل من ملعب الهادي النيفر بباردو والملعب الأولمبي بسوسة، مؤكدة أن القرارات التحكيمية المتخذة احترمت البروتوكول المعتمد رغم الإشكالات التقنية.
غير أن البيان، بدل أن يُغلق الملف، فتح بابًا واسعًا من الجدل والتساؤلات، خاصة بعد ردود فعل غاضبة شكّكت في جاهزية المنظومة التقنية وفي مدى احترام كراس الشروط المتعلق بصفقة الـVAR.
وأفادت الإدارة أنه خلال مباراة الملعب التونسي ومستقبل سليمان، وفي الدقيقة 15 من الشوط الأول، تم الاشتباه في إمكانية وجود ركلة جزاء لفائدة الملعب التونسي، بينما كان حكم الفيديو بصدد فحص اللقطة.
غير أن عطبًا طرأ على مستوى الخادم (Serveur)، ما أدى إلى توقف النظام وتعطل تقنية الـVAR. وأعلم حكم الفيديو حكم الميدان بالعطب، قبل تدخل الفرق الفنية المختصة.
وبعد حوالي 10 دقائق، استُعيد تشغيل النظام، وتمت مراجعة اللقطة من مختلف الزوايا، ليخلص حكم الفيديو إلى عدم وجود ركلة جزاء، وهو ما تطابق مع تقدير حكم الميدان، ليُستأنف اللعب دون مراجعة ميدانية.
لكن مع بداية الشوط الثاني، تجدد الخلل الفني، وتعذر إعادة تشغيل المنظومة رغم المحاولات، ما اضطر حكم الميدان إلى إبلاغ قائدي الفريقين، طبقًا للبروتوكول، قبل استكمال المباراة دون الاعتماد على تقنية الـVAR.
انقطاع كهرباء يربك مباراة سوسة
وفي ما يخص مباراة النجم الساحلي واتحاد بن قردان، أوضحت الإدارة أنه في الدقيقة 88 سجّل اتحاد بن قردان هدفًا احتسبه حكم الميدان في البداية.
وبعد مراجعة اللقطة من قبل حكم الفيديو، تم اعتبار الهدف غير صحيح بسبب مخالفة في مسار الهجمة على لاعب من النجم الساحلي، وهي حالة تستوجب دعوة حكم الميدان للمراجعة.
غير أن انقطاع التيار الكهربائي حال دون استكمال الإجراء في حينه. وبعد عودة الكهرباء واستعادة النظام، راجع حكم الميدان اللقطة وقرر إلغاء الهدف، مع استئناف اللعب بضربة حرة مباشرة لفائدة النجم الساحلي.
التحكيم يدافع… لكن الشكوك تتصاعد
وختمت الإدارة بيانها بالتأكيد على حرصها على نزاهة القرارات التحكيمية، مشددة على أن تقنية الـVAR، رغم دورها الإيجابي، تبقى نظامًا تقنيًا معقدًا قد يتعرض لأعطاب غير متوقعة.
غير أن هذا التوضيح لم يُقنع عديد المتابعين والخبراء، حيث فجّرت ردود فعل لاحقة نقاشًا أعمق حول سلامة المنظومة من أساسها.
في المقابل، فجّرت تصريحات خبراء في المجال التقني موجة جديدة من الشكوك حول مدى سلامة الإجراءات التي اعتمدتها الإدارة الوطنية للتحكيم، خاصة في ما يتعلق بمباراة النجم الساحلي واتحاد بن قردان.
وأكد سامي سيدهم، الخبير في التجهيزات السمعية البصرية، أن ما ورد في بيان الحيمودي يتضمن «مغالطة تقنية كبرى»، تمسّ مباشرة بمصداقية القرار التحكيمي الذي استند إلى تقنية حكم الفيديو المساعد.
وأوضح سيدهم أن انقطاع التيار الكهربائي عن غرفة الـVAR لمدة تقارب 15 دقيقة يجعل من المستحيل تقنيًا استئناف العمل بالمنظومة فور عودة الكهرباء، إذ تُفقد خلال الانقطاع عملية معايرة الميدان (Calibration)، والتي تستوجب إعادة إنجازها كاملة من جديد قبل أي استخدام.
وأضاف أن استئناف العمل دون إعادة المعايرة يُعد خرقًا صريحًا للبروتوكول التقني، ما يعني – وفق تعبيره – أن «المنظومة استُعملت في وضع غير مطابق، وهو ما ينسحب على شرعية القرار التحكيمي نفسه».
واعتبر سيدهم أن الإدارة الوطنية للتحكيم، بدل توضيح المسألة بجرأة، «اختارت الترقيع»، ما أدى – حسب قوله – إلى تعميق الأزمة وإقحام الجامعة التونسية لكرة القدم في دائرة الشبهات.
صفقة مدفوعة مسبقًا؟
من جهته، أضاف المحامي أحمد التونسي، وهو من المتابعين الدقيقين لملف صفقة الـVAR، أن الجامعة التونسية لكرة القدم قامت بخلاص قيمة الصفقة بصفة مسبقة، في خطوة وصفها بالمريبة، خاصة في ظل الجدل القائم حول مدى احترام كراس الشروط.
وأشار التونسي إلى أن هذا الإجراء يطرح تساؤلات جدية حول دوافع الدفع المسبق، وما إذا كان الهدف منه تحصين الشركة المتعاقدة ماليًا، حتى في حال حصول تغييرات على مستوى قيادة الجامعة، معتبرًا أن «الملف لم يعد تقنيًا فقط، بل يحمل أبعادًا قانونية ومالية تستوجب التدقيق».
أين المولدات؟
وفي تعليقه على الأعطاب المسجلة، شدّد سامي سيدهم على أن كراس الشروط – حسب اطلاعه – ينص صراحة على تشغيل منظومة الـVAR تحت مولد كهربائي مستقل (Groupe électrogène) في كل مباراة، إضافة إلى جهاز UPS يضمن تزويدًا فوريًا بالكهرباء لمدة لا تقل عن 15 دقيقة عند انقطاع التيار.
وتساءل الخبير بحدة:
«كيف تتعطل منظومة يُفترض أنها محمية تقنيًا بسبب انقطاع كهرباء؟ أين المولد؟ وأين جهاز الـUPS؟»
وكشف أن كلفة المولد الكهربائي وحده، وفق الصفقة، تتراوح بين 800 ألف ومليون دينار، مطالبًا بتوضيح رسمي حول ما إذا تم اقتناؤه فعلًا، أم أن كراس الشروط لم يُحترم.
إخلالات إضافية في المنظومة
ولم تتوقف الانتقادات عند مسألة الكهرباء، إذ أشار سيدهم إلى جملة من الإخلالات الأخرى، من بينها:
- الاكتفاء بـ 7 كاميرات بدل 9 كما هو منصوص عليه
- استعمال تجهيزات ذات طابع تجاري بدل معدات احترافية
- غياب بعض تقنيات الإعادة البطيئة المنصوص عليها في كراس الشروط
من عطب تقني إلى قضية رأي عام
وبذلك، تحولت أعطاب الـVAR في باردو وسوسة، في ظرف ساعات، من مجرد خلل تقني إلى قضية رأي عام رياضي، وسط تساؤلات متصاعدة حول:
- مدى احترام كراس الشروط
- سلامة البنية التحتية التقنية
- شفافية الصفقة من حيث الجودة والكلفة
وفي هذا السياق، تعالت دعوات تطالب وزارة الشباب والرياضة بالتدخل العاجل وفتح تحقيق فني ومالي، يوضح للرأي العام حقيقة ما جرى، والمسؤوليات المترتبة عنه.
ما حدث في باردو وسوسة لم يعد يُقرأ كأعطال تقنية عابرة، بل كمؤشر مقلق على هشاشة منظومة يُفترض أنها ضامن العدالة التحكيمية.
وبين بيان رسمي مطمئن، وتشكيك خبراء مختصين، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل المشكلة في العطب… أم في المنظومة نفسها؟

